«تراب الإمارات سيصبح ذهباً».. حكاية أسرة آمنت برؤية زايد

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«تراب الإمارات سيصبح ذهباً».. حكاية أسرة آمنت برؤية زايد, اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 11:59 مساءً

ليست كل حكايات الاتحاد مدونة في الوثائق الرسمية، ولا كل فصول النهضة تقرأ في الأرقام والإحصاءات، فبعضها عاش في بيوت متواضعة، وحفظ في ذاكرة أسرٍ اختارت الإمارات وطناً قبل أن تصبح الدولة التي يعرفها العالم اليوم، إنها حكايات أناسٍ لم يروا في الصحراء فراغاً، بل رأوا فيها وعداً، لأنهم آمنوا بالرجالات التي تقودها.

من بين تلك الحكايات، تروي إيمان لـ«الإمارات اليوم» قصة والدها، خالد عبده علي القريضي، الذي وصل إلى أبوظبي عام 1969، قبل إعلان الاتحاد بعامين، ضمن بعثة طبية بريطانية للعمل مع منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، بعد تخرجه في الكلية الملكية البريطانية للتمريض بالمملكة المتحدة.

وقالت إن أبوظبي في ذلك الوقت كانت مدينة صغيرة، تتشكّل ملامحها الأولى، وكانت الأسرة تقيم في مساكن خشبية داخل مجمع المستشفى المركزي، فيما لم يكن يحيط بالمكان سوى الصحراء والعشش وقصر المنهل. أما والدتها، القادمة من بريطانيا، فوجدت نفسها أمام بيئة مختلفة تماماً عما اعتادت عليه. وكانت تنظر إلى الرمال الممتدة وتتساءل بقلق: كيف ستكون الحياة هنا؟ وأين سيدرس الأبناء؟ وكيف سيكون مستقبلهم؟

وأضافت إيمان أن والدها كان يرى ما هو أبعد من الصحراء، إذ وجد في المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، قائداً استثنائياً يمتلك رؤية تتجاوز الحاضر، وكان يردد لوالدتها، كلما ساورها القلق: «طالما أن هذا الرجل يقود هذه الأرض، فلن نعيش إلا بخير، إنه رجل أفعال، ومن يعش إلى جواره يكتسب القوة والقدرة على الإنجاز».

وتابعت أنه كان يردد دائماً: «سترين.. هذا التراب سيصبح ذهباً»، مؤكدة أن تلك الكلمات لم تكن مجرد تفاؤل عابر، بل كانت تعبيراً عن قناعة راسخة، فقبل استقراره في الإمارات، جرب والدها العيش في أكثر من دولة عربية، لكنه كان يرى أن الإمارات هي المكان الوحيد الذي شعر فيه بأن المستقبل يُبنى أمام عينيه، ولذلك اتخذ قراره بأن يجعلها وطنه ووطن أسرته.

وتوضح أنه بالتزامن مع السنوات الأولى لبناء مؤسسات الدولة، كان والدها واحداً من المساهمين في هذا البناء، إذ أسهم في تأسيس أول مدرسة للتمريض في أبوظبي، ثم تولى، بعد قيام الاتحاد، إدارة جميع مدارس التمريض في دولة الإمارات، مشاركاً في إعداد الكوادر الوطنية خلال واحدة من أهم مراحل التأسيس.

ولفتت إلى أن والدها لم يكن ينظر إلى عمله باعتباره وظيفة، بل رسالة ومشاركة في بناء وطن، وكان يؤمن بأن الدول لا تُقاس بما تشيده من مبانٍ فقط، وإنما بما تستثمره في الإنسان، وهي القناعة التي استمدها من رؤية الشيخ زايد منذ الأيام الأولى.

وذكرت إيمان أن تلك الرؤية لم تقتصر على مسيرة العمل، بل انعكست أيضاً على تفاصيل حياتهم اليومية، إذ اعتادت الأسرة زيارة قصر المنهل، حيث كان المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، يستقبل الأطفال وأسرهم ببساطته المعهودة، ويشاركهم الطعام، ويغمرهم بعطفه، قبل أن يودعهم بالهدايا.

وذكرت أنها لاتزال تحتفظ بسلسلة ذهبية أهداها لها المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في طفولتها، وتعدها من أثمن مقتنياتها، فهي لا تُمثل بالنسبة إليها مجرد ذكرى بل شاهد على ارتباط القيادة بالمجتمع في علاقة إنسانية وثيقة، وقد تواصل هذا النهج الذي جعل الإنسان محوراً لمسيرة التنمية في دولة الإمارات، لكن القدر لم يمهل والدها طويلاً ليشهد ما آمن به وهو يصبح واقعاً.

وفي 15 يوليو 1977، رحل الأب إلى جوار ربه، بعد ثمانية أعوام من وصوله إلى أبوظبي، تاركاً زوجة في مقتبل العمر وستة أبناء (أربع بنات وولدان) كانت أصغرهم إيمان، التي لم تكن قد أكملت عامها الأول.

وتصف إيمان رحيل والدها بأنه كان صدمة كبيرة للأسرة، إلا أن التحدي الأكبر تمثّل في القرار الذي واجه والدتها بعد وفاته، إذ كان بإمكانها العودة إلى بريطانيا، حيث الأهل والحياة التي تعرفها، لكنها اختارت البقاء في الإمارات وفاءً لقناعة زرعها زوجها في نفسها، وكانت تردد دائماً: «سأبقى في البلد الذي أحبه زوجي، وآمن بأهله وبمستقبله».

وبيّنت إيمان أن الأسرة وجدت، بعد وفاة والدها، احتضاناً ودعماً من سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات»، رئيسة الاتحاد النسائي العام رئيسة المجلس الأعلى للأمومة والطفولة الرئيسة الأعلى لمؤسسة التنمية الأسرية، التي وفّرت لهم سكناً، وسألت والدتها عما تحتاج إليه، فطلبت فرصة للعمل، لتتمكن من تربية أبنائها بكرامة، وتواصل خدمة المجتمع الذي احتضن أسرتها.

وأوضحت أن والدتها، المعروفة باسم «أم جمال»، كانت شغوفة بالقراءة والعمل الثقافي والمجتمعي، وهو ما دفعها إلى الإسهام في إنشاء أول معرض للكتاب، قبل أن تتفرغ للعمل في جمعية المرأة الظبيانية، حيث كرّست وقتها لتعليم القرآن الكريم للنساء.

وأضافت أن المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، زار الجمعية واطلع على هذا العمل، فرأى فيه نواة مشروع أكبر، ووجه بتوسيع الفكرة لتصبح مشروعاً وطنياً لتحفيظ القرآن الكريم، فيما تشرفت والدتها بتنفيذ هذه الرؤية والعمل على إنجاحها.

وأشارت إلى أن والدتها لم تكن تربّي أبناءها على الحنين إلى ما تركته خلفها في بريطانيا، بل على الامتنان لما وجدته في الإمارات، وكانت تردد دائماً أن الوطن الذي يقف مع الإنسان في أوقات ضعفه، يستحق أن يقف الإنسان معه في أوقات قوته.

ومع مرور الأعوام، كبرت الإمارات، وكبر معها أبناء الأسرة، فيما ظلت الأم تزرع في نفوسهم الإيمان بالمستقبل، وكانت تقول لهم وهم ينظرون إلى الصحراء: «هذا التراب سيصبح ذهباً»، مؤكدة أن المقصود لم يكن الأرض بحد ذاتها، بل الإنسان الذي سيصنع هذا التحوّل.

وتلقّى أبناء أسرة خالد عبده تعليمهم في مدارس الإمارات، وعاشوا سنوات التأسيس التي وضعت الإنسان في مقدمة أولوياتها، ولايزالون يتذكرون تفاصيل بسيطة في ظاهرها، لكنها كانت كبيرة في أثرها، مثل وجبة الإفطار المدرسية اليومية التي كانت تقدم في الساعة العاشرة صباحاً، وتضم «ساندويش» جبن وموزة وتفاحة، إلى جانب توفير الدولة قماش الزي المدرسي، و100 درهم لتفصيله مع بداية كل عام دراسي.

وتابعت أن تلك المبادرات لم تكن مجرد خدمات، بل كانت تعكس اهتمام الدولة بالطالب منذ سنواتها الأولى، وترجمة عملية لرؤية الشيخ زايد في الاستثمار بالإنسان، وهي القيم التي نشأ عليها أبناء الأسرة، وظلت ترافقهم في حياتهم العلمية والعملية.

واليوم، تؤكد إيمان أن أسرتها تُمثل واحدة من الثمار التي أينعت بفضل تلك الرؤية، إذ تضم الأسرة طبيبة، ومحامية، ومسؤولة في قطاع التعليم، وخبيرة في قطاع التأمين، وجميعهن من حملة درجة الماجستير، إلى جانب مهندس زراعي يشغل موقعاً تنفيذياً في قطاع الثروة الغذائية، وضابط بحري، فيما يمتد هذا الإرث إلى الأبناء والأحفاد وأحفاد الأحفاد، الذين يعملون في مختلف المجالات، بين مهندسين، وموظفين، وآباء وأمهات يواصلون خدمة الوطن الذي آمن به خالد عبده وزوجته منذ البدايات.

وتوضح أنها بدورها واصلت مسيرتها العلمية والمهنية، حتى أصبحت الرئيس التنفيذي لقطاع الخدمات المساندة في مجموعة «ألفا ظبي القابضة»، وحصلت على درجة الماجستير في القانون الخاص من جامعة زايد، عن رسالة بحثية تناولت الذكاء الاصطناعي وحوكمة شركات المساهمة العامة، وتواصل حالياً دراسة الدكتوراه في القانون الخاص بجامعة أبوظبي، إلى جانب عملها محاضرة بدوام جزئي لطلبة القانون.

وترى إيمان أن ما حققته أسرتها لم يكن استثناءً، بل هو ثمرة طبيعية لوطن آمن بالإنسان، وفتح أمامه أبواب التعليم والعمل والفرص، مضيفة أن من عاش البدايات وشهد قيام الاتحاد يدرك جيداً حجم التحوّل الذي شهدته الدولة، ولا يمكنه أن ينظر إلى ما تحقق اليوم باعتباره أمراً عادياً، لأنه يعرف حجم الرحلة التي قطعتها الإمارات منذ سنواتها الأولى.

وذكرت أن والدها رحل عام 1977، فيما رحلت والدتها في فبراير 2024، إلا أن الرسالة التي آمنا بها بقيت حاضرة في أبنائهما، وفي القيم التي غرساها، وفي كل نجاح تحقق على امتداد الأسرة، منوهةً بأن الأسرة لا تستحضر ذكرياتها في «يوم عهد الاتحاد» باعتبارها قصة شخصية، بل بوصفها جزءاً من ذاكرة وطن، آمن به رجال ونساء قبل أن تكتمل ملامحه، فبادلهم الوفاء بالوفاء.

وأضافت أن أجمل ما يلخّص تلك الرحلة، العبارة التي ظل والدها يرددها في البدايات، قبل أكثر من خمسة عقود، ثم تحوّلت إلى حقيقة يشهد عليها الجميع اليوم: «هذا التراب سيصبح ذهباً».

• أسرة «أم جمال» تضم طبيبة ومحامية ومسؤولة تربوية وخبيرة في قطاع التأمين ومهندساً وضابطاً بحرياً.

• «أم جمال» لم تربّ أبناءها على الحنين إلى ما تركته في بريطانيا، بل على الامتنان لما وجدته في الإمارات.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق