نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نعوم يكشف خيوط "أزمة سبتة".. مرسوم سانشيز والإعلام الإسباني و"عدوى القطيع" تفكك لغز "الهروب الجماعي", اليوم الخميس 6 أغسطس 2026 12:25 مساءً
قدم الدكتور عبد الفتاح نعوم، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة القاضي عياض، قراءة تحليلية جديدة لأحداث سبتة الأخيرة، وذلك عبر تحليل نشره عبر صفحته الرسمية على الفيسبوك، حاول من خلاله تفكيك الروايات المتداولة حول موجة الاقتحام الجماعي للمدينة، معتبرا أن التركيز على البحث عن “المستفيد” أو اختزال ما جرى في مؤامرة خارجية، يخفي المحركات الفعلية للأزمة، وفي مقدمتها قرارات حكومة بيدرو سانشيز، والهشاشة الاجتماعية والنفسية للمهاجرين، ثم التأثير المتزايد للفضاء الرقمي والإعلامي في صناعة السلوك الجماعي.
في سياق متصل، يرى نعوم أن جذور الأزمة تعود، بالدرجة الأولى، إلى قرارات اتخذتها الحكومة الإسبانية نفسها، وعلى رأسها المرسوم الملكي رقم 316/2026 الصادر في 14 أبريل، والذي عدل المرسوم 1155/2024 المتعلق بتطبيق قانون حقوق وحريات الأجانب واندماجهم الاجتماعي، حيث أتاح للأشخاص الموجودين في إسبانيا قبل فاتح يناير 2026، سواء كانوا طالبي حماية دولية أو في وضعية غير نظامية، الاستفادة من تصريح إقامة مؤقت في أفق معالجة ملفاتهم، مع منحهم مهلة لتقديم الطلبات إلى غاية 30 يونيو الماضي.
ويشير الباحث إلى أن الحكومة الإسبانية قدرت في البداية عدد المستفيدين المحتملين من هذا الإجراء في نحو 500 ألف شخص، قبل أن تفاجأ بتلقيها 1,174,978 طلبا، عالجت منها 609,737 ملفا، وذلك بالتزامن مع صدور حكم قضائي إسباني رفع قيود الإعادة الفورية عن مهاجرين غير نظاميين يدخلون إلى إسبانيا عبر البحر، وهي تطورات اعتبرها نعوم جزءا أساسيا من السياق الذي سبق أحداث سبتة.
وبحسب القراءة ذاتها، فقد تزامنت هذه التطورات مع حملة إعلامية إسبانية ركزت على قصص نجاح المهاجرين، ومع انتشار كثيف عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات التراسل الفوري لمحتويات تدعو إلى الهجرة السرية، شملت مغاربة وجزائريين، وهو ما ساهم في خلق مناخ نفسي واجتماعي قابل للاشتعال، قبل أن تحاول الحكومة الإسبانية لاحقا اختزال الظاهرة في استغلال شبكات الاتجار بالبشر لحكم قضائي أو لمضامين مضللة على الإنترنت.
ويرفض نعوم، في هذا السياق، القفز مباشرة إلى روايات “المؤامرة” سواء من جهة من يتحدث عن مخطط أمريكي إسرائيلي يستهدف سانشيز بسبب مواقفه من القضية الفلسطينية، أو من جهة روايات أخرى تحدثت عن اختراق استخباراتي مغربي للمدينة، معتبرا أن مثل هذه التفسيرات تتجاهل تسلسل الأحداث ووجود عوامل واضحة يمكن رصدها، وتمنح العقل “تفسيرا جاهزا” يعفيه من البحث في الأسباب الفعلية.
ويضع الباحث ضمن هذه الأسباب ما يسميه البعد السوسيولوجي والنفسي لسلوك الحشود، موضحا أن الإشاعة قادرة على خلق ما يشبه “عدوى القطيع”، بحيث يتقاطر الناس بسرعة عندما يعتقدون أن فرصة العبور أصبحت متاحة، وتتراجع حسابات المخاطر أمام اندفاعة جماعية تتجاوز أحيانا الحدود والقوانين والضوابط. ويرى أن هذه الآلية تصبح أكثر خطورة عندما تجد بيئة اجتماعية تتسم بالفقر والبطالة والهشاشة، وهي الظروف التي تجعل الشباب الحالم بحياة أفضل عرضة للاستغلال من طرف شبكات الجريمة والاتجار بالبشر، ثم للاستغلال السياسي والإعلامي من أطراف أخرى ترسم من مأساتهم صورة معينة عن المغرب.
وفي هذا الإطار، يلفت نعوم إلى أن الفضاء الرقمي لم يعد مجرد وسيلة لنقل الأخبار، بل أصبح عاملا مؤثرا في تشكيل السلوك الجماعي، خصوصا في ظل ما يعرف بـ“اقتصاد جذب الانتباه”، حيث تتحكم رؤوس الأموال والمنصات في آليات انتشار المحتوى، بما يجعل سرعة انتشار الشائعة والصورة والفيديو قادرة على تجاوز قدرة الدولة على الضبط والتدخل. ويعتبر أن تجاهل هذا العامل يدفع تلقائيا نحو تفسيرات تبسيطية تبحث عن “فاعل خارجي” واحد، بدل النظر إلى تداخل ثلاثة عوامل أساسية: مسؤولية الحكومة الإسبانية، والدوافع الاجتماعية والنفسية للمقتحمين، وتأثير الفضاء الرقمي.
ويستدل الباحث على ذلك بالدور الذي لعبته بعض وسائل الإعلام الإسبانية في تضخيم مشاهد العبور، مشيرا إلى بث قناة FARO TV، يوم 28 يوليوز، شريطا لفتاتين، من بينهما فتاة تدعى فرح، نجحتا في الوصول إلى سبتة سباحة، تجاوزت مشاهداته مليوني مشاهدة خلال فترة وجيزة، قبل أن تتكرر مضامين مشابهة في نشرات وطنية لقنوات ANTENA 3 MEDIASET خلال أيام 28 و29 و30 يوليوز. ويرى نعوم أن هذه التغطية تزامنت مع نشاط مكثف لصفحات ومجموعات على شبكات التواصل كانت تنسق لعملية الاقتحام، بينها صفحات أنشئت بواسطة أرقام هواتف جزائرية، بما ساهم في تضخيم كرة الثلج.
وفي المقابل، يحمل نعوم الحكومة الإسبانية مسؤولية سياسية واضحة، معتبرا أن محاولتها إحالة المسؤولية إلى القضاء أو شبكات الهجرة السرية أو الفضاء الرقمي لا تلغي دور القرارات الحكومية التي سبقت الحدث. كما ينتقد محاولة بعض الأصوات الإسبانية نقل المسؤولية إلى المغرب، متوقفا عند معطيات مرتبطة بيوم الاقتحام، من بينها فتح بوابة سبتة في أكثر من مناسبة وشبه غياب الحواجز الأمنية، معتبرا أن البحث عن طرف لتحميله مسؤولية الأزمة ينبغي ألا يقود إلى المغرب الذي، بحسب قراءته، اكتفى بتصريحين صادرين عن “مصدر حكومي” لإيصال رسالة مفادها أنه ليس طرفا في الأزمة وليس حارسا لحدود إسبانيا.
كما يتوقف أستاذ العلاقات الدولية عند البعد الأمني والحقوقي للحدث، معتبرا أنه شكل اختبارا بالغ الحساسية للأمن المغربي والإسباني، خصوصا في كيفية التعامل مع حشود غير مسبوقة بأقل كلفة ممكنة من الناحية الحقوقية والإنسانية. ويشدد على أن فقدان حياة إنسان واحد أو تعرضه لضرر جسدي أو نفسي أمر بالغ الخطورة، لكنه يدعو في المقابل إلى تصور سيناريوهات أكثر مأساوية لو تم اللجوء إلى تدخل أمني أشد، سواء من الجانب المغربي في منطقة قريبة من منشآت وأجواء احتفالات وطنية، أو من الجانب الإسباني داخل الأسوار، معتبرا أن النتائج التي تم تسجيلها كان يمكن أن تكون أكثر قسوة بكثير.
ولا يرى نعوم أن أزمة سبتة انتهت عند حدود ملف الهجرة، بل يعتبر أنها فتحت مجددا سؤالا استراتيجيا حول مستقبل سبتة ومليلية وطبيعة العلاقة المغربية الإسبانية. وفي هذا الصدد، يتوقف عند دفاع سانشيز أمام خصومه من اليمين الأوروبي عن وضع المدينتين، قائلا إنهما لا تشملهم فعليا منظومة شنغن، وهي النقطة التي يرى الباحث أنها تطرح مفارقة حول طبيعة “السيادة” الإسبانية على مدينتين لا تندمجان بالكامل في الفضاء الأوروبي الذي تستند إليه مدريد في تبرير وضعهما.
ويشير نعوم أيضا إلى أن الخطاب المغربي الرسمي تعامل مع المدينتين خلال الأزمة بعبارات دقيقة، بعدما تحدثت وزارة الداخلية عن “مدينتي سبتة ومليلية” دون وصفهما بالمحتلتين أو المغربيتين أو الإسبانيتين، كما تحدثت عن خطاب شبكات الاتجار بالبشر باعتباره إيهاما بإمكانية الولوج بسهولة إلى “الفضاء الأوروبي”، في إشارة إلى الإشكال المرتبط بالوضع الخاص للمدينتين وعلاقتهما بالفضاء الأوروبي.
وبحسب الباحث، فإن الوجود الإسباني في المدينتين والجزر القريبة من المغرب بدأ يتحول تدريجيا من ورقة قوة إلى عبء استراتيجي على مدريد، خصوصا كلما جرى توظيفه سياسيا أو انتخابيا ضد المغرب، إذ يمكن أن يتحول الوضع نفسه إلى أداة تستخدمها أطراف ودول أخرى في صراعاتها مع إسبانيا. ويعتبر أن ما حدث في سبتة يمثل دليلا جديدا على أن محاولة توظيف هذا الملف في الصراع السياسي الداخلي الإسباني أو في مواجهة المغرب قد تنتهي بنتائج عكسية.
وفي أفق أبعد، يرى نعوم أن استمرار الأزمة الحدودية والهجرية بين ضفتي المتوسط يفرض البحث عن حلول سياسية وقانونية واقتصادية تتجاوز منطق الحراسة الأمنية للحدود، مستحضرا تجربة هونغ كونغ بين بريطانيا والصين كنموذج تاريخي لتسوية نزاع معقد عبر التفاهم التدريجي والضمانات السياسية والقانونية، معتبرا أن معالجة وضع سبتة ومليلية يمكن أن تدخل مستقبلا ضمن مقاربة عقلانية وبراغماتية تقوم على التفاهمات والمصالح المشتركة.
ويخلص الباحث إلى أن الجغرافيا المشتركة بين المغرب وإسبانيا تجعل استمرار الوضع القائم قابلا لإنتاج أزمات متكررة، وأن الحل النهائي لن يكون أمنيا فقط، بل يحتاج إلى تفاهمات سياسية وقانونية ومشاريع اقتصادية وتدابير مغربية وأوروبية مشتركة لمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية العميقة للهجرة، لأن استمرار الفقر والبطالة والهشاشة في الجنوب سيبقي ملايين الشباب عرضة لشبكات الاتجار بالبشر ولخطاب الهجرة غير النظامية، وسيجعل أي ظرف استثنائي أو موجة رقمية جديدة قادرة على إعادة إنتاج سيناريو سبتة من جديد.












0 تعليق