أبناء القتلة.. كيف أباحت جماعة الإخوان الإرهابية إراقة دماء المصريين؟

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أبناء القتلة.. كيف أباحت جماعة الإخوان الإرهابية إراقة دماء المصريين؟, اليوم السبت 18 يوليو 2026 07:09 مساءً

حسن البنا وسيد قطب أسسا مدرسة القتل والعنف لإقامة الدولة الإسلامية وإعداد التنظيم الخاص لتكفير المجتمع

"حسم" و"لواء الثورة"، تبنت تنفيذ عمليات استهدفت مؤسسات الدولة وعناصرها.. و"بيان الاستعداد" في 2015 رسخ سياسة القتل المفتوح

مذكرات القيادات الإخوانية تكشف مراحل إعداد العناصر الإرهابية فكريا وبدنيا وتنظيميا واخضاعهم لأوامر التنظيم

 

لا يبدأ العنف بـ "رصاصة"، بل حين يجد من يبرره، ويمنحه غطاءً فكريًا، ودينيًا، خاصة لو كان مرتبطًا بجماعات دينية، تدّعي الفضيلة، والانتصار للحق، مع كون ذلك يتعارض مع روح الأديان.

عادةً لا تنتقل التنظيمات الإرهابية من العمل السياسي إلى العمل المسلح بقرار مفاجئ، وإنما عبر مسار تتغير فيه المفاهيم، ويعاد تفسير النصوص، وتُصاغ مبررات جديدة تجعل استخدام القوة خيارًا يمكن الدفاع عنه داخل التنظيم وبين أنصاره، وهو مسار انتهجته جماعة الإخوان الإرهابية.

تلك الجماعة التي مرت بمراحل متفاوتة بين مهادنة وعنف، جميعها تتعلق بتحولات فكرية، خاصة تلك التي برزت بعد عام 2013، حين تمت الإطاحة بالجماعة الإرهابية من الحكم، فاستدعت العنف، ولجانها النوعية كأداة في مواجهة الدولة، بالتوازي مع صعود قيادات وشخصيات دفعت نحو تبني هذا المسار، وظهور أدبيات حاولت منحه سندًا شرعيًا وسياسيًا.

ولم يتوقف الأمر عند حدود الخطاب، بل امتد إلى إعادة تشكيل بعض الهياكل التنظيمية، وظهور ما عُرف باللجان النوعية، ثم بروز تنظيمات حملت أسماء مختلفة، مثل "حسم" و"لواء الثورة"، تبنت تنفيذ عمليات استهدفت مؤسسات الدولة وعناصرها، وبالتوازي مع ذلك، ظهرت مساحات تقاطع بين بعض دوائر الإخوان وبعض التنظيمات المتطرفة، سواء على مستوى الخطاب أو الممارسة، بما فتح الباب أمام مرحلة جديدة اتسمت بتداخل الحدود بين التنظيم السياسي وبعض أنماط العمل المسلح.

وتكشف متابعة هذا المسار أن شرعنة العنف لم تكن حدثًا منفصلًا عن التطورات التنظيمية، بل جاءت كجزء من عملية متكاملة شملت إعادة بناء الخطاب، وإعادة توزيع الأدوار، وتطوير أدوات المواجهة، ومن هنا تبرز أهمية تتبع هذا المسار لفهم الكيفية التي انتقل بها العنف من كونه خيارًا ترفضه الجماعة في خطابها المعلن، إلى مسار وجد من يسعى إلى تأصيله والدفاع عنه داخل بعض دوائرها، وما ترتب على ذلك من تحولات امتدت آثارها إلى بنية التنظيم نفسه وإلى المشهد الأمني المصري.

 

من السياسة إلى السلاح

تلقى تنظيم جماعة الإخوان الإرهابية أكبر هزة تنظيمية وفكرية بسبب الإطاحة به في عام 2013، فلم تقتصر التداعيات على فقدان السلطة أو تفكيك جزء من البنية التنظيمية، بل امتدت إلى مراجعة أدوات المواجهة مع الدولة، في ظل اقتناع قطاع داخل التنظيم بأن الوسائل السياسية التي اعتمدت عليها الجماعة خلال السنوات السابقة لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها.

ومع تصاعد حالة الاستقطاب، بدأ يتشكل اتجاه جديد يدفع نحو تبني خيارات أكثر تصعيدًا، بالتوازي مع تراجع تأثير القيادات التقليدية التي كانت تميل إلى إدارة الصراع عبر الأدوات السياسية والتنظيمية، وهو اتجاه تسيطر عليه عناصر قطبية، كان أبرزها محمد كمال ويحيى موسى.

وجاءت إعادة تشكيل الهيكل التنظيمي للجماعة لتمنح مساحة أكبر لجيل الشباب، الذي وجد نفسه في صدارة المشهد بعد تعرض عدد من القيادات التاريخية للاعتقال أو الملاحقة أو مغادرة البلاد، بما أتاح بروز قيادات ميدانية جديدة تبنت رؤية مختلفة لإدارة المواجهة، اعتبرت أن المرحلة تتطلب الانتقال من الاحتجاج إلى "المقاومة"، وبدأت في الدفع نحو إعادة قراءة تراث الجماعة بما يسمح بتبني خيارات أكثر حدة في التعامل مع الدولة.

وامتد الخلاف بين الجيلين إلى طبيعة المرحلة وأدوات إدارتها وحدود استخدام القوة، وهنا تبلور نقاش داخلي حول مشروعية اللجوء إلى النهج المسلح، ولم يظهر هذا النقاش في صورة إعلان رسمي بتغيير استراتيجية الجماعة، وإنما عبر سلسلة من البيانات والاجتهادات التي سعت إلى إعادة تعريف مفهوم المواجهة، واعتبار استخدام القوة أحد الخيارات الممكنة في ظل الظروف التي أعقبت عام 2013.

وشكل هذا التحول نقطة فاصلة، إذ انتقل الجدل من رفض العمل المسلح بوصفه خيارًا سياسيًا إلى البحث عن مبررات فكرية وفقهية تتيح استخدامه في مواجهة مؤسسات الدولة، مع الحرص على تقديم هذا الطرح باعتباره امتدادًا لتراث الجماعة وليس خروجًا عليه.

وانعكس هذا التغيير تدريجيًا على البنية التنظيمية، فمع تصاعد نفوذ القيادات الشابة، بدأت تتشكل شبكات أكثر مرونة في الحركة، تعتمد على مجموعات صغيرة يصعب تتبعها، بما وفر بيئة تنظيمية ملائمة لظهور ما عُرف لاحقًا بـ"اللجان النوعية"، وهي لجان جاءت كنتيجة مباشرة للتحولات التي شهدتها الجماعة بعد عام 2013، حيث تداخلت إعادة الهيكلة التنظيمية مع التحولات الفكرية، ليصبح الانتقال إلى مرحلة أكثر تصعيدًا جزءًا من مسار متدرج سبق ظهور التنظيمات المسلحة التي برزت في السنوات التالية.

وبذلك، لم يبدأ مسار العنف داخل الجماعة بظهور تنظيمات مثل "حسم" أو "لواء الثورة"، وإنما بدأ قبل ذلك بإعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل التنظيم، وصعود جيل حمل رؤية مختلفة لإدارة الصراع، ثم إنتاج خطاب يسعى إلى منح هذه الرؤية غطاءً فكريًا وتنظيميًا، وهو المسار الذي مهد لاحقًا للانتقال من مرحلة الجدل النظري إلى مرحلة الممارسة الميدانية، التي شهدت ظهور كيانات مسلحة تبنت تنفيذ عمليات استهدفت مؤسسات الدولة.

 

شرعنة العنف.. كيف بُني الغطاء الفكري؟

سبقت مرحلة الانتقال إلى العنف داخل دوائر جماعة الإخوان الإرهابية عمل موازٍ استهدف توفير غطاء فكري وديني يمنح هذا التحول قدرًا من المشروعية داخل قواعد التنظيم، وهو غطاء تم بناءه على مدار عقود، فالتنظيم الذي ظل يقدم نفسه لعقود باعتباره حركة إصلاح سياسي واجتماعي، وجد نفسه أمام تحدي تبرير انتقال بعض أفراده إلى استخدام القوة، وهو ما دفع إلى إنتاج خطاب جديد يعيد تفسير مفاهيم قديمة، ويقدم قراءة مختلفة لتراث الجماعة بما يتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة. وبدأت ملامح هذا الخطاب في الظهور بصورة أكثر وضوحًا مع ما عُرف بـ"بيان الاستعداد"، الذي نُشر مطلع عام 2015، واعتبره كثيرون نقطة تحول في الخطاب الداخلي للجماعة، فالبيان لم يكتف بالدعوة إلى استمرار المواجهة، بل أعاد استحضار تجربة "التنظيم الخاص" الذي أنشأه حسن البنا، مقدمًا إياه باعتباره جزءًا من تاريخ الجماعة، وليس استثناءً منه.

كما تبنى التنظيم قراءة ترى أن أدوات العمل داخل الإخوان ليست ثابتة، وإنما تتغير وفق طبيعة الظرف السياسي، بما يفتح الباب أمام اعتبار العمل المسلح أحد الخيارات المطروحة في أوقات الصدام والأزمات.

وبالفعل تجاوز الأمر مرحلة البيانات، إلى مرحلة أكثر تنظيمًا مع إعداد وثيقة حملت عنوان "فقه المقاومة الشعبية"، سعت إلى بناء تأصيل فقهي لاستخدام خيار العنف والمواجهة دون تبني الأدبيات التقليدية للتنظيمات السلفية الجهادية، وتجنبت الوثيقة وصف مؤسسات الدولة بالكفر، وهو المفهوم الذي يمثل الركيزة الأساسية في خطاب الجماعات التكفيرية، واستبدلته بوصف آخر يقوم على اعتبارها "أهل بغي"، في محاولة للجمع بين المحافظة على الإطار الفكري التقليدي للإخوان، وإيجاد مبرر ديني يجيز استهداف مؤسسات الدولة ومن يعملون بها، وبهذا الطرح، حاولت الوثيقة تجاوز الإشكال الذي واجه الجماعة في تبرير استخدام القوة، دون إعلان تبني خطاب التكفير بصورة صريحة.

كما كشفت الوثيقة عن محاولة وضع ضوابط لما اعتبرته "المقاومة"، فأجازت استهداف بعض الأفراد والمنشآت وفق تفسيراتها، مع تجنب تبني الممارسات التي قد تدفع الجماعة إلى الظهور بمظهر التنظيمات الأكثر تطرفًا، وهنا كان الهدف صياغة نموذج خاص يمنح العنف شرعية من داخل المرجعية الإخوانية نفسها بعيدًا عن سرديات تنظيمي داعش والقاعدة، مع الحفاظ على مسافة فاصلة عن أدبيات السلفية الجهادية، وهنا انتقلت الجماعة من مجرد الدفاع عن استخدام القوة إلى بناء أساس فقهي يسمح بتوسيع نطاقها، دون تبني خطاب التكفير الذي تتبناه التنظيمات الجهادية.

وجاءت المرحلة التالية مع إصدار ما عُرف بـ"نداء الكنانة" في مايو 2015، الذي وقعه عدد من الشخصيات المحسوبة على الجماعة وذات الخلفية الشرعية. واتجه البيان إلى توسيع نطاق الشرعنة، فلم يكتف بتبرير استخدام القوة، بل اعتبر مقاومة مؤسسات الدولة واجبًا دينيًا، وتضمن دعوات استهدفت القضاة وضباط الجيش والشرطة وبعض الشخصيات العامة، وهنا تعاملت الجماعة الإرهابية مع العنف بمثابة التزام شرعي، يتوجب على عناصر الانضواء تحته.

وتكشف هذه المحطات الثلاث؛ "بيان الاستعداد"، و"فقه المقاومة الشعبية"، و"نداء الكنانة"، عن مسار متدرج في بناء شرعية فكرية للعنف، فقد بدأ الأمر بإعادة قراءة تاريخ الجماعة، ثم انتقل إلى صياغة مبررات فقهية، وانتهى إلى إنتاج خطاب يعتبر المواجهة المسلحة خيارًا مشروعًا في مواجهة الدولة.

وبهذا المعنى، لم تكن شرعنة العنف مجرد رد فعل على التطورات السياسية، وإنما عملية فكرية وتنظيمية متكاملة سبقت توسع النشاط المسلح، وأسهمت في توفير البيئة التي خرجت منها لاحقًا مجموعات مثل "العقاب الثوري" و"حسم" و"لواء الثورة"، والتي مثلت التطبيق العملي لهذا المسار.

 

التنظيم الخاص.. أول جيش سري للإخوان

تعود جذور العنف داخل جماعة الإخوان الإرهابية إلى السنوات الأولى لتأسيس الجماعة نفسها، فبعد سنوات قليلة من إنشائها عام 1928، اتجه مؤسسها حسن البنا إلى إنشاء ما عُرف بـ"التنظيم الخاص"، وهو جهاز سري أُسندت إليه مهام ذات طبيعة عسكرية، ليكون الذراع القادر على تنفيذ العمليات المسلحة عند الحاجة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الواجهة الدعوية والتنظيمية للجماعة، ومنذ تلك اللحظة، أصبح العمل السري جزءًا من البناء التنظيمي للجماعة، وليس مجرد نشاط عابر فرضته ظروف سياسية معينة.

