نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العنصرية جرحُ الإنسانية, اليوم السبت 1 أغسطس 2026 11:33 صباحاً
الحمد لله الذي خلق الخلق من ترابٍ واحد، ونفخ فيهم من روحه، وأجرى عليهم سنن الابتلاء، فلم يجعل البياض وسامًا للشرف، ولا السواد عنوانًا للنقص، ولا النسب سُلَّمًا إلى الكرامة، ولا المال بابًا إلى الفضل، ولكن جعل التقوى تاجَ الفضائل، والعدلَ قوامَ الممالك، والرحمةَ روحَ الشرائع، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، رفع بالإيمان أقوامًا كانوا بالأمس مستضعفين، ووضع بالكبر آخرين كانوا يتيهون في الأرض مرحًا، وأشهد أن سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله، رسولُ الهدى، ومصباحُ الدجى، الذي هدم صروح العصبية، ومحا آثار الجاهلية، وربط القلوب برباط الأخوة، حتى صار الحب في الله نسبًا، وصار الإيمان وطنًا، وصارت الإنسانية جامعةً لا يفرقها لون، ولا يمزقها لسان.
أما بعد، فيا أيها الناس، إن من أعظم البلايا التي ابتُليت بها الأمم، وأشد الآفات التي نخرت عظام الحضارات، داءَ العنصرية، ذلك الداء الذي يكسو الباطل ثوب الحق، ويجعل الكبر فضيلة، والظلم شجاعة، والاستعلاء عزًّا، وما هو إلا مهانةٌ في الدنيا، وخزيٌ في الآخرة، وهل العنصرية إلا جهلٌ تنكر في ثوب العلم؟ وهل هي إلا كبرٌ لبس لباس الحكمة؟ كلا، بل هي نارٌ إذا اشتعلت أحرقت الضمائر قبل الديار، وفتكت بالأخلاق قبل الأجساد، وأهلكت الأمم قبل الأفراد.
أيها الإنسان، بماذا تفاخر؟ أبأصلٍ يعود إلى تراب؟ أم بلونٍ يغيره الزمان؟ أم بجسدٍ مآله إلى الفناء؟ أما علمت أن أولك وآخرك من طين، وأن روحك وروح أخيك نفخةٌ من رب العالمين؟ وأن الأرض التي تمشي عليها ستضم الأبيض والأسود، والغني والفقير، والشريف والوضيع، فلا يبقى إلا العمل، ولا ينفع إلا الإيمان، ولا يخلد إلا الأثر الحسن؟
لقد مزق التعصب أوصال الأمم، وسالت بسببه الدماء، وتقطعت الأرحام، واستُبيحت الحقوق، واستُعبد الأحرار، حتى صار الإنسان يقتل أخاه لأنه يخالفه في لونٍ أو نسبٍ أو قوم، وكأن الخلق خلقه.
والأمر أمره، والميزان ميزانه. وما علم أن الله سبحانه قد أبطل هذه الموازين كلها بكلمةٍ واحدة، فقال جل من قائل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ﴾، فجمعهم بنداء الإنسانية قبل أن يجمعهم بنداء الإيمان، ثم قال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾، فجعل الاختلاف رحمة، والتنوع حكمة، والتعارف غاية، لا التفاخر، ولا التباغض، ولا التقاتل، ثم ختم الآية بالميزان الذي لا يحابي أحدًا: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.
أي ميزانٍ بعد ميزان الله؟ وأي شرفٍ بعد شهادة السماء؟ فمن طلب المجد في غير التقوى فقد أضاع الطريق، ومن التمس العزة في غير الحق فقد ركب مركب الغرور.
وقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، فكانت الكرامة لبني آدم جميعًا، لا لقبيلةٍ دون أخرى، ولا لأمةٍ دون أمة، لأن ربهم واحد، وأباهم واحد، ومصيرهم واحد، ثم جاء سيد المرسلين صلى الله عليه وآله وسلم، فوقف في أعظم مشهدٍ من مشاهد الإسلام، يخاطب
الإنسانية كلها، فقال: «يا أيها الناس، إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لأعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى»، فما ترك لمتعصبٍ عذرًا، ولا لمتكبرٍ حجة، ولا لمفتونٍ بنسبه سبيلًا، ولما ارتفعت رايات العصبية قال كلمته الخالدة: «دعوها فإنها منتنة»، لأنها تفسد القلوب كما يفسد النتن الهواء، وتخنق الأرواح كما يخنق الدخان الأنفاس.
