جريدة مصرنا

القابلة الهولندية «مينا».. شاهد على ولادة أجيال متعاقبة من أبناء الاتحاد

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
القابلة الهولندية «مينا».. شاهد على ولادة أجيال متعاقبة من أبناء الاتحاد, اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 11:59 مساءً

فيما كان الآباء المؤسسون يضعون اللبنات الأولى لدولة الاتحاد، كانت السيدة الهولندية «مينا» تحمل حقيبتها الطبية، وتجوب القرى الوعرة في الفجيرة لمساعدة النساء الحوامل على وضع مواليدهن، في زمن كانت الخدمات الصحية فيه لاتزال بسيطة جداً.

وبين وثيقة الاتحاد التي أرست أسس الدولة، والجهود الإنسانية التي رافقت تلك المرحلة، كتبت القابلة الهولندية ويلهيلمينا فان دي فيغ، المعروفة لدى أهالي الفجيرة باسم «مينا» أو «أمينة»، فصلاً من ذاكرة التأسيس، بعدما كرّست عقوداً طويلة من عمرها لخدمة الأمهات، وأسهمت في ولادة أجيال شهدت قيام الاتحاد ونهضة الإمارات.

وتشير سيرة القابلة الهولندية إلى أنها وصلت إلى الإمارات عام 1964، وعملت بداية في رأس الخيمة، وانتقلت بعد نحو ثلاث سنوات إلى الفجيرة، التي كانت آنذاك تفتقر إلى الخدمات الصحية، خصوصاً في المناطق الجبلية، لتبدأ رحلة إنسانية كرّستها لرعاية النساء الحوامل، في وقت كانت الولادة تتم في ظروف بالغة الصعوبة.

وكانت سنواتها الأولى في الفجيرة مملوءة بالتحديات، إذ أقامت مع زميلة لها إنجليزية، تدعى «جون» في خيمة، في ظل إمكانات طبية محدودة جداً، ولم تكونا تمتلكان سوى أدوات بسيطة لإجراء الولادات الطبيعية وتقديم الإسعافات الأولية.

وإضافة إلى قلة الإمكانات، واجهتا أيضاً صعوبة في إقناع الأهالي بقبول تلقي النساء الرعاية الصحية.

وكان على «مينا» علاج عدد من المرضى، ومساعدة عدد كبير من النساء أثناء الولادة، لكسب ثقة المجتمع، وهو ما حققته فعلاً، لتصبح مع مرور الوقت مقصداً لنساء الفجيرة والقرى المجاورة.

وحظيت مينا بدعم القيادة في تلك المرحلة، إذ حصلت على مسكنين، خصص الأول لها والآخر ليكون أول عيادة لاستقبال الحوامل، كما كانت تتنقل بسيارة «رنج روفر»، التي كانت من بين عدد محدود جداً من المركبات الموجودة في الإمارة آنذاك، للوصول إلى القرى الجبلية البعيدة.

وفي ظل غياب المستشفيات المتخصصة، كانت الحالات التي تحتاج إلى تدخل جراحي تُنقل براً إلى دبي في رحلة تستغرق نحو خمس ساعات، أو بواسطة الطائرات العسكرية التي كانت تعمل من منطقتي البثنة وخورفكان، فيما كانت إحدى القابلتين تبقى إلى جانب الحامل، وتتوجه الأخرى لطلب المساعدة، في سباق مع الزمن لإنقاذ حياة الأم والجنين.

وإلى جانب دورها في التوليد، كرّست جانباً كبيراً من جهودها لنشر الثقافة الصحية بين النساء، إذ حرصت على توعيتهن بأهمية النظافة الشخصية، ورعاية المواليد، والالتزام ببرامج التطعيم، والتخلي عن بعض الممارسات الشعبية التي كانت تؤثر سلباً في صحة الأم والطفل.

ومع اتساع النهضة التي شهدتها الدولة، توسّعت خدمات العيادة الصغيرة، واستقطبت «مينا» عدداً من القابلات من دول مختلفة، قبل أن تتحوّل عام 2000 إلى مستشفى متكامل للولادة يضم غرف عمليات وغرف ولادة وعيادات متخصصة، مع المحافظة على تقديم خدمات بأسعار رمزية لتبقى في متناول مختلف فئات المجتمع.

ولم يقتصر عطاؤها على العمل الطبي، بل كانت شغوفة أيضاً بتوثيق الحياة في الفجيرة، فاحتفظت بأكثر من 1700 صورة أرّخت للحياة الاجتماعية والطبيعة والمناسبات الشعبية، ورحلة الإمارة من البدايات إلى النهضة، وأصدرت كتابها «Focus on Fujairah».

ومع مرور السنوات، أصبحت جزءاً من المجتمع المحلي، فأتقنت اللهجة الإماراتية، وتبنّت كثيراً من العادات والتقاليد، واتخذت «المخور» لباساً رسمياً لها، تعبيراً عن ارتباطها العميق بالفجيرة وأهلها.

وعلى الرغم من أنها لم تتزوج، فقد كانت تعتبر أبناء الفجيرة أسرتها الكبيرة، إذ تابعت ولادة أجيال متعاقبة من الأسرة الواحدة، حتى أسهمت في ولادة الجيل الرابع لبعض العائلات التي عرفتها منذ بدايات عملها في الإمارة.

ورحلت مينا عام 2026، بعد مسيرة إنسانية امتدت لأكثر من ستة عقود في الإمارات، تاركة إرثاً إنسانياً لايزال حاضراً في ذاكرة آلاف الأسر، لتبقى واحدة من الشخصيات التي ارتبط اسمها بمرحلة التأسيس، وأسهمت في بناء الخدمات الصحية جنباً إلى جنب مع مسيرة بناء الاتحاد.

• 1700 صورة التقطتها «مينا» أرّخت للحياة الاجتماعية والطبيعة والمناسبات الشعبية.

تابعوا آخر أخبارنا المحلية والرياضية وآخر المستجدات السياسية والإقتصادية عبر Google news

فيسبوك تويتر لينكدين Pin Interest Whats App

أخبار متعلقة :