نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترامب والذكاء الاصطناعي, اليوم الخميس 6 أغسطس 2026 05:33 مساءً
كان الإنسان قديمًا ينظر إلى السماء ويتساءل: ماذا يوجد هناك؟ أما الإنسان الحديث فأصبح يسأل سؤالًا أكثر غرابة: ماذا يمكن أن نجعل هناك؟.. وهذه هي المفارقة الجميلة في قصة الإنسان؛ فقد كان يحلم بالطيران، فصنع الطائرة، وحلم بالوصول إلى القمر، فصنع الصاروخ، ثم جاء اليوم الذي لم يعد يحتاج فيه إلى أن يذهب إلى الفضاء، يكفي أن يفتح جهازًا ويطلب من آلة ذكية أن تضعه هناك! ربما لهذا السبب لم تعد الصورة مجرد صورة. لقد أصبحت رحلة قصيرة بين ما هو موجود وما نتمنى أن يكون موجودًا.
منذ أيام، أثارت مجموعة من الصور والمقاطع المصنوعة بالذكاء الاصطناعي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب تفاعلًا واسعًا، بعدما ظهر فيها داخل مشاهد أقرب إلى أفلام الخيال العلمي؛ مرة داخل مركز قيادة فضائي يطل على الأرض، ومرة في معارك بين الأقمار الصناعية، ومرة وسط روبوتات عسكرية، بل وظهر في مشهد آخر بصحبة كائن فضائي.
والحقيقة أن أكثر ما يلفت النظر ليس وجود رئيس في الفضاء، فالأفلام فعلت ذلك كثيرًا، بل أن التكنولوجيا أصبحت قادرة على أن تجعل الخيال يبدو وكأنه خبر عاجل.
في الماضي، كان الفنان يحتاج إلى فرشاة ووقت طويل حتى يرسم عالمًا من الخيال. واليوم، قد تحتاج فقط إلى فكرة وجملة قصيرة، فتأتيك الآلة بعالم كامل: سماء، وصواريخ، وجيوش، وكائنات من كواكب أخرى، وربما لو طلبت منها أن تجعل القمر يبتسم لفعلت ذلك دون أن تسأل عن السبب! وهنا نتذكر رواية "فرانكشتاين" للكاتبة ماري شيلي. لم تكن القصة في جوهرها مجرد حكاية عن عالم صنع مخلوقًا غريبًا، بل كانت سؤالًا كبيرًا عن الإنسان وما يصنعه بيديه. فالإنسان لا يخترع شيئًا ثم ينتهي الأمر؛ بل يبدأ بعدها الحوار مع اختراعه.
وهذا هو السؤال الذي يطرح نفسه اليوم مع الذكاء الاصطناعي: هل نحن أمام أداة جديدة توسّع خيال الإنسان؟ أم أمام عالم جديد يحتاج الإنسان فيه إلى أن يتعلم كيف يثق فيما يراه؟، فالإنسان كان قديمًا يقول: "لا تصدق كل ما تسمعه"، ثم جاء عصر الصحافة فقال: "تحقق مما تقرأ"، واليوم أصبح عليه أن يقول: "تأكد مما ترى". لقد أصبحت الصورة تمتلك قوة لا تملكها الكلمات؛ لأنها تدخل العين قبل أن تصل إلى العقل. والصورة الجيدة لا تحتاج إلى شرح طويل، فهي تروي حكايتها في لحظة واحدة. لكن المشكلة أن الصورة اليوم لم تعد دائمًا ابنة الواقع، فقد تكون ابنة الخيال، والخيال أحيانًا يرتدي ملابس الحقيقة بطريقة متقنة جدًا.
وربما تكون أعظم مفارقة في عصرنا أن الإنسان اخترع آلة تقلده، ثم بدأ يستخدمها ليصنع نسخة أكثر خيالًا من نفسه. أصبح يستطيع أن يكون بطلًا في الفضاء، أو قائدًا في المستقبل، أو شخصيةً في سيناريو لم يُكتب بعد. لكن وسط هذا العالم المدهش، يبقى هناك شيء لا تستطيع الآلة أن تصنعه: المعنى. فالآلة تستطيع أن ترسم لك كوكبًا بعيدًا، لكنها لا تستطيع أن تجيبك عن السؤال الأهم: لماذا تريد الذهاب إليه؟ وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية؛ فالمستقبل ليس لمن يملك القدرة على صناعة الصور فقط، بل لمن يملك الحكمة في فهمها. لأن الإنسان قد ينجح في أن يجعل الخيال يبدو حقيقة... لكن التحدي الأكبر أن يعرف أين تنتهي الصورة وأين يبدأ الواقع.

















0 تعليق