اقتصر الانضمام إلى "التنظيم الخاص" على عناصر بعينها، حيث خضع لعملية انتقاء دقيقة استهدفت اختيار العناصر الأكثر التزامًا واستعدادًا لتنفيذ المهام السرية، فقد كانت عملية الاختيار تمر بعدة مراحل تبدأ بالمراقبة والتقييم، ثم لقاءات فردية مغلقة، يعقبها اختبارات نفسية وسلوكية، قبل أن يصل المرشح إلى مرحلة البيعة التي يتعهد خلالها بالطاعة المطلقة والالتزام الكامل بتعليمات القيادة.

ولم تكن البيعة مجرد إجراء تنظيمي، بل مثلت نقطة التحول التي ينتقل فيها العضو من الانتماء إلى الجماعة العامة إلى الانضمام إلى جهاز سري قائم على مبدأ السمع والطاعة والكتمان، وكان يُطلب من المرشح كتابة وصيته قبل استكمال إجراءات الانضمام، في إشارة إلى طبيعة المهام التي يمكن أن يُكلف بها، بينما كانت مخالفة قواعد السرية أو إفشاء أي معلومات عن التنظيم تُعد من أخطر المخالفات التي تستوجب عقوبات بالغة القسوة داخل النظام الخاص.

واعتمد التنظيم منذ نشأته على هيكل عسكري واضح، يقوم على قيادة وأركان وجنود، مع توزيع دقيق للاختصاصات والمهام، كما قُسم الأعضاء إلى مستويات مختلفة، بعضها يظل بعيدًا تمامًا عن النشاط العلني حتى يكون جاهزًا للمهام الأكثر حساسية، بينما يشارك آخرون في الأنشطة العامة مع الاحتفاظ بجاهزيتهم للتحرك عند صدور التكليف، وهو ما يعكس أن "التنظيم الخاص" لم يُبن باعتباره تشكيلًا مؤقتًا، وإنما جهازًا منظمًا أُعد للعمل طويل الأمد وفق قواعد أقرب إلى التنظيمات العسكرية منها إلى الحركات السياسية.

وتكشف مذكرات أعضاء النظام الخاص أن عملية إعداد العنصر كانت تستغرق ما يقرب من عام ونصف العام، وهي فترة طويلة تضمنت برامج متدرجة في التأهيل الفكري والبدني والتنظيمي، فلم يقتصر التدريب على الجوانب الدعوية أو الشرعية، بل شمل استخدام السلاح، وجمع المعلومات، وكتابة التقارير، والإسعافات الأولية، وقراءة الخرائط، وتقدير المسافات، وقيادة المركبات، إضافة إلى تدريبات على رصد المنشآت الحيوية، وحصر قوات الشرطة، ودراسة مداخل المدن ومخارجها، وكيفية التحرك داخلها أثناء تنفيذ المهام، وقد كانت كل مرحلة تنتهي باختبارات لا ينتقل العضو بعدها إلى المستوى التالي إلا بعد اجتيازها بنجاح.

وتمثل الهدف من هذا البرنامج في إعداد عنصر يمتلك مهارات أمنية وتنظيمية وعسكرية متخصصة، يستطيع تنفيذ تكليفات معقدة داخل بيئة سرية مغلقة، كما اعتمدت عملية الإعداد على الدمج الكامل للعضو داخل الجماعة، بحيث تصبح حياته اليومية، وعلاقاته الاجتماعية، وسلوكه الشخصي، خاضعة لمنظومة تنظيمية دقيقة تعزز الولاء والانضباط، وتربط الفرد بقيادته أكثر مما تربطه بالمجتمع المحيط به.

ولم يتوقف هذا الدمج عند حدود الالتزام التنظيمي، بل امتد إلى إعادة تشكيل وعي العضو وهويته، فكل مرحلة من مراحل الإعداد كانت تهدف إلى تعزيز الثقة المطلقة في القيادة، وتقليص مساحة التفكير الفردي، وترسيخ مبدأ تنفيذ الأوامر دون نقاش، بما يجعل الانضباط التنظيمي جزءًا من البناء النفسي للعضو، وهو ما يتم بصورة تدريجية، حتى بدا لهم امتدادًا طبيعيًا لمسيرتهم داخل الجماعة، وليس انتقالًا إلى تنظيم مختلف.

ومع اختلاف الظروف التاريخية التي مرت بها الجماعة، بقيت تجربة "التنظيم الخاص" تمثل المرجعية التنظيمية الأبرز لكل نقاش لاحق حول مشروعية استخدام القوة، وهو ما يفسر استمرار استدعائها في مراحل لاحقة، عندما عاد الجدل داخل الجماعة حول حدود العمل السياسي وإمكانات اللجوء إلى العنف باعتباره أحد أدوات المواجهة.

واستند العنف داخل جماعة الإخوان الإرهابية إلى منظومة فكرية عملت على منحه غطاءً دينيًا وسياسيًا منذ السنوات الأولى لتأسيس الجماعة، فقبل ظهور "التنظيم الخاص" وتشكيل الأجنحة المسلحة، برزت كتابات ومقولات لقيادات الجماعة وضعت الأساس النظري لفكرة استخدام القوة، وربطتها بمفاهيم مثل: "الجهاد"، و"إقامة الدولة الإسلامية"، و"استعادة الخلافة"، باعتبارها أهدافًا لا يمكن تحقيقها - وفق هذا التصور-  بالوسائل الدعوية وحدها، ومن هنا، لم يأت الحديث عن العنف باعتباره استثناءً فرضته ظروف سياسية، بل باعتباره أحد الخيارات التي يمكن اللجوء إليها متى رأت الجماعة أن الظروف أصبحت مواتية لذلك.

ويُعد حسن البنا نقطة الانطلاق في هذا المسار الفكري، إذ حرص في عدد من رسائله على تقديم القوة باعتبارها جزءًا من مشروع الجماعة، لا وسيلة طارئة تلجأ إليها عند الضرورة فقط، ففي "رسالة التعاليم" رسم البنا مسارًا متدرجًا لعمل الجماعة يبدأ بمرحلة التعريف، ثم التكوين، وصولًا إلى التنفيذ، وهي المرحلة التي ربطها بفكرة "الجهاد"، معتبرًا أن الجماعة مطالبة ببناء قوة خاصة قادرة على حماية الدعوة وتحقيق أهدافها وإقامة ما سماه بالحكم الإسلامي.

ورغم أن البنا لم يتبنَّ خطاب التكفير الصريح للمجتمع، فإنه انطلق من فكرة وجود "نقص" في التزام المجتمع بالإسلام الصحيح، وهو ما جعل الجماعة  - وفق رؤيته - صاحبة رسالة لتقويم هذا الواقع، وبالتالي بنى تصورًا متدرجًا يبدأ بالدعوة والإرشاد، ثم ينتقل إلى استخدام القوة إذا لم تستجب النخب الحاكمة لما تطرحه الجماعة، وهو تصور ظهر في حديثه عن مراتب التعامل مع من وصفهم بـ"الخواص"، حيث اعتبر أن المواجهة معهم تصبح مشروعة إذا رفضوا الانصياع لدعوة الجماعة.

كما ارتبط هذا التصور بخطاب يقوم على تمييز جماعة الإخوان عن بقية المجتمع، حيث قسم البنا الناس في "رسالة دعوتنا" إلى مؤمن، ومتحامل، ومتردد، ونفعي، واعتبر أن الإخوان يمثلون الفئة التي تحمل الإيمان الحقيقي القادر على إحياء الأمة.

وفي المؤتمر السادس، دعا أعضاء الجماعة إلى عدم قياس أنفسهم بغيرهم، مؤكدًا أن دعوتهم تستمد مشروعيتها من القرآن والسنة، وأن ما تحقق من تضحيات و"دماء تسيل من شباب طاهر كريم" يمثل دليلًا على نجاح هذا الطريق، وهو ما أسهم في ترسيخ فكرة أن الجماعة ليست مجرد تنظيم سياسي، وإنما تمثل الطليعة المؤهلة لقيادة المجتمع، وهو ما منحها، في أدبياتها، مكانة تتجاوز بقية القوى السياسية والاجتماعية.

ولم يكتف حسن البنا باعتبار الجهاد قيمة دينية، بل حوّله إلى أداة سياسية، ففي "رسالة الجهاد" لم يتحدث عن فضيلة القتال فقط، وإنما دعا إلى إعداد أتباع الجماعة نفسيًا لفكرة التضحية، معتبرًا أن "الأمة التي تحسن صناعة الموت وتعرف كيف تموت الموتة الشريفة يهب لها الله الحياة العزيزة"، كما صنف مراتب الجهاد، واضعًا القتال في سبيل الله في قمة هذه المراتب، بعد جهاد اللسان والقلم واليد. ومن خلال هذا الطرح، ربط البنا بين إقامة الدولة الإسلامية واستخدام القوة، وجعل الجهاد أداة عملية لتحقيق هذا الهدف.

ولم يكتف البنا بالتنظير لمفهوم الجهاد، بل وسّع حديثه عن القوة باعتبارها أحد أعمدة الجماعة، ففي المؤتمر الخامس، أكد أن الإخوان "لابد أن يكونوا أقوياء، ولابد أن يعملوا في قوة"، ثم وضع تصورًا يقوم على ثلاث درجات متكاملة: قوة العقيدة والإيمان، ثم قوة الوحدة والارتباط، وأخيرًا قوة الساعد والسلاح، معتبرًا أن الجماعة لا تستحق وصف القوة إلا إذا اجتمعت فيها هذه المستويات الثلاثة، كما أعلن بصورة صريحة أن الإخوان "سيستخدمون القوة العملية حيث لا يجدي غيرها"، بعد استكمال ما وصفه بعدة الإيمان والوحدة.

ولم تتوقف دعواته عند مستوى التنظير، بل دعا إلى إنشاء معسكرات للكشافة والتدريب العسكري، وإعداد مئات الكتائب المؤهلة نفسيًا وبدنيًا وفكريًا، وهو ما عكس انتقال مفهوم القوة من دائرة الأفكار إلى دائرة التنظيم والإعداد.

وفي المقابل، جاء سيد قطب ليمنح هذا البناء الفكري بعدًا أكثر حدة، حتى بات يُنظر إليه باعتباره المنظّر الثاني للعنف داخل الجماعة بعد حسن البنا، وإذا كان البنا قد ربط القوة بإقامة الدولة الإسلامية، فإن قطب نقل النقاش إلى مستوى مختلف، قائم على تقسيم العالم إلى ثنائية الإسلام والجاهلية، ففي كتاباته، اعتبر أن المجتمعات التي لا تحكم بالشريعة تعيش حالة من الجاهلية، وأنها خرجت عن سلطان الله لأنها أسندت الحاكمية إلى البشر، وهو ما وفر له مبررًا فكريًا لاستخدام القوة لإزالة هذا الواقع.

ومن هذا المنطلق، دعا "قطب" إلى تغيير المجتمع الجاهلي من جذوره، مؤكدًا أن المهمة الأولى للحركة الإسلامية هي إزالة هذا الواقع وعدم التكيف معه أو تقديم تنازلات له، ورأى أن الجهاد ليس مجرد وسيلة دفاع، بل "منهاج حركي" يواجه الأنظمة القائمة بالدعوة والبيان حينًا، وبالقوة والجهاد حينًا آخر، وصولًا إلى إزالة الأنظمة التي تقوم -وفق تعبيره - على "حاكمية البشر للبشر".

كما ربط بين استخدام القوة وبين تحرير الإنسان من عبودية الإنسان، معتبرًا أن إزالة الحكومات القائمة تمثل خطوة أساسية لتحقيق هذا الهدف، وبهذا الانتقال، تحول مفهوم الجهاد عند سيد قطب من وسيلة لحماية الدعوة إلى أداة لتغيير المجتمع وإسقاط الأنظمة، وهو ما منح أدبيات الجماعة لاحقًا أرضية فكرية استندت إليها بعض التيارات التي تبنت العنف بوصفه امتدادًا لهذا التصور.

وبذلك، تشكلت داخل أدبيات جماعة الإخوان مدرستان متكاملتان في بناء الشرعية الفكرية للعنف؛ الأولى أسسها حسن البنا عبر ربط القوة والجهاد بمشروع إقامة الدولة الإسلامية وإعداد تنظيم قادر على تنفيذ هذا المشروع، والثانية طورها سيد قطب من خلال مفاهيم الجاهلية والحاكمية والجهاد بوصفها مبررات لإزالة الأنظمة القائمة، ومع اختلاف منطلقات كل منهما، فإن الحصيلة النهائية كانت بناء إطار فكري ظل حاضرًا في أدبيات الجماعة، واستُدعي في مراحل لاحقة لتبرير الانتقال من العمل السياسي إلى استخدام العنف تحت غطاء ديني وفكري.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق