الخميس 30 يوليو 2026 | 08:46 مساءً

جانب من فاعليات المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

لم تعد المؤسسات العقابية في الفكر القانوني الحديث مجرد أماكن لتنفيذ الأحكام، بل أصبحت مؤسسات إصلاح وتأهيل تهدف إلى إعادة دمج النزيل في المجتمع باعتباره فرداً يتمتع بحقوق أصيلة لا تسقط بفقدان الحرية. ومن هذا المنطلق، جاء انعقاد 'المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح 'بمدينة بنغازي ليؤكد أن إصلاح المنظومة العقابية يبدأ من تحديث التشريعات، وتفعيل الضمانات القانونية، وترسيخ مبادئ العدالة وحقوق الإنسان داخل مؤسسات الإصلاح والتأهيل.
وشكل المؤتمر منصة علمية جمعت قضاة وأكاديميين وخبراء قانونيين ومتخصصين في حقوق الإنسان، ناقشوا خلالها التحديات التي تواجه المنظومة العقابية في ليبيا، وسبل تطويرها بما ينسجم مع المعايير الدولية، ويعزز ثقة المجتمع في مؤسسات العدالة.
اقرأ ايضا:مؤتمر العدالة والإصلاح يفتح ملف تنفيذ الالتزامات الحقوقية في ليبيا
حق التعويض... ضمانة للعدالة
المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
ومن أبرز الأوراق العلمية التي شهدها المؤتمر، الورقة التي قدمتها الدكتورة سالمة فرج الجازوي، أستاذة القانون الخاص بجامعة بنغازي، بعنوان 'حق السجناء في التعويض'والتي تناولت فيها الأساس القانوني لحق السجين في الحصول على تعويض عند تعرضه لضرر ناتج عن أخطاء العدالة أو الممارسات غير المشروعة.
وأكدت الجازوي أن التعويض يمثل حقاً قانونياً وليس منحة أو استثناء، موضحة أن هذا الحق يثبت لكل من تعرض للسجن دون سند قانوني، أو نتيجة خطأ قضائي، أو بسبب استمرار احتجازه بعد انتهاء مدة العقوبة، أو نتيجة التعذيب أو سوء المعاملة أو الإهمال الطبي داخل المؤسسات العقابية.
وأضافت أن إقرار هذا الحق يعكس احترام الدولة لمبدأ سيادة القانون، ويعزز مسؤولية المؤسسات العامة عن الأخطاء التي قد تقع أثناء تنفيذ الإجراءات القضائية أو العقابية.
مرتكزات تشريعية قابلة للتطوير
المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
وأوضحت الجازوي أن التشريعات الليبية تتضمن قواعد قانونية يمكن الاستناد إليها لتفعيل حق التعويض، من بينها أحكام المسؤولية المدنية في القانون المدني، وقانون الإجراءات الجنائية، وقانون مؤسسات الإصلاح والتأهيل رقم 5 لسنة 2005، إضافة إلى الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الإنسان التي تكفل جبر الضرر وحماية الكرامة الإنسانية.
ورغم وجود هذا الإطار القانوني، أشارت إلى أن التطبيق العملي لا يزال يواجه عدداً من التحديات، أبرزها طول أمد التقاضي، وصعوبة إثبات الأضرار الأدبية والمعنوية، وعدم وجود آلية واضحة لتقدير التعويضات، وهو ما يستدعي تطوير التشريعات وإيجاد إجراءات أكثر فاعلية لضمان سرعة إنصاف المتضررين.
مقترحات لتعزيز العدالة
المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
وقدمت الباحثة عدداً من التوصيات، من بينها إنشاء لجنة مستقلة تتولى النظر في طلبات التعويض، وتعديل النصوص المتعلقة بالحبس الاحتياطي، وتكريس مسؤولية الدولة عن الأضرار الناتجة عن الأخطاء القضائية والإدارية، إلى جانب وضع معايير واضحة لتقدير التعويضات بما يحقق العدالة ويضمن المساواة بين المتضررين.
وأكدت أن وجود آلية فعالة للتعويض لا يحقق الإنصاف للأفراد فحسب، بل يسهم أيضاً في رفع كفاءة المنظومة القضائية، ويعزز الرقابة على المؤسسات المعنية بتنفيذ الأحكام.
إعادة التأهيل أساس الإصلاح
وفي السياق ذاته، أكد الدكتور عماد عبدالمقصود أن السياسات العقابية الحديثة تجاوزت مفهوم العقوبة التقليدية، وأصبحت تركز على إعادة بناء شخصية النزيل وتمكينه من العودة إلى المجتمع بصورة إيجابية.
وأوضح أن السجين يظل مواطناً يتمتع بحقوقه الأساسية، وأن نجاح المؤسسات الإصلاحية يقاس بقدرتها على تقويم السلوك وإعادة الإدماج، وليس بمجرد تنفيذ العقوبة.
وأشار إلى أن تحقيق هذا الهدف يتطلب وجود منظومة عمل متكاملة تضم القانونيين والأطباء والأخصائيين النفسيين والاجتماعيين، بما يضمن توفير برامج إصلاحية تعالج الجوانب النفسية والاجتماعية والتعليمية للنزيل، وتحد من احتمالات العودة إلى الجريمة بعد الإفراج.
منظومة عقابية أكثر إنسانية
وأكد المشاركون في المؤتمر أن تطوير المؤسسات الإصلاحية لا يقتصر على تحديث البنية التشريعية، بل يشمل تحسين بيئة الاحتجاز، والارتقاء بالرعاية الصحية والنفسية، وتعزيز برامج التدريب والتأهيل المهني، بما يساعد النزيل على الاندماج في المجتمع بعد انتهاء فترة العقوبة.
وأشاروا إلى أن التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار في برامج الإصلاح والتأهيل يحقق نتائج أفضل في الحد من معدلات العود إلى الجريمة، ويعزز الأمن المجتمعي على المدى الطويل.
رسالة المؤتمر
واختتم المؤتمر أعماله بالتأكيد على أن إصلاح منظومة العدالة لا يكتمل دون توفير ضمانات قانونية تكفل حماية حقوق النزلاء، وتفعيل آليات التعويض عن أخطاء العدالة، وتعزيز الرعاية اللاحقة للمفرج عنهم، باعتبارها عناصر أساسية في بناء منظومة عقابية حديثة تستند إلى سيادة القانون واحترام الكرامة الإنسانية.
وأكد المشاركون أن تطوير التشريعات وتوسيع نطاق الضمانات القانونية من شأنه أن يعزز ثقة المواطنين في القضاء، ويرسخ مبادئ العدالة، ويواكب التوجهات الدولية التي تنظر إلى المؤسسات الإصلاحية باعتبارها مؤسسات لإعادة بناء الإنسان، لا مجرد أماكن لتنفيذ العقوبات.
جانب من فاعليات المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
جانب من فاعليات المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
جانب من فاعليات المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح
جانب من فاعليات المؤتمر الدولي الأول للعدالة والإصلاح

















0 تعليق