نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الأذرع الإخوانية.. رحلة السقوط من "الواجهات الثقافية" إلى "مستنقع التحريض المبتذل والردح الاعلامى ", اليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026 12:36 مساءً
على مدى عقود طويلة، اعتمدت جماعة الإخوان الإرهابية استراتيجية تُعرف في أدبيات العلوم السياسية بـ«القوة الناعمة الموازية»، وحرصت على احتواء المشهد الثقافي والإعلامي من خلال استقطاب أو زرع أذرع لها في شتى المجالات، في صورة شخصيات ومؤسسات تظهر في المشهد الثقافي والفكري والمجال الفني؛ لتؤدي دور «الواجهة المقبولة مجتمعيًا»، بينما تخدم في الباطن الأهداف الأيديولوجية والتنظيمية للجماعة.
إلا أن التحولات السياسية والاجتماعية المتلاحقة كشفت عن تراجع حاد وانحدار أخلاقي تدريجي لهذه الأذرع، لتتحول من منابر يدّعي أصحابها التنوير والتثقيف إلى أدوات للتحريض وشحن الجماهير عبر منصات رقمية تحكمها الأجندات التمويلية، متبعة سياسة «الردح الإعلامي المبتذل».
وبدأت هذه الرحلة بمرحلة اختراق المنصات الناعمة قبل عام 2011، حيث تغلغلت الكوادر والمحسوبون على التيار الإخواني في النقابات المهنية، والجمعيات الثقافية، ودور النشر، مع تصدير خطاب «محافظ معتدل» يخاطب الطبقة المتوسطة، ويبني مشروعية مجتمعية بعيدًا عن العمل السياسي المباشر.
ثم جاءت صدمة صعود الجماعة إلى الحكم وسقوطها الأخلاقي السريع بين عامي 2011 و2013، إذ تخلت الجماعة وأذرعها الثقافية عن الأقنعة النفعية فور وصولها إلى السلطة، وحاولت فرض هيمنة ومحاصصة شاملة على المؤسسات الثقافية والرسمية، مما أدى إلى صدام شهير مع المثقفين والمبدعين، انتهى بموجة رفض شعبي واسعة واعتصامات حاشدة.
وعقب التحولات السياسية، بدأت رحلة الشتات وتأسيس منابر إعلامية في الخارج بين عامي 2013 و2018، حيث انتقلت هذه الكوادر إلى عواصم إقليمية مختلفة، وتم إنشاء شبكة من القنوات الفضائية والمنصات الممولة بوصفها واجهات جديدة، أطلقت خطابات هجومية حادة، وأسقطت العمل الثقافي لصالح الاستقطاب السياسي المباشر.
ووصل الانحدار الذوقي والأخلاقي إلى المرحلة الحالية، المتمثلة في السقوط في مستنقع الرقميات والسوشيال ميديا والتحريض. فمع تراجع تمويل القنوات الفضائية التقليدية، وضغوط التغيرات الجيوسياسية الإقليمية، تراجعت قيمة هذه الشخصيات الثقافية، لتتحول إلى «صنّاع محتوى تحريضي» على منصات التواصل الاجتماعي (يوتيوب، وتيك توك، والبودكاست)، يعتمدون على العناوين الصارخة وبث الشائعات المباشرة لضمان البقاء والاستمرارية.
ويعتمد هذا التحول المتدرج والانحدار القيمي للجماعة الإرهابية على منهج «التقية»، وتصدير الوجه البشوش المتدين حتى تصل إلى أغراضها الخبيثة في الهيمنة على الوطن، ثم خلع القناع الثقافي والكشف عن وجهها البغيض المتدني. وكانت النخب التابعة أو الدائرة في فلك الجماعة تُقدَّم بوصفها شعراء وكتّابًا، ومفكرين، وإعلاميين مستقلين، ولكن عند اختبار الانتماء الوطني أمام الانتماء التنظيمي، انحازت هذه الشخصيات بلا تردد إلى المشروع الأيديولوجي، مما أفقدها المصداقية والشرعية لدى الوسط الثقافي العام.
ولم يعد المطلوب من هذه الأذرع الدعائية في مراحل الشتات، وخاصة الذراع الثقافي، تقديم مقال تحليلي أو منتج فكري، بل أصبح المطلوب تقديم خطاب صدمة يعتمد على إشاعة الروح السلبية، وتضخيم الأزمات، واستهداف مؤسسات الدولة الوطنية عبر لغة عاطفية مبسطة تصل إلى جميع الناس.
وسقطت الأدوات الفكرية للخطاب الإخواني أمام خوارزميات المنصات، فاستُبدل التحليل الفكري بالفيديوهات المبتورة والمزايدات الخطابية لجمع الإعجابات وتلبية متطلبات الجهات الداعمة، مما أفقدهم أهليتهم الثقافية كليًا، وأحالهم إلى خانة الناشطين.
ويكشف هذا التحول تمايزًا حادًا بين الخطاب الثقافي في مرحلة ما قبل السقوط والخطاب التحريضي الحالي. ففي البدايات اعتمد الخطاب على وسائط تقليدية كالصحف، ودور النشر، والندوات، والمجلات الثقافية، متناولًا قضايا الهوية والأخلاق والإصلاح الظاهري بلغة هادئة ورصينة ظاهريًا، تستهدف الطبقة المتوسطة، والنخب، والشباب الجامعي.
أما في مرحلة السقوط، فقد تحولت الوسائل كليًا إلى منصات البث المباشر، والقنوات الممولة، وشبكات التواصل الاجتماعي، واستُبدل الطرح الفكري بمحتوى مباشر يهدف إلى إشاعة الفوضى، ومهاجمة مؤسسات الدولة، والتشكيك الممنهج، مع اعتماد لغة حادة وتحريضية تعتمد على التهويل والشائعات لجذب الجمهور العام المستقطَب عاطفيًا والقواعد التنظيمية.
وتعكس تجربة سقوط الأذرع الإخوانية من المنصات الثقافية إلى مستنقع التحريض أزمة حقيقية في بنيوية الخطاب الأيديولوجي للجماعة، الذي أثبت عدم قدرته على التعايش مع مفهوم «الدولة الوطنية»، واستعداده للتضحية بكافة المكتسبات الثقافية مقابل صيانة التنظيم وإنقاذ ما تبقى من كيانه المنهار.

















0 تعليق