نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العدل والإحسان.. حمّالة الحطب التي تنبش في جراح الوطن لإشعال نيران الفتنة واليأس, اليوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026 09:25 مساءً
في كل مرة تهتز فيها البلاد على وقع أزمة أو حادث مؤلم، تخرج جماعة العدل والإحسان من صمتها، وكأنها لا تضبط ساعتها إلا على توقيت الأزمات، لتعيد تقديم خطابها السياسي القديم في ثوب جديد، مستثمرة الألم الجماعي لتوجيه رسائل تتجاوز بكثير حدود التعاطف مع الضحايا أو البحث عن حلول حقيقية لمشاكل الشباب. وما حدث في سبتة ليس استثناءً، فقد كان يمكن لهذه المأساة أن تكون مناسبة لنقاش وطني هادئ حول الأسباب التي دفعت آلاف الشباب إلى المخاطرة بحياتهم، وكيف يمكن إعادة الثقة إليهم وحمايتهم من أوهام الهجرة الخطرة، لكن محمد عبادي، الأمين العام للجماعة، اختار أن يقرأ المشهد من زاوية سياسية واحدة، محملاً الفقر والبطالة واليأس والفساد والاستبداد مسؤولية ما حدث، قبل أن ينتهي إلى الدعوة لما سماه "الميثاق الجامع".
ولا أحد يمكنه أن ينكر وجود اختلالات اجتماعية واقتصادية، ولا أن يزعم أن المغرب بلغ مرحلة الكمال، فهناك بطالة وتفاوتات ومشاكل في التعليم والتكوين وفرص الشغل، وهناك أوراش إصلاح كثيرة ما تزال مفتوحة. لكن السؤال الذي ينبغي طرحه هو: هل كل شاب حاول الوصول إلى سبتة فعل ذلك بسبب الفقر والاستبداد؟ وهل يمكن اختزال ظاهرة بهذا التعقيد في معادلة سياسية جاهزة؟ الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير، فهناك البطالة والتفاوت الاجتماعي، نعم، لكن هناك أيضاً تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، وصورة أوروبا التي تقدم لبعض الشباب باعتبارها جنة بلا مشاكل، وضغط الأصدقاء، وانتشار ثقافة الهجرة، وتضخيم قصص النجاح، فضلاً عن ضعف التكوين والمهارات لدى فئات من الشباب، وفقدان الثقة في الذات وفي القدرة على بناء المستقبل.
وهنا تحديداً ينبغي التوقف عند أولى الرسائل المضمرة في خطاب عبادي، وهي تحويل مأساة إنسانية إلى استفتاء سياسي على الدولة. فآلاف الشباب الذين خاطروا بحياتهم يتحولون فجأة إلى "دليل" على فشل الدولة، وكأن كل واحد منهم كان يحمل في يده ورقة اقتراع، وكأن مشهد الحدود تحول إلى صندوق انتخابي كبير. وهذا تبسيط خطير لواقع معقد، لأنه يلغي دوافع أخرى، ويعفي الفرد والمجتمع والأسرة والمدرسة والإعلام وبقية المؤسسات من مسؤولياتها، ثم يضع الدولة وحدها في قفص الاتهام. نعم، الدولة مسؤولة عن توفير الفرص وتحسين التعليم والتكوين وتوسيع سوق الشغل ومحاربة الفساد وتحقيق العدالة المجالية، وهذه مسؤوليات لا ينبغي التهرب منها، لكن الشاب أيضاً مسؤول عن بناء نفسه، بقدر ما تسمح له ظروفه، وعن تطوير مهاراته، وعن البحث عن البدائل الممكنة بدل تحويل الإحباط إلى قناعة بأن كل شيء انتهى.
وهنا نصل إلى واحدة من أهم مشاكلنا التي ينبغي أن نتحدث عنها بصدق، بعيداً عن المزايدات، وهي أن عدداً من شبابنا فقدوا الثقة في الجامعة والمعهد والتكوين، لكنهم في الوقت نفسه لم يكتسبوا دائماً الخبرة أو الحرفة أو المهارة التي تجعلهم قادرين على المنافسة في سوق الشغل. وبعد ذلك يتحول الإحباط إلى غضب، والغضب إلى فقدان للثقة، ثم يصبح من السهل تحميل الدولة وحدها مسؤولية كل شيء. وهذا ليس خطاباً ضد الشباب، بل هو خطاب لإنقاذهم من اليأس، فالشهادة الجامعية مهمة، لكنها لم تعد وحدها كافية، وسوق الشغل اليوم لا يسأل فقط ماذا درست، بل ماذا تستطيع أن تفعل، وما الذي تتقنه، وما القيمة التي تستطيع أن تضيفها. وإذا لم يجد الشاب وظيفة مباشرة بعد التخرج، فهذا لا يعني أن مستقبله انتهى، إذ يمكنه أن يتعلم حرفة، أو يطور مهارة رقمية، أو يتعلم لغة، أو يراكم تجربة، أو يبدأ مشروعاً صغيراً، أو يعيد توجيه مساره.
