المتحدث العسكري.. كيف تغيرت المهام خلال 14 عامًا؟

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المتحدث العسكري.. كيف تغيرت المهام خلال 14 عامًا؟, اليوم الأربعاء 15 يوليو 2026 03:32 مساءً

ماذا يعني تغيير المتحدث العسكري للقوات المسلحة؟ ما طبيعة المنصب وأهميته داخل المؤسسة العسكرية المصرية؟ وكيف يعبر شاغله عن جهد مؤسسي شامل في إدارة الاتصال مع وسائل الإعلام والرأي العام، من خلال نقل المعلومات المعتمدة، وشرح المواقف الرسمية في أوقات السلم والأزمات؟

تعيين العقيد أركان حرب، أحمد عتمان، متحدثًا عسكريًا رسميًا للقوات المسلحة، خلفًا للعقيد أركان حرب غريب عبد الحافظ غريب، وإن كان خطوة طبيعية في ضوء النشرة الداخلية للقوات المسلحة، لكنه يلفت الانتباه إلى محطات مهمة يمكن قراءتها في ضوء المهام المرتبطة بالمنصب، وفق التسلسل الذي بدأ منذ تولي العقيد أحمد محمد علي، المسئولية في 8 سبتمبر 2012.

يمكنني، من موقع التخصص، رصد محطات مهمة تُظهر الأدوار المتعددة والمتغيرة، وملامح الفترات التي صاحبت من شغلوا المنصب (العقيد أحمد محمد علي، العميد محمد سمير، العميد تامر الرفاعي، العميد غريب عبد الحافظ غريب)، طوال 14 عامًا، وكيف أنه، رغم التطورات المتلاحقة وتعدد التحديات، استمر أداء المهام وفق السياسات المعتمدة للقوات المسلحة.

تبدو الوقفة ضرورية، أولًا، أمام مهام ومسئوليات المتحدث العسكري، فمن خلاله، وبالتنسيق مع إدارة الشئون المعنوية، تُعلن القوات المسلحة جهودها وأنشطتها المتعددة: القرارات، التدريبات، الزيارات الرسمية، وأوجه التعاون مع مؤسسات الدولة، وذلك وفق المعلومات الدقيقة والبيانات المعتمدة من القيادة العامة، التي يصدرها المتحدث الرسمي، وتستند إليها وسائل الإعلام والجمهور في متابعة أخبار القوات المسلحة.

يكتسب التواصل مع وسائل الإعلام أهمية خاصة ضمن اختصاصات منصب المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة، محليًا، عربيًا، ودوليًا، عبر المؤتمرات الصحفية، اللقاءات الإعلامية، والبيانات الرسمية، فضلًا عن الرد على الاستفسارات التي تسمح الضوابط العسكرية بالإجابة عنها، بما يضمن عرض المواقف الرسمية بصورة واضحة وفي توقيتها المناسب.

تتسع المسئوليات خلال الأزمات، العمليات الميدانية، والظروف الاستثنائية، حيث يصبح المتحدث العسكري الجهة المعنية بإعلان المعلومات التي تسمح بها اعتبارات الأمن القومي، مع الحفاظ على التوازن بين حق الرأي العام في المعرفة وسرية البيانات، كما يتولى، عند الضرورة، تصحيح المعلومات غير الدقيقة، والرد على الادعاءات والشائعات عبر بيانات رسمية، مواد مصورة، ووثائق تدعم ما تقوم به القوات المسلحة.

يمتد دور منظومة الإعلام العسكري إلى متابعة ما يُنشر عن القوات المسلحة في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، والعمل على تعزيز الثقة والحفاظ على مصداقية الاتصال العسكري، ليس فقط عبر إدارة تدفق المعلومات، بل أيضًا عبر توثيق أنشطة القوات المسلحة في مختلف المجالات، وإبراز جهودها في التنمية الشاملة.

يُعد دعم الوعي بقضايا الأمن القومي جزءًا مهمًا من منظومة الإعلام العسكري، عبر تقديم المعلومات الرسمية، وتوضيح التحديات الأمنية عند الحاجة، بما يشجع على العودة إلى المصادر المعتمدة، ويحد من تأثير الأخبار غير الموثقة، غير أن هذه الاختصاصات لم تُمارس، خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية، بأسلوب واحد، بعدما فرضت طبيعة الأحداث التي مرت بها الدولة المصرية على شاغلي منصب المتحدث العسكري أولويات مختلفة، وإن ظلت المهام الأساسية ثابتة.

في تصوري، حملت كل مرحلة تحدياتها الخاصة (إدارة الاتصال خلال الأزمات، مواكبة التطور المتسارع في وسائل الإعلام، والتعامل مع تنامي تأثير المنصات الرقمية). ومن هنا، تبدو مراجعة الفترات التي تعاقب فيها المتحدثون العسكريون ضرورية لفهم كيفية تعامل القوات المسلحة مع متطلبات كل مرحلة.

تولى العقيد أركان حرب، أحمد محمد علي، منصب المتحدث العسكري الرسمي للقوات المسلحة (8 سبتمبر 2012 - 1 يوليو 2014) في مرحلة شديدة الصعوبة، لم يكن التحدي يقتصر على إصدار بيانات عسكرية أو تنظيم التواصل مع وسائل الإعلام، بل ارتبط بإدارة الرسالة الرسمية للمؤسسة العسكرية في ظل تغيرات سياسية وأمنية متلاحقة، واهتمام محلي وإقليمي ودولي بكل ما يصدر عن القوات المسلحة.

كان المنصب لايزال حديث العهد بصيغته المؤسسية الجديدة، لذا عملت منظومة الإعلام العسكري على ترسيخ مفهوم المتحدث كمصدر رسمي للمعلومات العسكرية، وبناء الثقة في البيانات الصادرة عنه، خاصة أنه عند توليه المسئولية كانت مصر تمر بمرحلة انتقالية اتسمت بارتفاع مستوى الاستقطاب السياسي، تعدد مصادر المعلومات، واتساع تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام.

أصبح أي بيان عسكري يحظى بمتابعة واسعة داخل مصر وخارجها، بينما كانت الأخبار والشائعات تنتشر بسرعة كبيرة، لذلك كان من الضروري أن تتسم البيانات الرسمية بالدقة، السرعة، والوضوح، حتى لا تترك فراغًا إعلاميًا تستغله مصادر غير رسمية أو أطراف خارجية لتقديم روايات مغايرة.

في الوقت نفسه، كانت القوات المسلحة تتابع تطورات الوضع الأمني في شبه جزيرة سيناء، حيث تصاعد نشاط التنظيمات التكفيرية والإرهابية عقب عام 2011، وازدادت الهجمات ضد القوات المسلحة وأجهزة الدولة، مما فرض على المتحدث العسكري شرح ما يمكن الإعلان عنه بشأن العمليات والإجراءات الأمنية، دون التأثير في سير المهام العسكرية أو تعريض قوات إنفاذ القانون للخطر.

أرى أن المعادلة كانت من أصعب ما واجهه المنصب، لأنها تتطلب تحقيق توازن دائم بين حق الجمهور في المعرفة ومتطلبات الأمن القومي، ثم جاء عام 2013 ليضاعف حجم المسئولية بصورة غير مسبوقة، في ضوء الاحتجاجات الشعبية الواسعة التى انتهت بإعلان القوات المسلحة، في الثالث من يوليو 2013، خارطة طريق سياسية استجابة للمشهد الداخلي، آنذاك.

منذ تلك اللحظة، أصبحت أنظار العالم تتجه إلى المؤسسة العسكرية المصرية، وازدادت الحاجة إلى بيانات رسمية دقيقة تشرح القرارات والإجراءات دون تجاوز حدود الاختصاص العسكري، فيما أصبح المتحدث العسكري يتعامل مع اهتمام إعلامي دولي كثيف، إلى جانب متابعة الرأي العام المصري لكل تطور.

خلال الأشهر التالية، واجهت الدولة موجة عنف وعمليات إرهابية استهدفت القوات المسلحة والشرطة وعددًا من مؤسسات الدولة، خاصة في شمال سيناء وبعض المحافظات الأخرى، عقب الإطاحةالشعبية بالإخوان، لذا، ارتفع عدد البيانات العسكرية المتعلقة بضبط العناصر المسلحة، ضبط الأسلحة والذخائر، وتدمير البؤر الإرهابية، وتأمين المنشآت الحيوية.

كانت البيانات تؤدي دورًا مهمًا في توضيح طبيعة التهديدات التي تواجهها الدولة، وإبراز جهود القوات المسلحة في التعامل معها. كما شهدت تلك المرحلة فض اعتصامي «رابعة العدوية» و«النهضة» الإرهابيين في أغسطس 2013، وما أعقب ذلك من تصاعد في أعمال العنف والهجمات الإرهابية التي نفذتها جماعة الإخوان.

كان على منظومة الإعلام العسكري التعامل مع بيئة إعلامية شديدة الحساسية، تتداخل فيها المعلومات العسكرية مع التطورات السياسية والأمنية، وسط متابعة دولية دقيقة، وانتقادات ومواقف متباينة من أطراف خارجية، لذلك اتسمت البيانات الرسمية بالتركيز على الوقائع المؤكدة، والابتعاد عن التعليق على الجدل السياسي، مع الالتزام بعرض ما يتعلق بدور القوات المسلحة فقط.

يميز تلك الفترة التوسع في استخدام الوسائط الرقمية لنشر البيانات العسكرية، فقد أصبحت الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري على مواقع التواصل الاجتماعي وسيلة رئيسية لنشر البيانات والصور ومقاطع الفيديو الخاصة بالأنشطة والعمليات العسكرية، مما ساعد على وصول المعلومات مباشرة إلى الرأي العام دون وسيط.

الأسلوب أدى إلى تقليل الاعتماد على النقل غير الدقيق، كما أتاح للمؤسسة العسكرية مخاطبة الرأي العام بصورة مباشرة وسريعة، ضمن جهد أظهر الاستمرار في أداء المهامه المختلفة رغم الظروف الاستثنائية التي كانت تمر بها البلاد.

بوجه عام، يمكن القول إن تلك المرحلة شهدت تحديات الأمن، السياسة، الإعلام، وإدارة الأزمات، والتواصل مع الداخل والخارج في وقت واحد، لكنها أسهمت في ترسيخ قواعد العمل الإعلامي العسكري داخل القوات المسلحة.

تولى العميد أركان حرب، محمد سمير، المنصب نفسه (1 يوليو 2014 - 31 ديسمبر 2017)، عقب مرحلة اتسمت بحدة التحولات السياسية، لكن فترته شهدت المواجهة الأكثر وضوحًا في مكافحة الجماعات التكفيرية والتنظيمات الإرهابية، خاصة في شمال سيناء، ولم يكن العبء الرئيسي لمنظومة الإعلام العسكري تفسير تطورات المشهد الداخلي، بل إدارة الاتصال الإعلامي خلال حرب مفتوحة ضد الإرهاب وأدواته الدعائية.

حاولت تلك التنظيمات، المدعومة إقليميًا ودوليًا، التأثير في الرأي العام عبر بث مقاطع مصورة، ونشر روايات مضللة عن سير العمليات، لذلك أصبحت المعركة الإعلامية لا تقل أهمية عن جهود قوات إنفاذ القانون على الأرض، وشهدت تلك الفترة، بحكم قربنا من دائرة الأحداث، توسعًا ملحوظًا في ملاحقة التنظيمات الإرهابية عبر عمليات برية، جوية، وأعمال تأمين الحدود.

ترتب على تلك التطورات صدور الكثير من البيانات العسكرية التي تناولت نتائج المداهمات، ضبط الأسلحة والذخائر، تدمير العربات والأوكار، والقضاء على العناصر المسلحة، إضافة إلى جهود تأمين المرافق الحيوية والمعابر والحدود الدولية، فيما أصبح الحفاظ على انتظام تدفق المعلومات الرسمية أحد أهم عناصر نجاح العمل الإعلامي العسكري.

كان الرأي العام يتابع التطورات، يوميًا، بينما كانت التنظيمات الإرهابية تحاول استغلال أي فراغ معلوماتي لبث رواياتها، بالتزامن مع تكثيف عملياتها الإرهابية التي استهدفت نقاط ارتكاز وكمائن عسكرية وأمنية، وأسفرت عن سقوط شهداء ومصابين، فيما حرصت القوات المسلحة على إعلان تلك الوقائع بمنتهى الدقة، وتقديم معلومات مؤكدة، بعيدًا عن المبالغة أو التقليل من حجم الأحداث.

حرصت البيانات الرسمية على توضيح نتائج رد القوات المسلحة، وما تحقق من نجاحات في ملاحقة العناصر الإرهابية، مما أسهم في ترسيخ مبدأ الشفافية المنضبطة داخل الإعلام العسكري. ومن بين التحديات في تلك الفترة أن العمليات العسكرية لم تكن تقتصر على الاشتباكات المباشرة، بل شملت أيضًا حماية الحدود الغربية والجنوبية، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية في ليبيا، وتصاعد نشاط شبكات تهريب الأسلحة والعناصر المتطرفة عبر الحدود.

لذلك تناولت البيانات العسكرية باستمرار جهود القوات المسلحة في إحباط محاولات التسلل، ضبط كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر، تأمين الحدود الممتدة لمصر، وهو ملف فرض على المتحدث العسكري مواكبة تطورات أمنية متسارعة ومتنوعة، كما شهدت القوات المسلحة توسعًا في تنفيذ التدريبات المشتركة مع جيوش عربية وأجنبية، استقبال وفود عسكرية، وتنفيذ مناورات مشتركة في الداخل والخارج.

لم يكن الهدف من نشر أخبار تلك الأنشطة التغطية الإعلامية فقط، بل توضيح استمرار برامج إعداد القوات المسلحة ورفع جاهزيتها القتالية، رغم انشغالها بالحرب على الإرهاب، وعليه، يمكن فهم الاحترافية في البيانات الخاصة بالتدريبات والمناورات، مع استخدام الصور ومقاطع الفيديو لإظهار مستوى الكفاءة القتالية دون الإفصاح عن تفاصيل عسكرية حساسة.

تميزت تلك المرحلة بتوسع دور القوات المسلحة في الإشراف والمساهمة في تنفيذ المشروعات القومية، المشاركة في تطوير البنية الأساسية، ودعم جهود الدولة في مجالات عدة، وأصبح منصب المتحدث العسكري، بحكم متابعتنا عن قرب للجهد الشامل، معنيًا بتوثيق تلك الأنشطة، مع الحفاظ على التوازن بين إظهار الدور التنموي للمؤسسة العسكرية، وعدم إغفال المهام الأساسية لها في حماية الأمن القومي والدفاع عن الدولة.

من التطورات المهمة خلال تلك الفترة أيضًا ارتفاع مستوى الاحتراف في إنتاج المحتوى الإعلامي العسكري، فقد أصبحت البيانات المصورة أكثر جودة، تطورت أساليب التصوير والإخراج، وأصبحت مقاطع الفيديو جزءًا أساسيًا من الرسالة الإعلامية، مما وفر أدلة بصرية تدعم البيانات الرسمية، وساعد على مواجهة ما كانت تبثه التنظيمات الإرهابية من مواد دعائية تستهدف التأثير النفسي في المواطنين.

لم يكن الضغط الواقع على منظومة الإعلام العسكري نابعًا من كثرة البيانات فقط، بل من ضرورة إصدارها في توقيتات دقيقة، وبعد مراجعات متعددة، لأن أي معلومة غير مكتملة كان يمكن أن تستغلها وسائل إعلام معادية أو منصات إلكترونية لنشر تفسيرات مضللة، لذلك كانت السرعة والدقة عنصرين متلازمين في العمل اليومي للمتحدث العسكري.

بنهاية عام 2017، كانت المؤسسة العسكرية قد قطعت شوطًا مهمًا في تطوير منظومة الاتصال الإعلامي، وأصبح المتحدث العسكري لا يكتفي بإصدار البيانات، بل يدير منظومة إعلامية متكاملة تشمل النصوص، والصور، والفيديو، ومنصات التواصل الاجتماعي، والتغطيات الميدانية، والتواصل مع وسائل الإعلام.

وعليه، أرى أن تلك الفترة ارتبطت بتثبيت قواعد الإعلام العسكري أثناء الحرب على الإرهاب، وتحويل البيانات الرسمية إلى مصدر يومي يعتمد عليه الرأي العام لمتابعة تطورات واحدة من أكثر المواجهات الأمنية كثافة في تاريخ مصر المعاصر، ولعبت خلالها منظومة الإعلام العسكري، ممثلة في الشئون المعنوية ومكتب المتحدث العسكري، دورًا احترافيًا في إدارة الاتصال الرسمي ومواكبة التطورات الميدانية.

***

في مرحلة اختلفت في طبيعتها عن الفترتين السابقتين، تولى العميد أركان حرب، تامر الرفاعي، منصب المتحدث العسكري (1 يناير 2018 - 29 أغسطس 2021)، بعدما تجاوزت مؤسساتنا الوطنية الجزء الأكبر من الاضطرابات السياسية التي أعقبت عام 2011، بينما استمرت المواجهة مع التنظيمات الإرهابية، لكن في إطار أكثر تنظيمًا وشمولًا.

لم يعد التحدي الرئيسي التعامل مع أحداث متفرقة، بل مواكبة عمليات عسكرية واسعة النطاق، إلى جانب ملفات إقليمية متشابكة، وأزمات صحية عالمية، وتوسع ملحوظ في دور القوات المسلحة داخل الدولة وخارجها، لذلك اتسعت دائرة المسئوليات الإعلامية، وأصبح المتحدث العسكري يتعامل مع ملفات متنوعة تتطلب رسائل مختلفة، مع الحفاظ على وحدة الخطاب الرسمي.

كان الحدث الأكبر في مستهل تلك المرحلة إطلاق «العملية الشاملة» في شهر فبراير عام 2018، كأكبر عملية عسكرية - أمنية شهدتها مصر منذ عقود، بمشاركة تشكيلات من القوات البرية، الجوية، البحرية، وقوات حرس الحدود، والقوات الخاصة، بالتنسيق مع أجهزة الدولة المختلفة، وفرضت العملية على الإعلام العسكري نمطًا جديدًا من العمل.

أصبحت البيانات العسكرية تصدر بشكل منتظم، متضمنة نتائج العمليات، أعداد الأوكار التي جرى تدميرها، كميات الأسلحة والذخائر المضبوطة، العناصر الإرهابية التي تم القضاء عليها أو ضبطها، فضلًا عن جهود تأمين الحدود والمنافذ، وكان الحفاظ على دقة البيانات، مع عدم الإضرار بسير العمليات، من أكبر التحديات التي واجهها.

لم يعد الهدف الإعلامي، في تلك المرحلة، يقتصر على إبلاغ الرأي العام بما يجري، بل كان على منظومة الإعلام العسكري توضيح أن مكافحة الإرهاب ليست عمليات منفصلة، بل خطة متكاملة تستهدف استعادة السيطرة الكاملة على المناطق التي كانت تنشط فيها الجماعات التكفيرية والمسلحة وعناصر الجريمة المنظمة، وتجفيف مصادر تمويلها، وتأمين خطوط الإمداد، وحماية قاطنيها من المدنيين.

اتسمت البيانات العسكرية بدرجة عالية من التنظيم، مع استخدام الخرائط، والصور الجوية، ومقاطع الفيديو التي أظهرت جانبًا من قدرات القوات المسلحة دون المساس بسرية المعلومات. وبالتزامن مع العمليات الداخلية، شهدت المنطقة تطورات فرضت تحديات جديدة على الخطاب الإعلامي العسكري، فقد تصاعدت الأزمة الليبية، وازدادت المخاوف من انتقال التهديدات إلى الحدود الغربية لمصر.

خلال الفترة نفسها أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، في يونيو 2020، أن «سرت - الجفرة» تمثل خطًا أحمر بالنسبة للأمن القومي المصري، وهو إعلان استند إلى تقديرات عسكرية وسياسية تتعلق بالتطورات في ليبيا.

ومع ازدياد الاهتمام الإقليمي والدولي بهذا الملف، اكتسبت البيانات العسكرية الخاصة بالتدريبات والجاهزية أهمية إضافية.

أيضًا، كان هناك اهتمام واضح بملف شرق البحر المتوسط، وما صاحبه من اهتمام بتأمين المصالح المصرية في المياه الإقليمية. وأصبح المتحدث العسكري مطالبًا بتغطية التدريبات البحرية والجوية، والمناورات المشتركة التي حملت رسائل واضحة بشأن جاهزية القوات المسلحة لحماية الأمن القومي في جميع الاتجاهات الإستراتيجية.

عكست تلك الجهود استعداد القوات المسلحة للتعامل مع مختلف السيناريوهات، مع الالتزام بعدم الانجرار إلى تصعيد إعلامي. وفي العام نفسه، فرضت جائحة كورونا «كوفيد 19» واقعًا جديدًا على جميع مؤسسات الدولة، وكانت القوات المسلحة جزءًا أساسيًا من جهود المواجهة، حينها، واجه المتحدث العسكري تحديًا مختلفًا تمامًا عن الملفات القتالية.

أصبح، مع الشئون المعنوية، مسئولًا عن توثيق مشاركة القوات المسلحة في أعمال التعقيم، إنشاء المستشفيات الميدانية، نقل المستلزمات الطبية، إنتاج بعض الاحتياجات الطبية، ودعم القطاع الصحي، إلى جانب استمرار نشر أخبار التدريبات العسكرية والأنشطة القتالية بصورة طبيعية، من خلال تنويع الرسالة الإعلامية التي توضح قدرة المؤسسة العسكرية على أداء مهام عدة في توقيت متزامن.

توسعت التدريبات المشتركة مع دول عربية، إفريقية، وأوروبية، إلى جانب تنفيذ مناورات بحرية وجوية متعددة، وافتتاح قواعد عسكرية جديدة، وتطوير منظومات التسليح.

أسهم الدور الكبير الذي لعبته منظومة الإعلام العسكري في تقديم صورة متكاملة عن مستوى التطور الذي شهدته القوات المسلحة. لم يكن العبء الأكبر مرتبطًا بكثافة العمليات فقط، بل بتعدد الملفات التي كان يجري تغطيتها في توقيت متزامن.

في يوم واحد، قد يصدر بيان عن نتائج «العملية الشاملة» في سيناء، وآخر عن تدريب بحري مع دولة صديقة، وثالث عن مشاركة القوات المسلحة في مواجهة جائحة كورونا، ورابع عن افتتاح مشروع عسكري أو قاعدة جديدة، لذلك كان الحفاظ على اتساق الرسالة الإعلامية وسط هذا التنوع يتطلب قدرًا كبيرًا من التنظيم والدقة.

في نهاية تلك فترته، كانت المواجهة مع الإرهاب قد دخلت مرحلة مختلفة، بعد تراجع قدرات التنظيمات المسلحة بصورة ملحوظة، بينما أصبحت القوات المسلحة أكثر حضورًا في الملفات الإقليمية، وأكثر انفتاحًا على التدريبات المشتركة والتعاون العسكري الدولي، في المقابل، توسيع نطاق الإعلام العسكري، ليواكب مؤسسة عسكرية تؤدي أدوارًا متعددة تتجاوز العمليات القتالية التقليدية، مع المحافظة على ثبات الرسالة الرسمية ودقتها في جميع الظروف.

يمكنني القول، بيقين كامل، إن الفترة التي تولى فيها العميد أركان حرب غريب عبد الحافظ غريب، منصب المتحدث العسكري (29 أغسطس 2021 - 13 يوليو 2026)، كانت مختلفة جذريًا عن المراحل السابقة، فبعد سنوات من المواجهة المكثفة مع الإرهاب، كانت القوات المسلحة قد نجحت في استعادة قدر كبير من الاستقرار الأمني، وأصبح التحدي الرئيسي يتمثل في الحفاظ على الجاهزية القتالية، وتأمين المصالح المصرية وسط بيئة إقليمية شديدة التقلب.

لم يعد العبء الإعلامي مرتبطًا بالإعلان اليومي عن نتائج العمليات العسكرية في الداخل، بل انتقل إلى تقديم صورة متكاملة عن قوات مسلحة تواصل تطوير قدراتها، وتدير علاقات عسكرية واسعة، وتراقب تطورات إقليمية متسارعة قد تؤثر بصورة مباشرة في الأمن القومي المصري. وعليه، تغيرت طبيعة الرسالة الإعلامية للقوات المسلحة.

تراجعت البيانات الخاصة بالاشتباكات والعمليات الأمنية، ازداد التركيز على التدريبات المشتركة، والمناورات البرية، البحرية، والجوية، إلى جانب التطوير ورفع الكفاءة، مع الزيارات العسكرية المتبادلة، استقبال الوفود الأجنبية، والتعاون الدفاعي مع عدد متزايد من الدول، كان على المتحدث العسكري أن يوضح للرأي العام أن انخفاض البيانات المتعلقة بالإرهاب لا يعني تراجع النشاط العسكري، وإنما انتقال القوات المسلحة إلى مرحلة تثبيت الإنجازات، مع الاستمرار في رفع الكفاءة القتالية والاستعداد لمواجهة أي تهديد مستقبلي.

تغيرت طبيعة التحديات، في تصوري، مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية في فبراير 2022.

أزمة تجاوز تأثيرها حدود أوروبا لتنعكس على الأمن الغذائي، سلاسل الإمداد، أسواق الطاقة، وحركة الملاحة الدولية، ومن ثم فرضت التطورات الإقليمية والدولية على قواتنا المسلحة استمرار متابعة الجاهزية العسكرية، وتعزيز التعاون مع الشركاء، وإظهار قدرة الدولة على حماية مصالحها الإستراتيجية.

ظهر ذلك في التغطيات الإعلامية للتدريبات المشتركة والأنشطة العسكرية، التي حملت رسائل ردع واستعداد دون الدخول في استعراض سياسي للأحداث الدولية، خاصة بعدما دخلت المنطقة، في عام 2023، واحدة من أكثر مراحلها اضطرابًا مع اندلاع الحرب في قطاع غزة بعد أحداث السابع من أكتوبر.

بالنسبة إلى منظومة الإعلام العسكري، لم يكن الملف مجرد أزمة إقليمية، بل تطورًا يمس الأمن القومي المصري بصورة مباشرة، نظرًا لارتباطه بالحدود الشرقية، معبر رفح، حركة المساعدات الإنسانية، والجهود المصرية لاحتواء التصعيد، لذلك اتسمت البيانات العسكرية بالدقة الشديدة، مع التركيز على الإجراءات التي اتخذتها القوات المسلحة لتأمين الحدود، ودعم أجهزة الدولة في تنفيذ المهام المرتبطة بالإغاثة وتأمين الأراضي المصرية.

لم تتوقف التحديات عند غزة، حيث شهدت الحدود الجنوبية تطورات متسارعة بعد اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، وما صاحبها من عمليات إجلاء للرعايا المصريين والأجانب، واستمرار التنسيق لتأمين الحدود الجنوبية، حينها، ظهر دور الإعلام العسكري في توثيق عمليات الإجلاء، وإظهار جاهزية القوات المسلحة لتنفيذ مهام إنسانية معقدة، تتطلب سرعة الحركة ودقة التخطيط، مع الحفاظ على سلامة المواطنين.

اتسع نطاق التحديات مع تصاعد التوتر في البحر الأحمر، نتيجة الهجمات التي استهدفت السفن التجارية، وما تبعها من اضطرابات في أحد أهم الممرات البحرية العالمية، ورغم أن مصر تعاملت مع تلك التطورات وفق رؤيتها الإستراتيجية، فإن البيانات العسكرية المتعلقة بالقوات البحرية، التدريبات المشتركة، وتأمين السواحل، اكتسبت أهمية إضافية.

أظهرت البيانات استمرار جاهزية القوات المسلحة لحماية المصالح المصرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وتأمين خطوط الملاحة القريبة من المجال البحري المصري. وخلال عامي 2024 و2025، استمرت القوات المسلحة في تنفيذ برنامج واسع للتدريبات المشتركة مع جيوش متقدمة، إلى جانب تطوير منظومات التسليح، تخريج دفعات جديدة من الكليات والمعاهد العسكرية، وافتتاح منشآت تعليمية، طبية، وعسكرية جديدة.

ظهر التطور الواضح في أساليب الإعلام العسكري، من حيث جودة الإنتاج، استخدام الطائرات دون طيار في التصوير، الاعتماد على اللقطات السينمائية، وتوظيف التصميمات الرقمية والخرائط التوضيحية، مع الحفاظ على الطابع الرسمي للرسالة، مما أسهم في زيادة انتشار المحتوى العسكري المصري على المنصات الرقمية، ووصوله إلى جمهور أوسع داخل مصر وخارجها، دون الإخلال بضوابط الأمن العسكري.

تصاعد المواجهة الإعلامية في الفضاء الرقمي، جعل العبء الواقع على منظومة الإعلام العسكري لا يقتصر على إصدار البيانات، بل امتد إلى سرعة التعامل مع الأخبار غير الدقيقة، وتقديم المعلومات الرسمية في توقيت مناسب يمنع انتشار الروايات المضللة، عبر متابعة مستمرة لما يُتداول على المنصات الإلكترونية، مع الحفاظ على الدقة والانضباط اللذين يميزان الخطاب العسكري.

في تقديري، لم تكن الفترة أقل صعوبة عما سبقها، لكنها اختلفت في طبيعة التحديات، فبدلًا من التركيز على الحرب على الإرهاب، أصبحت الأولوية إدارة الرسالة الإعلامية لقوات مسلحة تتحرك في بيئة إقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها أزمات غزة، والسودان، والبحر الأحمر، والتنافس الدولي، مع استمرار برامج التطوير، والتسليح، والتدريب.

من سماتها أنها رسخت صورة القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة تحافظ على أعلى درجات الجاهزية، وتتعامل مع المتغيرات الإستراتيجية بهدوء وانضباط، مع استمرار الإعلام العسكري في أداء دوره مرجعيةً رسميةً للمعلومات المتعلقة بأنشطة القوات المسلحة، عبر وسائل متعددة، وفي مقدمتها مواقع التواصل الاجتماعي. ويكفي أن الصفحة الرسمية للمتحدث العسكري على «فيس بوك» يتابعها أكثر من 10 ملايين شخص.

أتصور أن الحديث عن المتحدث العسكري الجديد للقوات المسلحة، العقيد أركان حرب، أحمد عتمان، يختلف عمن سبقوه، فبعدما تولى المنصب، خلال الساعات الماضية، أجدني أتحدث عن طبيعة المسئوليات، وحجم الملفات، ونوعية التحديات التي تنتظره في بيئة عسكرية وإعلامية تختلف كثيرًا عما كانت عليه عند عودة المنصب قبل 14 عامًا.

بالتأكيد، ستتواصل جهود الحفاظ على مستوى المصداقية الذي أصبح سمة أساسية للإعلام العسكري المصري. وخلال السنوات الماضية، اعتاد الرأي العام ووسائل الإعلام أن تكون بيانات المتحدث العسكري المرجع الرسمي في كل ما يتعلق بالقوات المسلحة، سواء في العمليات، التدريبات، الزيارات، التعاون العسكري، والأنشطة المختلفة.

الحفاظ على هذا الرصيد من الثقة، بل وتعزيزه، مرجعه الالتزام بالدقة، سرعة إصدار المعلومات، الوضوح في الصياغة، مع الالتزام الكامل بضوابط الأمن القومي، حتى في ظل التحدي الذي تمثله طبيعة البيئة الإقليمية المحيطة بمصر، فالمنطقة تأبى أن تنصاع للاستقرار، في ضوء تجدد المناوشات العسكرية الأمريكية - الإيرانية، فيما لاتزال إسرائيل تواصل ممارساتها في الداخل الفلسطيني، وتحديدًا في شمال قطاع غزة.

الأوضاع الأمنية في السودان، والتنافس الدولي في البحر الأحمر وشرق البحر المتوسط، إلى جانب استمرار التطورات المتلاحقة في موازين القوى الإقليمية، تمثل جميعها جزءًا من أجندة صراع تغذيها أطراف دولية. وكل هذه الملفات ترتبط بصورة أو بأخرى بالأمن القومي المصري، وهو ما يجعل البيانات العسكرية المتعلقة بالتدريبات، والجاهزية، وتأمين الحدود، محل متابعة دقيقة من الرأي العام ووسائل الإعلام الإقليمية والدولية.

يرث العقيد أحمد عتمان، بحكم منصبه، مسئولية إدارة الاتصال في عصر تختلف فيه وسائل الإعلام، وتتطور فيه قدرات الذكاء الاصطناعي، فيما أصبحت منصات التواصل الاجتماعي ساحة تتسع لحظة بعد أخرى لتداول الأخبار الصحيحة، وحملات التضليل أيضًا، وتنتشر المعلومات خلال دقائق، ثم تُعاد صياغتها، أو اجتزاؤها، أو إخراجها من سياقها، بصورة قد تؤدي إلى فهم غير دقيق.

من وجهة نظري، ووجهة نظر كثيرين يعملون في الإعلام، فإن سرعة الاستجابة التي لا تضحي بالدقة معادلة ليست سهلة. كما أن التطور الكبير في تقنيات إنتاج المحتوى الرقمي، وإن كان يمثل عنصرًا مهمًا في الرسالة الإعلامية، من خلال الصور، ومقاطع الفيديو، والرسوم التوضيحية، والتغطيات الميدانية، فإنه لا ينبغي أن يكون على حساب الوسائل التقليدية، بل يجب تطويرها والاستفادة منها بالتوازي.

الأنشطة المرتبطة بتطوير القوات المسلحة (التدريبات المشتركة، والمناورات، وتخريج الدفعات الجديدة من الكليات والمعاهد العسكرية، والتعاون الدفاعي مع الدول الشقيقة والصديقة)، تمثل وسيلة لإظهار مستوى الجاهزية القتالية، وتبادل الخبرات، وتوسيع مجالات التعاون العسكري، بما يتطلب وصول الرسالة إلى مختلف الشرائح العمرية، ترسيخًا للانتماء.

تبقى حماية الفضاء المعلوماتي من الشائعات واحدة من أبرز التحديات، فكلما زادت أهمية المؤسسة العسكرية، زادت محاولات نشر معلومات غير دقيقة عنها، خاصة مع تطور طبيعة الحرب السيبرانية، والتأثير الإعلامي، والعمليات النفسية، واستخدام المنصات الرقمية في توجيه الرأي العام.

وقد أثبتت المنظومة الإعلامية العسكرية، خلال السنوات الماضية، مدى احترافيتها في الاتصال الاستراتيجي، ومجابهة التضليل، وتعزيز الثقة الشعبية.

بالتأكيد، فإن إدارة صورة مؤسسة بحجم القوات المسلحة تتطلب جهدًا يوميًا، يشمل التخطيط، والمراجعة، والتوثيق، والتنسيق مع مختلف الأفرع والهيئات. وعليه، يبدأ العقيد أحمد عتمان مهامه في ظروف تختلف عن تلك التي واجهها من سبقوه، مستندًا إلى منظومة إعلامية راسخة، وخبرة تراكمية كبيرة، رغم ما تشهده البيئة الإقليمية والدولية من متغيرات متسارعة.

اقرأ أيضاً
السيرة الذاتية للعقيد أركان حرب أحمد عتمان.. المتحدث العسكري الجديد للقوات المسلحة

تعيين العقيد أركان حرب أحمد عتمان متحدثا عسكريا رسميا للقوات المسلحة

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق