نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لا يخرج منها كما دخل.. «الفنان والسياسة» حكاية مؤلمة لا تنتهي بالتصفيق!!, اليوم الاثنين 13 يوليو 2026 04:50 مساءً
منذ أن كان الإنسان الأول يرسم على جدران الكهوف، لم يكن يبتغي (وقتها) زينة أو قضاء وقت فراغ، بل كان يروي قصته، ويعلن مواقفه، ويحاول أن يقول: "مررت من هنا"، ومن هنا، ربما جاء الفن، ليس لمجرد الترف أو الجمال، ولكن ليصبح واحداً من أقوى أشكال التعبير عما يدور بداخلنا، وأكثرها قدرة على مخاطبة الوجدان، وتشكيل الوعي، وصناعة الذاكرة.
الفنان، لا يعيش بمفرده، ولا يغني لنفسه، ولا يقف على خشبة مسرح خالية من الجمهور، ولكنه "ابن عصره"، يحمل هموم وطنه، ويتنفس أزماته، ويخضع لمعادلات اقتصاد وسياسة بلده، ولهذا كانت العلاقة بين الفن والسياسة واحدة من أكثر العلاقات تعقيداً على مدار التاريخ، فهي علاقة يؤرجحها الإلهام والصدام، تظلّها الحرية والرقابة، يحوطها التصفيق والعقاب، وفي اللحظة التي يقرر فيها الفنان أن يبدي رأياً في الشأن العام، يتحول من "مبدع"، إلى "صاحب موقف"، وكأنه أسكت صوت الجمال، ليصبح طرفاً في معركة لا تعرف التراجع أو الحياد، وحتى لو اختار الصمت، سيفسره البعض كـ"موقف ضمني"، ليجد الفنان نفسه أمام معادلة صعبة: إما أن يتكلم فيخسر جزءاً من جمهوره، وإما أن يصمت فتلقى عليه اتهامات التواطؤ والخوف.
على مدار العصور، لم ينفصل الفن عن السياسة، فالامبراطوريات استخدمت الشعر والمسرح لترسيخ سلطتها، واستعانت الثورات بالأغاني الحماسية، وصنعت الأنظمة نجوماً كما صنعت "قوائم سوداء" لمعارضيها، ولم يتوقف الجدل حول العلاقة الشائكة بين الفن والسياسة، وحدود الدور السياسي الذي يمكن للفنان أن يلعبه وهو آمن، كيف والسياسة لعبة خطرة لا تضمن الأمان؟
أسئلة كثيرة قفزت إلى صدارة المشهد، مع تطورات قضية المطرب اللبناني فضل شاكر، الذي أعلن القضاء إطلاق سراحه مؤخراً، بعد سنوات من "التورط السياسي"، واتخاذه مواقف مثيرة للجدل، عقب اندلاع اضطرابات لبنان منذ قرابة "13" سنة، وظل من وقتها بطلاً للأزمات، لا يناقش الجمهور أعماله الفنية، بل يناقش مواقفه، والاتهامات الموجهة إليه، ليفجر في الأذهان سؤالاً حول قدرة الفنان على استعادة مكانته الفنية بعد سنوات من التورط في ملفات سياسية شائكة؟ وهل تحتفظ الذاكرة الجماعية بـ"الأعمال الفنية"، أم بـ"المواقف الصارخة"؟
قصة "فضل شاكر" ليست مجرد قصة مطرب لبناني، بل فصل من مجلد عنوانه "حين يدخل الفنان إلى السياسة، لا يخرج منها كما دخل"، هناك من يعود أكثر شهرة، وهناك من يخسر جمهوره، وهناك من يبقى عالقاً بين عالمين، لاهثاً بين صورتيه: القديمة والجديدة، ويزخر تاريخنا المعاصر بعشرات الفنانين الذين تقاطعوا مع السياسة، ساروا في دروبها، وارتدوا قميصها بحثاً عن تعميق الأثر المجتمعي، أو حتى لمجرد "تجريب مسار جديد"، وتفاوتت النتائج بين نجاحات كبرى، وإخفاقات مدوية.
منذ مطلع القرن الماضي، لم يكن الفنان المصري مجرد صوت جميل، أو ممثل بارع، بل كان في بعض الأحيان، إحدى أدوات التأثير في المزاج العام، حين تحولت بعض الأعمال الفنية في السينما والمسرح، إلى وسائل شعبية لترسيخ الولاء للسلطة، أو حتى لـ"زعزعتها" ومناهضة أفكارها.
مع اندلاع ثورة 1919، أصبح الفن واحداً من أدوات المقاومة الشعبية وتشكيل الوعي الوطني، بألحان وصوت سيد درويش، وربما كان ذلك وراء نهايته المفاجئة في ريعان الشباب. ثم واجه عميد المسرح العربي يوسف وهبي اتهامات خفية بأنه كان مقرباً للنظام الملكي، كما عانى نجيب الريحاني من التضييق الأمني بسبب سخريته من السلطة والفقر في أعماله المسرحية.
وأحدثت ثورة 1952، تحولات وطنية لفنانين عظماء، أدرك النظام وقتها حجم "قوتهم الناعمة"، ونجح في تطويعهم ركناً أساسياً للمشروع الوطني الكبير، وحفرت رموز مثل أم كلثوم وعبد الحليم مكاناً في الذاكرة السياسية، بجوار عروشهم في مملكة الفن.
في سبعينيات القرن الماضي، شاغبت تحية كاريوكا النظام السياسي لدرجة السجن، وتم إبعاد المطربة وردة الجزائرية بأوامر (غير معلنة)، وهي نفس الحقبة التي وصفت نادية لطفي بأنها "ناشطة مزعجة" بسبب مواقفها السياسية الثائرة، وصرحت المطربة الكبيرة فايزة أحمد أنها تشعر بـ"الخذلان" بسبب إقصائها من الحفلات الرسمية، وتظل السندريلا سعاد حسني، أسطورة الصدمة بين هروبها الغامض، ونهايتها المأسوية!
كم من وجوه مؤثرة درامياً، عرجت نحو معترك السياسة، من بوابات "المعارضة"، أشهرهم الفنان الكبير حمدي أحمد الذي التحق بعضوية عدد من الأحزاب، وجذبته قبة البرلمان وجلجل صوته خلال مناقشة قضايا الوطن الساخنة، وتسبب صوته المعارض في "تهميشه"، واستبعاده من أدوار فنية مهمة، مثلما أثرت التوجهات اليسارية للفنان عبد العزيز مخيون، في تحجيم أدواره في عهود سابقة، وكانت مشاركة صلاح السعدني في الصالونات السياسية والثقافية بتوجهاته الناصرية القومية العروبية، سبباً في تقلص رصيده الفني، رغم موهبته الفذة.
وظل الفنان محمد صبحي يقدم أعمالاً مسرحية تنتقد السياسات، ويقدم نفسه كفنان وطني مثقف، واصطدم أحياناً مع السلطة، ورفض تولي منصب وزارة الثقافة إبان حكم الإخوان، وسبقه المخرج الراحل جلال الشرقاوي بصراعاته مع نظام مبارك بسبب تبنيه "المسرح السياسي"، بينما ظل الزعيم عادل إمام ينتقد في أعماله، السياسات والأوضاع الاقتصادية، ولكنه كان يعرف متى يقترب أو يبتعد عن السياسة في الوقت المناسب.
ومن البوابات الرسمية، دخل الثلاثي ياسر جلال، والمؤلف أحمد مراد، والمخرج خالد جلال، كأعضاء بمجلس الشيوخ، يمارسون السياسة منذ أكتوبر الماضي، في أحدث إضافة بقائمة "نواب الفن" التي تضم نجوماً كبارًا، بحجم فايدة كامل، أمينة رزق، مديحة يسري، وآخرين.
اختلفت بعض تفاصيل المشهد في العالم العربي، وكانت لبنان مسرحاً للمشاحنات بين أهل الفن والسياسة، امتدت لمنعهم من دخول بعض الدول العربية، والتضييق عليهم في إقامة الحفلات، منهم مارسيل خليفة، وإليسا، وزياد الرحباني، بينما واجهت المطربة ماجدة الرومي قرارات "إقصاء ناعم" غير معلن وحجب أغانيها من تليفزيونات عربية رسمية بسبب انتقادها للفساد.
وفي سوريا دفع عشرات الفنانين ضريبة مواقفهم السياسية، ودعمهم أو رفضهم للثورة السورية التي قامت بتصفية حساباتها مع الفنانين، سواء بترحيلهم من البلاد، أو مكافأتهم نظير خدماتهم كـ"قوة ناعمة مؤثرة"، وظلت المطربة الفلسطينية "ريم بنا" مطاردة من سلطات الاحتلال الصهيوني، ومنعوها مراراً من السفر لإحياء حفلات في أوروبا، بسبب دعمها للمقاومة الفلسطينية، وحوصرت فنياً حتى وفاتها، ولكنها بقيت رمزاً للغناء المقاوم.
وفي هوليوود، لعب عدد من النجوم أدواراً في الحياة السياسية، منذ احتجاجات جين فوندا على حرب فيتنام، مروراً بجورج كلوني وميريل ستريب، وإعلان مواقفهم السياسية بشجاعة، وصولاً إلى تايلور سويفت التي استخدمت شهرتها لحث الجمهور على المشاركة في الانتخابات الرئاسية، وعشرات من نجوم هوليوود صالوا وجالوا في ميدان السياسة، وثار الجدل حول "طبيعة آرائهم" وليس "مدى أحقيتهم في التعبير عنه".
قضية "فضل شاكر"، لا تخصه وحده، بل تخص "ظاهرة" صاحبت الفن منذ بداياته، ويعاد طرح الأسئلة كلما قرر فنان أن يعبر من "لوكيشن التصوير" إلى ميدان السياسة، ويثور الجدل بين من يرى أن الفنان مواطن له الحق في اتخاذ موقفه السياسي، ومن يرى أن شهرة الفنان تمنحه مسؤولية مضاعفة، وثالث يؤكد أن الفنان يلعب أدواره أمام الكاميرات فقط، وينتهي فنياً إذا جرؤ على أن "يلعب سياسة"، وبين كل هؤلاء تظل الأسئلة مفتوحة: كيف يرى الجمهور فنانه المفضل لو اتخذ رأياً سياسياً يخالف قناعاته؟ هل يمكن الفصل بين الإنسان وإبداعه؟ هل يصمد العمل الفني حتى لو سقط صاحبه في امتحان السياسة؟ أم أن تأثير الفن يظل عابراً فوق السياسات؟ وهل يغفر الجمهور أخطاء سياسية للفنان كما يغفر أخطاءه الفنية؟ وربما لا يكون السؤال الحقيقي: "هل يجب أن يبتعد الفنان عن السياسة؟"، بل: "هل تسمح السياسة للفنان أن يبتعد عنها؟".
محمود بكري الغائب الحاضر بتوقيع كتاب «احتلال العقول» للكاتب طارق إسماعيل بنادي الصيد بالإسكندرية
«القصة قصيرة جدًا في مصر».. أحدث كتاب للشاعرة أميرة عبد الشافي
«بينهم آمال فريد ونادية فهمي».. فنانون سبقوا محيي إسماعيل للإقامة في دور رعاية الكبار


















0 تعليق