وليس هذا كلاماً مثالياً، فالمغرب يزخر بكفاءات بدأت بإمكانيات محدودة، ثم أصبحت اليوم مطلوبة من شركات ومؤسسات كبرى داخل المغرب وخارجه. أطباء ومهندسون وتقنيون ومبرمجون وحرفيون ومقاولون شباب أثبتوا أن الكفاءة المغربية قادرة على المنافسة حين تجد الفرصة، وحين تؤمن بقدرتها على التطور. ومن هنا فإن أخطر ما يمكن أن يفعله أي خطاب سياسي أو ديني في هذه اللحظة هو أن يقنع الشاب بأن وطنه هو المشكلة، وأن مستقبله لا يوجد إلا خلف البحر. فالمغرب ليس بلداً بلا مشاكل، لكنه أيضاً ليس بلداً بلا فرص، والدولة، رغم محدودية الإمكانيات وتراكم الإكراهات، استطاعت خلال السنوات الماضية أن تحقق تحولات كبيرة في مجالات متعددة، وأن تبني بنية تحتية وصناعات ومشاريع واستثمارات جعلت المغرب ينافس اليوم على مواقع متقدمة إقليمياً ودولياً. وهذه الإنجازات لا تعني أن كل شيء على ما يرام، لكنها تؤكد أن صورة المغرب الأسود التي يحاول البعض رسمها ليست الصورة الكاملة.
والدليل الأقوى هو الكفاءات المغربية نفسها، التي تتهافت عليها مؤسسات وشركات كبرى داخل البلاد وخارجها. فإذا كانت الكفاءة المغربية قادرة على إثبات نفسها في أكثر البيئات تنافسية، فهذا يعني أن الطريق إلى النجاح موجود، وإن كان يحتاج إلى تعليم أفضل، وتكوين أقوى، وصبر أكبر، ومثابرة مستمرة. ومن هنا ينبغي أن نسأل: من المستفيد من خطاب يجعل الشاب يفقد الثقة في جامعته، وفي معهده، وفي مؤسساته، وفي وطنه؟ ومن المستفيد حين يصبح الإحباط قناعة، والغضب هوية، واليأس أسلوب حياة؟ هذه هي الرسالة الثانية التي يمكن التقاطها من خطاب عبادي، أي زعزعة الثقة في المؤسسات، ثم ترك الفراغ مفتوحاً أمام خطاب الجماعة باعتباره البديل. ومن حق الجماعة أن تنتقد الدولة، ومن حقها أن تختلف مع سياساتها، لكن الفرق كبير بين النقد السياسي المسؤول وبين تحويل كل مأساة إلى دليل على انهيار شامل.
فالفساد يحارب بالأرقام والوثائق والقانون والمؤسسات الرقابية، والبطالة تواجه بالتكوين والاستثمار وخلق فرص الشغل، ومشاكل التعليم تعالج بالإصلاح، واليأس يواجه بالأمل والعمل والثقة، أما اختزال كل ذلك في مفردات من قبيل "الطغيان" و"الاستبداد" و"الفساد"، فهو لا يقدم للشاب حلاً واحداً لمشكلته، ولا يمنحه مهارة واحدة، ولا يوفر له فرصة عمل واحدة. بل إن الأخطر هو تحويل اليأس إلى وقود سياسي، فتجار الأزمات لا يصنعون دائماً الأزمة، لكنهم يعرفون كيف يستثمرون فيها، وتجار اليأس لا يدفعون الشباب بالضرورة مباشرة نحو البحر، لكنهم يستطيعون أن يقنعوهم بأن اليابسة لم تعد تستحق البقاء فيها، وأن كل الأبواب مغلقة، وأن الوطن لا مستقبل له. وهذه رسالة ينبغي رفضها بكل وضوح، لأن المطالبة بالحقوق حق، والنقد حق، والاحتجاج السلمي حق، والمحاسبة ضرورة، لكن لا شيء من ذلك يبرر تحويل الشباب إلى وقود لمعارك سياسية أو دفعهم إلى المخاطرة بأرواحهم.
والدين أيضاً، إذا أريد له أن يؤدي دوره الحقيقي في حماية الشباب، ينبغي أن يكون مصدر طمأنينة وأمل وأخلاق ومسؤولية، لا وسيلة لإعادة إنتاج الغضب السياسي في ثوب الموعظة. وكان يمكن لمن يريد فعلاً إنقاذ الشباب أن يجعل من هذه المأساة مناسبة لطرح أسئلة أكثر نفعاً: كيف نعيد للجامعة قيمتها؟ كيف نربط التكوين بسوق الشغل؟ كيف نعيد الاعتبار للحرف والمهن؟ كيف نواجه صورة "الجنة الأوروبية" التي تصنعها بعض شبكات التواصل؟ وكيف نزرع لدى الشاب الثقة بأن مستقبله يمكن أن يبنى هنا؟ هذه الأسئلة هي التي تستحق أن تتصدر النقاش، أما الحديث عن الثروات الوطنية وأموال الفوسفاط والمعادن والبحر، فهو حق مشروع إذا كان الهدف هو الشفافية والمحاسبة، لكن المحاسبة لا تكون بالخطب والأسئلة المرسلة، وإنما بالأرقام والمعطيات والوثائق والمؤسسات المختصة، ومن حق الجميع أن يسأل أين تصرف الأموال العمومية، لكن من واجب من يوجه الاتهامات أن يقدم ما يسندها.
فالدولة ليست فوق النقد، لكنها أيضاً ليست شماعة تعلق عليها كل إخفاقات المجتمع. الأسرة مسؤولة، والمدرسة مسؤولة، والجامعة مسؤولة، والإعلام مسؤول، والمؤسسات الدينية مسؤولة، والمجتمع المدني مسؤول، والشاب نفسه مسؤول عن تطوير قدراته بقدر ما تسمح له ظروفه. وإذا أردنا فعلاً حماية شبابنا من تكرار مأساة سبتة، فعلينا أن نبدأ من مكان مختلف: إعادة الثقة. نقول للشاب المغربي إن الفشل ليس قدراً، وإن البداية المتأخرة ليست نهاية، وإن العمل الشريف لا يحتقر، وإن الحرفة يمكن أن تكون طريقاً للكرامة، وإن التكنولوجيا فتحت أبواباً جديدة لم تكن موجودة قبل سنوات، وإن المغرب يحتاج إلى مهاراته، وإن العالم نفسه يحتاج إلى كفاءاته. ونقول له أيضاً إن النجاح لا يأتي دائماً سريعاً، وإن الطريق قد يكون طويلاً وشاقاً، لكن كل خطوة في اتجاه التعلم والعمل أفضل من خطوة نحو المجهول.
لا أحد يضمن النجاح، لكن لا أحد يملك أيضاً الحق في إقناع الشباب بأن النجاح مستحيل. المغرب يحتاج إلى النقد، لكنه يحتاج أكثر إلى من يساعد على البناء، ويحتاج إلى المحاسبة، لكنه يحتاج كذلك إلى من يقترح الحلول، ويحتاج إلى إصلاحات، لكنه يحتاج أيضاً إلى مواطنين يؤمنون بأن الإصلاح ممكن. ولهذا فإن الرسالة التي ينبغي أن تصل إلى شبابنا اليوم واضحة: لا تجعلوا من فشل مؤقت حكماً نهائياً على مستقبلكم، ولا تسمحوا لأحد أن يقنعكم بأن وطنكم بلا مستقبل. تعلموا، تكوّنوا، اشتغلوا، جربوا، اصبروا، وابدؤوا من حيث أنتم، فلكل مجتهد نصيب، وكل نجاح كبير بدأ في الغالب بخطوة صغيرة.
والمغرب، رغم كل ما يحتاجه من إصلاح، ليس بلداً بلا مستقبل، بل إن مستقبل المغرب سيكون، في جزء كبير منه، على قدر إيمان شبابه بأنهم قادرون على صناعته. أما من لا يظهر إلا حين تشتعل الأزمات، ولا يرى في جراح الوطن إلا فرصة لنفخ الجمر، فعليه أن يجيب المغاربة عن سؤال بسيط: هل تريدون فعلاً إنقاذ الشباب من اليأس، أم تريدون فقط أن تجعلوا من يأسهم وقوداً لمشروعكم؟ فالفارق كبير بين من يمد يده للشاب قبل أن يسقط، ومن ينتظر سقوطه حتى يبدأ في إلقاء الخطب، والأوطان لا تُبنى باليأس، ولا تُصلح بالفتنة، ولا تُحمى بتجار الأزمات، وإنما تُبنى بالثقة والعلم والعمل والإصلاح، وبشباب يؤمنون بأن لهم مكاناً فوق ترابها، ومستقبلاً يستحق أن يُبنى فيها.













0 تعليق