نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كفر النعمة.. سبب زوالها, اليوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026 06:33 صباحاً
إبراهيم نصر
إبراهيم نصر
تمثل النعم التي يتقلب فيها الإنسان في حياته اليومية ألطافا إلهية ورعاية ربانية شاملة، إلا أن النفس البشرية قد تعتاد هذه النعم حتى تغفل عن شكرها وقدرها ومصدرها، ولا يعد الشكر مجرد فضيلة أخلاقية فحسب، بل هو سبب الحفاظ على النعمة واستجلاب المزيد منها، في حين يعتبر كفر النعمة والجحود بها السبب الأول لمحقها وزوالها.
فقد جاءت النصوص الشرعية جلية في إقرار قاعدة إلهية ثابتة: الشكر قيد النعم الموجودة، وصيد النعم المفقودة، بينما الكفر بها والبطر يعقبه السلب والحرمان. قال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)، فتوضح الآية الكريمة الربط الشرطي بين الشكر والزيادة، وبين الكفر والوعيد بالعذاب الذي يتضمن زوال النعمة وحلول الضد.
كما ضرب الله الأمثال بالأمم السابقة في قوله: (وضرب الله مثلا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون)، لتجسد هذه الصورة القرآنية التحول المفاجئ الحاد من الأمن والرخاء إلى الخوف والجوع بمجرد وقوع كفر النعم.
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من استهانة العبد بالنعم أو جحودها، وبين أن النعمة إذا زالت عن قوم قلما تعود، وكان من دعائه صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك).
وتتجلى بلاغة القرآن الكريم وإعجازه في قوله تعالى: (وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها)، حيث جاءت كلمة "نعمة" مفردة، ومع ذلك أتبعها سبحانه بـقوله تعالى: "لا تحصوها" للجمع، مما يدل على أن النعمة الواحدة في ظاهرها تنطوي على آلاف النعم الفرعية التي يعجز العقل البشري عن حصرها.
ولتوضيح هذا المفهوم، يمكن تأمل نعمة واحدة مثل شرب الماء، فهذه النعمة التي يراها الإنسان بسيطة ومكررة يوميا تنطوي في أصلها على سلسلة لا حصر لها من النعم الباطنة، تبدأ من سهولة الحصول على الماء وسلامة البلعوم للمرور، مرورا بعمل الكليتين والدورة الدموية لتصفية الفضلات وتوزيع السوائل بتوازن دقيق داخل الخلايا، وصولا إلى عمل الجهاز العصبي الذي يتيح للإنسان الشعور بالتذوق والارتواء، فلو اختل عنصر واحد من هذه المنظومة البيولوجية المعقدة لتحولت قطرة الماء إلى معاناة صحية كبيرة، مما يؤكد أن شربة الماء الواحدة هي في الحقيقة مجمل نعم متداخلة يعجز العبد عن إحصائها، ومن النعم التى تنطوى عليها نعمة الماء أنها جند من جنود الله، فتكون سببا للنجاة، كما حدث مع سيدنا نوح، ومع سيدنا موسى، وتكون فى الوقت نفسه سببا فى إهلاك فرعون وإغراقه.
إن الحفاظ على النعم يستلزم صيانة مستمرة تقوم على الاعتراف الباطن بأن كل ما بالعبد من نعمة فمن الله وحده، والثناء باللسان والدعاء بدوامها، إلى جانب استخدام هذه النعم بالجوارح في طاعة الله وما ينفع المجتمع، فشكر المال يكون بالإنفاق والصدقة، وشكر العلم يكون بنشره، وشكر الصحة يكون بالعمل الصالح وإعانة الضعيف، وهكذا فى النعم كلها.
نسأل الله أن يديم علينا نعمه ظاهرة وباطنة، وإن يديم نعمة الأمن والأمان على مصرنا الحبيبة.
[email protected]


















0 تعليق