لماذا خسرت السنغال وفاز إسماعيل بيه؟

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لماذا خسرت السنغال وفاز إسماعيل بيه؟, اليوم الاثنين 13 يوليو 2026 07:53 مساءً

كنت أشاهد مباراة السنغال وبلجيكا في نهائيات بطولة كأس العالم، كانت السنغال متقدمة بهدفين نظيفين، حتى قبيل نهاية المباراة، كنت أصيح في لاعبي السنغال:" فوزوا من أجل إسماعيل بيه". تبادل أولادي نظرات أعرف معناها (رجل كبير يحادث أشباح شبابه).

 

خسرت السنغال المقابلة بثلاثة أهداف لهدفين، قلت بمرارة: اللعنة، لقد خذلتم إسماعيل بيه.

 

غادرني أولادي ليفسحوا الطريق لأشباح شبابي!

 

دخلت مكتبتي، مددت يدي، تناولت الرواية" الطريق الطويل/ مذكرات صبي مجند" لمؤلفها إشمائيل بيه، وهو رجل مسلم، ولد وتربى في سيراليون، وسيراليون ذات أغلبية مسلمة، فلماذا أصبح إشمائيل وليس إسماعيل، هو عندي إسماعيل.

 

رحت أقلب صفحات الرواية التي نشرتها دار الشروق قبل سنوات بعيدة، بترجمة الأستاذة سحر توفيق، تذكرت كل شيء، ففجأة نشب القتال بين أهل سيراليون، أيامها كان إسماعيل في الثالثة عشرة من عمره، مجرد صبي، كيف تورط في حمل السلاح، إنها الحرب الأهلية يا صاحبي، فالكل قاتل والكل قتيل والكل خاسر ولا يربح إلا تجار السلاح.

 

قاتل مع المتمردين أولًا، ثم سقط في قبضة الجيش الرسمي فقاتل في صفوفه، لاحظ أننا نتحدث عن طفل، القتال الأهلي يحتاج لتغيب إرادات الناس والفطرة التي فطر الله الناس عليها، لن أقتل أخي أو جاري أو ابن عمي وأنا يقظ العقل، هنا تأتي المخدرات، نعم يتم توزيع المخدرات على الجميع لكي يقتلوا بدم بارد ولا حرج على غائب العقل!

إسماعيل يحمل مدفعه الذي يفوقه طولًا ويعيش غيبوبة تدخين الماريجوانا واستنشاق الـ” براون”، وهو كوكايين مخلوط بالبارود.

 

سيراليون أيامها هي غزة الآن، لا شيء سوى الموت، أو الفرار منه، ولكن إلى أين" سيمضي هارب من دمه؟"

 

إسماعيل حكى عن مجاز عاشها، وعن اختباء سكان قريته لأيام متواصلة، وعن نومه في قرى مهجورة وعدم وجود الطعام، حتى شربة الماء كانت مستحيلة، وعندما يجد الماء كان يشربه بصعوبة!

 

يختم إسماعيل قصته بأن يقول: “في كل مرة يأتي أناس إلينا وهم عازمون على قتلنا، كنت أغمض عيني وأنتظر الموت، رغم أنني ما زلت حيًا، أشعر في كل مرة أسلم فيها للموت وكأن جزءًا مني يموت، وسرعان ما سوف أموت تمامًا".

 

أخيرًا نجا إسماعيل، نجا لأن الله كان يدخر له المزيد من الأيام.

 

كل كوابيس صباه كانت تطارده، لقد حاول أن يتخلص منها بالكتابة، فكتب مذكراته هذه التي سرعان ما راجت بين قراء الأدب، فقامت دور النشر بترجمتها إلى اثنتين وعشرين لغة!

 

إسماعيل الذي نجا بيد القدرة الإلهية من القتل، سيقرر البدء من جديد، رحلة شاقة ولكنها ستطهره من أدران الماضي، لقد قاتل إسماعيل وفاز فلماذا لم يقاتل لاعبو السنغال، لماذا لا يقاتل أهل إفريقيا جميعًا ظروفهم البائسة؟

 

 غابت عني أخبار إسماعيل بفراغي من قراءة الرواية، بحثت عنه في الشبكة العنكبوتية فوجدت ما سرني، إسماعيل هاجر إلى نيويورك في العام 1998 وأكمل السنتين الأخيرتين من دراسته الثانوية في مدرسة الأمم المتحدة، وتخرج في جامعة أوبرلين عام 2004.

 

أواصل نقل ما وجدته وأنا غاضب من لاعبي السنغال، إسماعيل يعيش الآن في مدينة لوس أنجلوس بالولايات المتحدة الأمريكية مع زوجته وأطفاله، وهو الآن منتصف الأربعينيات من عمره (هو من مواليد نوفمبر 1980). لقد تحول ذلك الصبي المجند إلى أحد أبرز الأصوات العالمية المدافعة عن حقوق الإنسان والطفولة.

 

إسماعيل الذي كان صبيًا مقاتلًا أصبح سفيرًا عالميًا لليونيسيف، ويعد الآن من أبرز مناصري الأطفال المتأثرين بالحروب ويقوم بزيارات ميدانية مستمرة لمناطق النزاع الساخنة لدعم برامج إعادة تأهيل الأطفال وتسريحهم من الجماعات المسلحة.

 

لماذا لا يعرف الأفارقة قصة كفاح الصبي المجند الذي قاتل أشباح ماضيه وانتصر عليها ليصبح صاحب مكانة عالمية في مكافحة استغلال الأطفال فيما يدمر طفولتهم.

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق