الاربعاء 29 يوليو 2026 | 03:24 مساءً
صور مؤتمر بنغازي
واصل المؤتمر الدولي للعدالة والإصلاح المنعقد في مدينة بنغازي أعماله لليوم الثاني على التوالي، بحضور نخبة من الخبراء والقضاة والحقوقيين والمسؤولين، للتباحث حول تطوير المنظومة القضائية وإصلاح المؤسسات العقابية وإدارة الأزمات الحقوقية في الفترات الاستثنائية. وركزت جلسات اليوم الثاني على محاور إدارة الأزمات الحقوقية وإنفاذ القانون في سياق مكافحة الإرهاب، واستعراض التجربة الليبية في التعامل مع ملفات الموقوفين وعائلات عناصر تنظيم داعش خلال الفترة من عام ألفين وأربعة عشر وحتى عام ألفين وسبعة عشر.
اقرأ ايضا:مؤتمر العدالة والإصلاح في يومه الثاني يسلط الضوء على دور القضاء في إدارة المؤسسات العقابية
التدابير الحقوقية والقانونية
وفيم مشاركة رئيسية خلال الجلسة، قدمت الأستاذة سحر بانون، المحامية ووكيل وزارة العدل لشؤون حقوق الإنسان السابقة ورئيسة لجنة السجناء بالخارج، ورقة عمل استعرضت فيها شهادة حية وميدانية حول التدابير الحقوقية والقانونية التي اتخذتها أجهزة الدولة الليبية في التعامل مع أسرى ومتهمي تنظيم داعش الإرهابي عقب تحرير بنغازي ودرنة ومدن الشرق الليبي.
وأوضحت بانون أن الطروحات النظرية لحقوق الإنسان التي تُداول في المحافل الدولية غالباً ما تناسب الدول المستقرة، بينما فرض الواقع الميداني في ليبيا تحدياً وجودياً تلخص في كيفية الموازنة بين حماية الأمن القومي، واستعادة هيبة الدولة، وصون كرامة القانون والدولة. وأكدت أن الأزمة لم تكن تكمن في التشريعات الوطنية، كون القانون الليبي يغطي كافة هذه الجوانب ويحمي حقوق الإنسان، وإنما كانت العراقيل لوجستية ومادية وأمنية بالدرجة الأولى.
توفير أركان حقوق الإنسان الأساسية للموقوفين
السابقة أنه في ذروة الحرب ونتيجة لتدمير السجون العسكرية والمؤسسات من قبل التنظيم الإرهابي، فتحت وزارة العدل قواطع سجونها لتمكين الجيش الليبي من إيداع الأسرى والمتهمين داخل عنابر صحيحة تتبع وزارة العدل ولكن تحت إشراف الشرطة العسكرية، لضمان الحد الأدنى من قانونية الاحتجاز. وأضافت أن أطقم الحراسة والتحقيق والرعاية الصحية والإعاشة عملوا في ظروف عالية الخطورة وتحت ضغط وضع أمني مشحون بالاغتيالات والاستهداف المباشر للشرطة العسكرية والقضائية ووكلاء النيابة.
وأشارت بانون إلى أن الدولة حرصت على توفير أركان حقوق الإنسان الأساسية للموقوفين، حيث جرى توحيد شبكة الأطباء لتوفير الرعاية الصحية لنزلاء الحق العام ومتهمي داعش على حد سواء، كما تم توحيد منظومة الإعاشة. إضافة إلى ذلك، فتحت وزارة العدل أبوابها لتلقي شكاوى عائلات الموقوفين ومكّنت عدداً من الأسر من زيارة أبنائها والاطمئنان على أوضاعهم الصحية لقطع الطريق أمام شائعات الاختفاء القسري، مشيرة إلى أن وزارتي العدل والدفاع انصهرتا في كيان واحد خلال تلك الفترة لمواجهة الأزمة.
السمار القانون في التعامل مع السجناء
وحول إدارة الاحتقان الشعبي والمواءمة بين غضب الشارع ودولة القانون، ذكرت بانون أن الشارع الليبي كان يغلي نتيجة سقوط أعداد كبيرة من الشهداء، وكان هناك رفض مجتمعي لرؤية متهمي التنظيم الإرهابي يتلقون الرعاية والزيارات داخل سجون الدولة. غير أن الأجهزة المعنية تمسكت بالمسار القانوني لمنع الاستيفاء بالذات وحدوث تصفيات خارج إطار القانون، حيث حُظر إخراج أي موقوف وهو تحت سلطة النيابة العسكرية لحين إتمام المحاكمة. كما تم تشكيل لجان باقتراح من مستشارين لفرز وتصنيف ملفات الموقوفين بناءً على معيار أقدمية تاريخ القبض لامتصاص احتقان الشارع وإعلام أهالي الضحايا سير الإجراءات.
وعن خطوة المحاكم داخل الأسوار، كشفت بانون عن اقتراح تم تقديمه للمجلس الأعلى للقضاء بتحوير إحدى الصالات داخل سجن الكويفية لتصبح محكمة عسكرية، وذلك لنقل السجناء من العنابر إلى المحكمة داخل نطاق جغرافي آمن، حمايةً لأرواح الشرطة القضائية والعسكرية من الاغتيال أثناء النقل، وحمايةً للموقوفين أنفسهم من أي محاولات تصفية.
توثيق كافة التحقيقات مع متهمي قضايا داعش
صور مؤتمر بنغازي
وفيما يخص ضمان نزاهة التحقيقات، صدر قرار من المدعي العام العسكري بتوثيق كافة التحقيقات مع متهمي قضايا داعش توثيقاً مرئياً بالصوت والصورة، لحماية وكلاء النيابة والشرطة من ادعاءات التعذيب، ولضمان شفافية الاعترافات وعدم إنكارها أمام المحكمة.
وتطرقت بانون إلى معركة إعادة بناء الأرشيف القضائي الذي تعرض للتدمير والتفجير على يد تنظيم داعش في نيابات ومحاكم بنغازي ودرنة وعين مارة والقبة، مما تسبب في ضياع ملفات العديد من موقوفي الحق العام وتعطل جلساتهم. وأشارت إلى تنظيم عمل تطوعي بالتنسيق مع المحامي العام ببنغازي والبيضاء ومستشارين قضائيين لإعادة جمع الاستدلالات من مراكز الشرطة وتجميع أكثر من ستين بالمئة من الملفات، فضلاً عن إجراء زيارات للقواطع السجنية لتلقي قصاصات التظلمات من السجناء وإحالتها للمحامين العموم لرفع الظلم عن المتعطلين.
توصيات مؤتمر بنغازي الدولي للعدالة والإصلاح
وأشادت المتحدثة بقرار وزير الداخلية الأسبق المستشار إبراهيم بوشناف، الذي أنشأ بقراره أول مكتب متخصص لحقوق الإنسان داخل وزارة الداخلية لتلقي شكاوى المواطنين حول التجاوزات بمراكز الشرطة والبت فيها مباشرة، مما رفع عبئاً كبيراً عن وزارة العدل والقضاء.
واختتمت الأستاذة سحر بانون كلمتها أمام المؤتمر بتقديم ثلاث توصيات رئيسية للنهوض بالمنظومة القضائية، شملت :
1. ضرورة الأرشفة الإلكترونية الشاملة لكافة ملفات التحقيق والمحاكمات منعاً لتلفها
2.إنشاء مبانٍ للمحاكم والدوائر الجنائية داخل مؤسسات السجون للتغلب على مخاطر النقل وأزمات الوقود،
3. تبني تقنية المحاكمة عن بُعد عبر الشاشات والتلفزيون في القضايا الخطيرة أسوة بالتجارب الدولية للحفاظ على مواعيد الجلسات.
وأكدت في ختام كلمتها أن محاربة الإرهاب لا تعني تعليق العدالة أو حقوق الإنسان، بل التمسك بهما كونهما السلاح الحقيقي لهدم الفكر المتطرف وصيانة هيبة الدولة.
أخبار متعلقة :