من عوض عبد العال إلى يحيى موسى: كيف انتقل عنف الإخوان من “التنظيم” إلى “الخلية”؟

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من عوض عبد العال إلى يحيى موسى: كيف انتقل عنف الإخوان من “التنظيم” إلى “الخلية”؟, اليوم الأحد 12 يوليو 2026 03:29 مساءً

لا يمكن فهم حركة “حسم” بوصفها مجرد خلية مسلحة ظهرت في فراغ سياسي، لأن بنيتها تكشف عن امتداد أعمق في تاريخ التنظيم السري داخل جماعة الإخوان الارهابية، فالمسألة هنا ليست اسمًا يختفي وآخر يظهر، بل طريقة تفكير تتكرر: السرية، والانقسام إلى دوائر صغيرة، وإعادة إنتاج العنف بوصفه أداة سياسية لا استثناء عابرًا. 

 

ومن هذه الزاوية يصبح الربط بين عوض عبد العال ويحيى موسى مهمًا؛ الأول يمثل لغة التنظيم المغلق في منتصف القرن العشرين، والثاني يمثل لغة الشبكات المسلحة الحديثة التي تتغذى على التمويل والوساطة والإنكار.

 

في الروايات المتداولة عن مرحلة ما بعد 1954، يظهر عوض عبد العال ضمن مجموعة من القيادات التي رأت أن الخروج من السجن لا يعني إنهاء النشاط، بل إعادة ترتيبه تحت الأرض. 

 

وتوضح النصوص المنسوبة إلى كتاب "أيام من حياتي" لزينب الغزالي أن قرار الحل دفع الجماعة إلى العمل السرّي من جديد، لا إلى المراجعة الجذرية. 

 

وهذه التفاصيل ليست مجرد سرد تاريخي، بل مفتاح لفهم عقلية التنظيم الإرهابي: كل ضربة أمنية كانت تُقرأ لا باعتبارها نهاية، بل باعتبارها فرصة لإعادة البناء بصيغة أكثر خفاءً.

 

ونشأت في هذا المناخ الفكرة التي صارت لاحقًا جزءًا من الذاكرة التنظيمية: مجموعة صغيرة، تدريب خاص، وهدف سياسي كبير، بمعنى أدق (لجان نوعية). 

 

وتذكر النصوص المتداولة عن عوض عبد المعال صراحةً التفكير في تكوين مجموعة فدائية قوامها نحو خمسين فردًا لاستهداف عبد الناصر. 

 

الأهم هنا ليس فقط ما جرى في تلك الحقبة، بل دلالة أن الاغتيال لم يكن طارئًا على المخيال التنظيمي، وإنما كان أحد الخيارات المطروحة داخل بنية سرية تعطي الأولوية للانضباط والطاعة والعمل غير المرئي.

 

ويسمح هذا الإرث بفهم كيف ظلت فكرة "العمل النوعي" حاضرة في أجيال لاحقة وإن تبدلت الأدوات والأسماء.

 

عند الانتقال إلى الحاضر، يظهر يحيى موسى بوصفه نموذجًا مختلفًا في الشكل، لكنه قريب في الجوهر، فقد ارتبط اسمه بحركة "حسم" باعتباره من أبرز المخططين والوجوه المحركة، كما ربطته التحقيقات والأحكام الصادرة في قضايا كبرى، أبرزها قضية اغتيال النائب العام الشهيد هشام بركات، إضافة إلى قضايا ومحاولات استهداف أخرى. 

 

والمعنى هنا أن العنف لم يعد يُدار بصورة "التنظيم المتماسك" القديم، بل عبر قيادة خارجية، واتصالات مشفرة، وشبكات خلوية مرنة، بما يجعل الضربة الأمنية أصعب من جهة، لكنه يكشف في الوقت نفسه هشاشة البنية من جهة أخرى.

 

وهنا تظهر النقطة المركزية: ما الذي تغيّر فعلًا؟ الذي تغيّر هو الشكل لا المنطق، ففي الماضي كان التنظيم يقدّم “الفكرة” ويطلب من العضو أن يذوب فيها، أما اليوم فبعض الخلايا تعمل بمنطق "المهمة مقابل المقابل"، أي أن المال صار وسيطًا أساسيًا في التجنيد والتنفيذ والإيواء والنقل.

 

لذلك فإن تتبع التمويل ليس شأنًا ماليًا ثانويًا، بل هو مدخل أمني وسياسي يفضح طريقة اشتغال الإرهاب المعاصر. فكلما ضعفت القناعة الأيديولوجية، تعاظم دور الأجر، وكلما تعقدت القيادة، توسعت الحاجة إلى عناصر قابلة للاستبدال.

 

ومن هنا يمكن قراءة “حسم” باعتبارها حلقة متقدمة في مسار طويل: من التنظيم السرّي الذي تَشكّل في ظل الضربات والمعتقلات، إلى الخلية المموّلة التي تتحرك فوق الحدود وتعتمد على وسيط ومموِّل ومنفذ. 

 

وهذه النقلة لا تعني أن الجماعة تخلت عن ماضيها، بل تعني أنها أعادت تدويره في صورة أكثر براجماتية وأقل التزامًا بالعقيدة الصلبة، ولهذا فإن أخطر ما في الحالة ليس فقط من يخطط أو ينفذ، بل البيئة التي تسمح بتحويل العنف إلى خدمة مدفوعة الأجر، وتحويل الاغتيال من فكرة إلى وظيفة. 

 

وعندما نفهم ذلك، يصبح الخط الفاصل بين عوض عبد المتعال ويحيى موسى خط تطور تنظيمي، لا مجرد فاصلة زمنية بين جيلين.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق