نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سقوط المصداقية.. كيف تحولت منصات الإخوان الإرهابية من الإعلام إلى صناعة الضجيج؟, اليوم الأحد 9 أغسطس 2026 01:11 مساءً
منذ أن خرجت المنصات الإعلامية لجماعة الإخوان الإرهابية، لم تتوقف في خطابها عن محاولات الإثارة والاستقطاب والهجوم المستمر، حتى أصبح المحتوى الإخباري في أحيان كثيرة مجرد مدخل لرسالة سياسية أكثر حدة.
وبدلًا من أن تكون الأولوية للخبر ومصادره ودقة معلوماته، تتصدر العناوين المثيرة والمقاطع المجتزأة والتعليقات الهجومية المشهد، فيما يتراجع التحقيق والتدقيق والمناقشة الموضوعية إلى الصفوف الخلفية.
من الخبر إلى الهجوم الشخصي
أحد أبرز مظاهر أزمة هذا الخطاب هو الخلط المتكرر بين العمل الإخباري والرأي السياسي، فالخبر يفترض أن يجيب عن أسئلة أساسية: ماذا حدث؟ ومتى؟ وأين؟ ومن المصدر؟ وما الأدلة؟، لكن عندما يصبح الهدف الأساسي هو توجيه غضب الجمهور، يتحول الخبر إلى مقدمة للهجوم، ويصبح الشخص أو المؤسسة المستهدفة محور القصة بدلًا من الواقعة نفسها.
وهنا تفقد المادة الإعلامية جزءًا أساسيًا من قيمتها؛ لأن الجمهور لا يحصل على معلومات تساعده على تكوين رأي مستقل، وإنما يواجه رواية جاهزة ومشحونة بمفردات الاستقطاب والتحريض.
السب والقذف ليسا صحافة
اللغة الحادة قد تحقق مشاهدات وتفاعلًا سريعًا، لكنها لا تصنع إعلامًا موثوقًا، فالانتقال من النقد السياسي إلى الإهانة الشخصية، أو من عرض الوقائع إلى إطلاق الاتهامات بلا أدلة كافية، لا يمكن اعتباره تطورًا في العمل الصحفي، بل تراجعًا عن أبسط قواعده.
والأخطر أن تكرار الاتهام عبر أكثر من برنامج ومنصة يمكن أن يمنحه، لدى بعض المتابعين، مظهر الحقيقة لمجرد كثرة تداوله، رغم أن كثرة التكرار لا تعوض غياب الدليل.
الإثارة بدلًا من المهنية
تعتمد المنصات الرقمية بدرجة كبيرة على جذب الانتباه، وهو ما جعل بعض الخطابات السياسية أكثر اعتمادًا على العناوين الصادمة والمقاطع القصيرة والمواجهات الحادة، لكن تحويل كل قضية إلى معركة، وكل اختلاف إلى فضيحة، وكل قرار إلى مؤامرة، يؤدي في النهاية إلى استنزاف المصداقية وكشف ألاعيب المنصات الإرهابية خاصة مع ارتفاع وعي الشعب المصري بما يحاك ضده من مؤامرات.
فالجمهور قد يتفاعل مع المحتوى الغاضب مرة أو مرتين، لكنه مع تكرار النمط يبدأ في إدراك أن الهدف ليس دائمًا تقديم المعلومة، وإنما الحفاظ على حالة مستمرة من التوتر السياسي والإعلامي.
أرشيف المنصات يفضح التناقضات
في عصر المنصات الرقمية، لم يعد من السهل اختفاء التصريحات القديمة، فما قيل في برنامج قبل سنوات يمكن استعادته خلال دقائق، ومقارنته بما تقوله المنصة نفسها اليوم.
وهذه الذاكرة الرقمية تمثل اختبارًا حقيقيًا للمصداقية؛ لأن المواقف المتناقضة تظهر أمام الجمهور دون الحاجة إلى تعليق أو تفسير.
وعندما تتغير الرواية مع تغير الظروف، أو تقدم المنصة موقفين مختلفين تجاه الواقعة نفسها، يصبح السؤال مشروعًا: هل كان الهدف نقل الحقيقة منذ البداية، أم خلق الأكاذيب وإثارة الفتنة؟
الحجة القوية لا تحتاج إلى الشتيمة، والوقائع لا تحتاج إلى المبالغة، لكن عندما تعجز المادة الإعلامية عن تقديم الأدلة، يصبح الهجوم الشخصي وسيلة سهلة لتعويض ضعف المحتوى، وكلما زادت حدة اللغة، بدا أن الغضب يحل محل البرهان.
وهنا تكمن إحدى أكبر مشكلات الخطاب التحريضي: فهو لا يحاول دائمًا إقناع المتلقي بالحجة، وإنما يدفعه إلى تبني موقف عاطفي من خلال التخويف والغضب والسخرية والتشويه.
معركة المشاهدات على حساب الحقيقة
أصبحت المشاهدة والتفاعل والانتشار مؤشرات أساسية في اقتصاد الإعلام الرقمي، وهو ما خلق حافزًا لدى كثير من المنصات لصناعة محتوى قادر على الانتشار السريع، لكن عندما تصبح المشاهدة هدفًا في حد ذاتها، يمكن أن تتراجع قيمة الدقة أمام الإثارة.
فالخبر الهادئ يحتاج إلى قراءة وتحليل، بينما العنوان المشتعل يكفي أحيانًا لجذب آلاف المشاهدات، ولذلك يصبح المحتوى الأكثر صخبًا هو الأكثر قدرة على الانتشار، حتى لو كان أقل قيمة من الناحية الصحفية.
سقوط القناع المهني
المشكلة الأساسية ليست في معارضة السلطة أو انتقاد الحكومة؛ فالنقد السياسي حق أصيل في أي مجتمع، وإنما في الطريقة التي يُمارس بها هذا النقد.
الإعلام المعارض الحقيقي يستطيع أن يكون قويًا دون أن يتحول إلى منصة للشتائم، وأن يكون حادًا دون أن يتخلى عن الأدلة، وأن يوجه انتقادات قاسية دون أن يحول خصومه إلى أهداف للتشهير.
أما عندما يتحول المحتوى إلى هجوم متواصل، وتصبح الاتهامات أهم من المعلومات، والانفعالات أهم من الأدلة، والشتائم أهم من الحجج، فإن المنصة تكون ابتعدت عن وظيفتها وكشفت أنها موجهة لتأجيج الشارع ونشر الأكاذيب وإثارة البلبلة.
أزمة المنصات الإخوانية الإرهابية، كما يمكن قراءتها من طبيعة خطابها، لا تتعلق فقط بما تقوله، وإنما بالطريقة التي تقوله بها، فالإعلام الذي يعتمد على الإثارة المستمرة والهجوم الشخصي والتكرار والاستقطاب قد ينجح في صناعة ضجيج، لكنه مع الوقت يُكشف مثل ما حدث السنوات الماضية.















0 تعليق