نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سر المعبد: حين كتب أبناء الإخوان وثيقة إدانة التنظيم وفككوا عقيدة الدم, اليوم الأحد 12 يوليو 2026 03:29 مساءً
في تاريخ الحركات المتطرفة، تظل الشهادات التي تصدر عن أبناء التنظيم الخلصاء هي الأكثر فتكاً ببنيته الفكرية والأشد تعرية لسرائره، وحين يقرر أحد الكوادر التاريخية لجماعة الإخوان المسلمين، وبحجم القيادي السابق ثروت الخرباوي، أن يرفع الغطاء عن كواليس التنظيم في كتابه العمدة "سر المعبد: الأسرار الخفية لجماعة الإخوان المسلمين"، فإن العمل هنا لا يندرج تحت بند المذكرات الشخصية العابرة، بل يتحول إلى وثيقة إدانة تاريخية وتشريح بنيوي لمعضلة استقطاب العقول وتطويعها لخدمة عقيدة سفك الدماء.
يكتسب كتاب "سر المعبد" أهمية استثنائية لكونه قراءة نقدية وتفكيكية من الداخل؛ فالكاتب ليس خصماً سياسياً خارجياً يُلقي بالتهم جزافاً، بل هو رجل عاش عقوداً داخل أروقة المعبد، وتشرب أدبياته، وعاين بنفسه كيف تتحول العقول المتميزة من أطباء ومهندسين ومثقفين إلى أدوات صماء في منظومة عسكرية تنضح بالعنف والتكفير والعداء التأسيسي للدولة الوطنية.
يفرد الخرباوي مساحات كبيرة في فصول كتابه لتتبع تاريخ الجماعة منذ نشأتها على يد حسن البنا عام 1928، ويكشف عن سر محوري يتعلق بالنموذج الذي ألهم البنا، يوضح الكاتب أن هدف البنا الأساسي من إنشاء الجماعة جاء نتيجة انبهاره الشديد بتجربة الجماعات المتطرفة في شبه الجزيرة العربية وتأسيس تنظيمات بمؤازرة جيش عقائدي عُرف باسم "إخوان من أطاع الله"، والذين حكموا وفق الفكر الوهابي المتشدد.
وضع حسن البنا هذا النموذج التاريخي والعسكري نصب عينيه ولم يحد عنه؛ إذ أصبح شغله الشاغل إعادة إنتاج تلك التجربة في مصر. فكر البنا في بناء جيش من الرجال على غرار الجيش الوهابي، يتسم بالطاعة المطلقة والعمياء، ليكون الأداة التنفيدية لإسقاط الدولة الوطنية وإقامة خلافتهم المزعومة، على أن يكون البنا نفسه هو الخليفة المنتظر.
ولتحقيق هذه الغاية، كان البنا بحاجة إلى قاعدة بشرية ضخمة تنفذ الأوامر دون مناقشة. وكانت وسيلته الأولى لجمع هؤلاء الرجال هي الخطابة في المقاهي والأماكن العامة، مبتدئاً من مدينة الإسماعيلية. وقد أدرك البنا مبكراً السيكولوجية الجماهيرية؛ إذ ليس هناك أسهل ولا أجمل من التحدث باسم الدين واستغلال العواطف الروحية للناس لحشد أكبر عدد من الأتباع والمريدين وتطويعهم لخدمة أهدافه السياسية.
ينتقل "سر المعبد" من مرحلة التأسيس والجمع إلى تشريح البنية العميقة للتنظيم، مستعرضاً كيف تحولت الجماعة الدعوية السطحية إلى منظومة مغلقة تعتمد "عقيدة الدم" كوسيلة للبقاء والتمكين. يفكك الخرباوي هذه العقيدة عبر ثلاثة محاور رئيسية:
السمع والطاعة الفورية: تحويل الفرد من إنسان مفكر إلى أداة صماء. يصف الكتاب كيف تلغي الجماعة عقول أعضائها، حتى لو كانوا من النخب العلمية كالأطباء والمهندسين، وإحلال طاعة "المرشد" أو "المسؤول" محل العقل والمنطق، بحيث يصبح الخروج عن رأي القيادة خروجاً عن الدين نفسه.
عقيدة التكفير المبطن والعلني: يوضح الخرباوي كيف غرس التنظيم في نفوس أتباعه شعوراً بالفوقية والتميز عن المجتمع، وهو ما مهد لاحقاً لنظرية "الجاهلية" التي صاغها سيد قطب بشكل فج، لكن جذورها كانت ممتدة منذ فكرة "الجيش العقائدي" الذي يرى نفسه فرقة ناجية وسط مجتمع ضال.
عسكرة التنظيم (النظام الخاص): يكشف الكتاب الستار عن الجناح العسكري أو "النظام الخاص" الذي أنشأه البنا، وكيف شرعن هذا الجناح الاغتيالات والعنف السياسي كأدوات مشروعة للوصول إلى الحكم، مضحياً بسلامة المجتمع في سبيل مصلحة المعبد.
من أكثر الجوانب إثارة في شهادة الخرباوي هو تفسيره لكيفية سقوط النخب المثقفة في فخ التنظيم. يتساءل الكتاب: كيف لمهندس مرموق أو طبيب بارع أن يتحول إلى منفذ لأوامر سرية قد تضر بوطنه؟
يُرجع الخرباوي ذلك إلى الاستغلال الممنهج لـ "التدين العاطفي". تبدأ الجماعة بالاقتراب من الأفراد عبر شعارات الأخلاق والخدمات الاجتماعية والدعوة الإيجابية. وبمجرد دخول الفرد إلى "الأسر" الإخوانية، تبدأ عملية عزل فكري منظم؛ حيث يُمنع العضو من القراءة لخصوم الجماعة أو التفكير خارج إطار أدبيات البنا والمودودي وقطب. يتم استبدال الهوية الوطنية بالهوية التنظيمية، ليصبح الولاء للمرشد مقدماً على الولاء للوطن وللأسرة.
يمثل الكتاب رحلة الوعي الذاتي للكاتب نفسه؛ فالخرباوي لا يسرد أحداثاً تاريخية جافة، بل ينقل الصراع النفسي والفكري الذي يعيشه العضو عندما تصطدم الشعارات الدينية البراقة بالواقع البراغماتي والنفعي لقيادات التنظيم.
يروي الكاتب مواقف عاين فيها بنفسه الكذب التنظيمي، والمؤامرات الداخلية، وتقديم مصالح الجماعة ومكاسبها السياسية والمالية على حساب المبادئ والدين الذي يرفعون شعاره، كانت هذه الصدمات بمثابة المطرقة التي حطمت جدران المعبد في عقله، وقادته إلى اتخاذ القرار الأصعب وهو الانسلاخ التام والكامل عن التنظيم، وتأليف هذه الوثيقة لإنقاذ عقول الآخرين من السقوط في نفس الهاوية.
يخلص "سر المعبد" إلى نتيجة حتمية خطيرة: إن جماعة الإخوان المسلمين، منذ لحظة تأسيسها وبسبب طبيعة الفكرة الوهابية العسكرية التي استلهمها البنا، تحمل عداءً جوهرياً وأصيلاً لمفهوم "الدولة الوطنية المصرية".
التنظيم لا يؤمن بالحدود، ولا بالدستور، ولا بالمواطنة؛ بل يرى الدولة مجرد "أرض تمكين" أو مرحلة جغرافية يجب السيطرة عليها وتطويع مؤسساتها لخدمة مشروع "الأممية الإسلامية" التي يقودها مكتب الإرشاد. هذا الفهم يفسر لماذا تصطدم الجماعة دائماً وبشكل دموي مع الدولة في كل محطة تاريخية، لأن وجود دولة قانون ومؤسسات قوية يتناقض تماماً مع وجود معبد سري يدار بالبيعة والطاعة العمياء في الخفاء.
إن كتاب "سر المعبد" لثروت الخرباوي يظل من القراءات الفكرية والسياسية الهامة؛ لكونه فضح آليات التلاعب بالدين وتحويله إلى أيديولوجيا سلطوية عنيفة. ومن خلال تتبع الجذور التاريخية وتأثر البنا بجيش الإخوان، يضع الكاتب يده على الداء الحقيقي للجماعة: وهو الرغبة الدائمة في صناعة "ميليشيا" تلغي الوطن وتستبيح الدماء باسم الخلافة والتمكين، ونظراً لأن الشهادة تأتي من قيادي عاش التفاصيل، فإنها تظل وثيقة إدانة تاريخية لا يمكن دحضها أو التغافل عن حقائقها الصادمة.

















0 تعليق