ثم انظر إلى كلمات أمير المؤمنين علي بن ابي طالب عليه السلام، فإنها مناراتٌ لا تخبو، وحكمٌ لا تبلى، إذ قال في عهده إلى مالك الأشتر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم، واللطف بهم، فإنهم صنفان: إما أخٌ لك في الدين، أو نظيرٌ لك في الخلق»، فلو أن العالم جعل هذه الكلمة دستورًا، لما بقي مظلومٌ لعرقه، ولا محتقرٌ للونه، ولا منبوذٌ لأصله، فهي كلمةٌ وسعت الإنسانية كلها تحت لواء الرحمة.
وقال عليه السلام: «قيمة كل امرئ ما يحسنه»، فلا قيمة للإنسان إلا بما يقدمه من خير، وما يحمله من علم، وما يتحلى به من خلق، أما الأنساب فإن لم تزينها الفضائل كانت دعوى لا تغني عن صاحبها شيئًا.
وقال: «من تعصب أو تُعُصِّب له فقد خلع ربقة الإيمان من عنقه»، لأن الإيمان نور، والعصبية ظلام، وإذا أقبل أحدهما أدبر الآخر.
ولقد صدق أيضا إذ قال: الناسُ من جهةِ التمثالِ أكفاءُ أبوهمُ آدمٌ والأمُّ حواءُ، لا فضلَ إلا لأهلِ العلمِ إنهمُ على الهدى لمن استهدى أدلاءُ
وقال شوقي: وإنما الأممُ الأخلاقُ ما بقيتْ فإن همُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا فما ارتفعت أمةٌ بالتعصب، ولا سادت بالكبرياء، ولا دام لها سلطانٌ بالظلم، وإنما تبقى الأمم بالعدل، وتحيا بالرحمة، وتخلد بالأخلاق، وإن التاريخ لشاهدٌ لا يجامل، فما من حضارةٍ جعلت العنصرية قانونها إلا كانت نهايتها التمزق والانهيار، وما من أمةٍ أقامت العدل بين أبنائها إلا علت رايتها، ورسخت أركانها، وامتد ذكرها في الناس.
فاتقوا الله في عباده، واكسروا أصنام الكبر في نفوسكم قبل أن تكسروا أصنام الحجر، فإن الوثن قد يكون حجرًا يُعبد، وقد يكون هوىً يُتبع، وما العنصرية إلا وثنٌ جديدٌ يتقرب إليه الجاهلون بكلمات الاستعلاء وأفعال الإقصاء، واعلموا أن الناس غدًا يقفون بين يدي الحكم العدل، حفاةً عراةً، لا يُنادى أحدٌ باسم قبيلته، ولا بلون بشرته، ولا بجاه عشيرته، وإنما ينادى كل امرئٍ بعمله، فإن كان خيرًا فخير، وإن كان شرًا فشر، ﴿يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
فطوبى لمن طهّر قلبه من دنس العصبية، وغسل نفسه بماء التواضع، وجعل ميزانه العدل، ولسانه الصدق، ويده الإحسان، وقلبه الرحمة، فإن أولئك هم الذين فهموا رسالة السماء، وأدركوا معنى الإنسانية، وساروا على هدي القرآن، واقتفوا أثر النبي وآله الأطهار، وويلٌ لمن باع آخرته بلحظة كبر، واستبدل
أخوة الإنسان بوهم الامتياز، فإن كل مجدٍ لا يقوم على التقوى إلى زوال، وكل بناءٍ يُشيَّد على الظلم إلى انهيار، ويبقى نداء الحق خالدًا ما بقي الليل والنهار: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾، فهي آيةٌ لو استقرت في القلوب، لأزهرت الأرض عدلًا، ولأشرقت الإنسانية محبةً، ولصار الناس كما أرادهم الله: إخوةً في الخلق، وشركاء في الكرامة، ومتسابقين إلى البر والتقوى.
اقرأ أيضاً
أقنعة الحقيقة في عصر التزييفردا على «صديقي اللدود» د.أيمن ندا
مؤبد لقاتل أسواق ماجديبورغ


















0 تعليق