الزلازل.. بين قوانين الأرض ورسائل السماء

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الزلازل.. بين قوانين الأرض ورسائل السماء, اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 11:31 مساءً

في كل مرة تهتز فيها الأرض تحت أقدام البشر، يدرك الإنسان مهما بلغ من العلم والقوة أنه ليس سيد هذا الكون، وإنما يعيش في منظومة كونية دقيقة، يحكمها خالق عظيم، سن لها قوانين لا تتبدل، وجعل فيها من الآيات ما يوقظ الغافلين، ويذكر المؤمنين، ويختبر صبر الجميع.

فالزلازل، في ميزان العلم، ليست حدثاً عشوائياً، وإنما هي نتيجة طبيعية لحركة الصفائح التكتونية في باطن الأرض، حيث تتراكم الضغوط عبر سنوات طويلة، ثم تتحرر فجأة فتنتقل الطاقة على هيئة موجات زلزالية قد تغير ملامح المدن، وتعيد تشكيل تضاريس الأرض.

وهذا التفسير العلمي لا يتعارض مع الإيمان، بل يؤكده، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي أودع هذه السنن في الكون، وجعل لكل ظاهرة سبباً، ولكل سبب حكمة. فالعلم يفسر كيف يقع الزلزال، أما الدين فيدعونا إلى التأمل في لماذا ينبغي أن نتعظ عندما تقع مثل هذه الأحداث.

لقد علمنا القرآن الكريم أن هذا الكون ليس ساكناً ولا جامداً، وإنما يخضع لإرادة الله وسننه، قال تعالى: «إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَـَٔايَٰتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ» [سورة الروم: 21]، فالآية ليست مجرد معجزة خارقة، بل كل ما يدعو الإنسان إلى التفكير في قدرة الخالق وعظمة تدبيره.

ومن الخطأ أن يسارع أحد إلى الجزم بأن كل زلزال عقوبة إلهية على قوم بعينهم، فهذه أحكام لا يملكها البشر. فقد يكون الزلزال ابتلاءً يرفع الله به درجات الصابرين، وقد يكون تذكرةً للغافلين، وقد يكون اختباراً لإيمان الناس وتراحمهم وتكاتفهم، ولذلك فإن الواجب ليس إصدار الأحكام، وإنما مراجعة النفس، والإكثار من العمل الصالح، ومد يد العون للمصابين.

ولعل أعظم ما تكشفه الزلازل هو هشاشة الإنسان أمام قدرة الله.

ففي لحظات معدودة قد تنهار مبان استغرق بناؤها عشرات السنين، وقد تتوقف وسائل التكنولوجيا الحديثة، ويقف الإنسان عاجزاً أمام حركة من حركات الأرض التي يعيش عليها.

وهنا تتجلى رسالة عظيمة، فالحياة ليست رتيبة كما يتصور البعض، وليست مضمونة على وتيرة واحدة. فالإنسان قد يطمئن إلى قوته، أو ماله، أو منصبه، أو علمه، حتى يظن أنه يملك زمام الأمور، فإذا بحدث كوني واحد يعيد إليه حقيقة طالما نسيها: أن القوة المطلقة لله وحده، وأن الإنسان مهما امتلك يبقى ضعيفاً أمام قدرة خالقه.

إن هذه الأحداث الكبرى توقظ الضمائر، وتعيد ترتيب الأولويات. فبعد كل زلزال نرى صوراً للتكافل، والتضامن، والرحمة، والتعاون بين الناس، وكأن الشدائد تذكر البشرية بما غفلت عنه في أوقات الرخاء، أن الإنسانية أقوى من الأنانية، وأن الرحمة هي أعظم ما يملكه الإنسان.

ولذلك فإن الرسالة الحقيقية ليست الخوف من الزلازل، وإنما الخوف من أن تمر هذه الآيات دون أن تهز القلوب قبل أن تهز الأرض. فكم من أرض اهتزت ثم استقرت، بينما بقيت قلوب كثيرة غارقة في الغفلة، لا تتغير ولا تعتبر.

إن الإيمان الحق لا يعارض العلم، والعلم الصحيح لا ينفي الإيمان. فالأول يشرح لنا قوانين الكون، والثاني يكشف لنا حكمة خالق الكون. وبينهما يظل الإنسان مطالباً بأن يعمر الأرض، وأن يأخذ بأسباب الوقاية، وأن يطور وسائل الإنذار المبكر، وأن يبني مدناً أكثر أماناً، وفي الوقت نفسه يظل متعلقاً بالله، مستشعراً ضعفه، راجياً رحمته.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا بعد كل حدث عظيم: هل اهتزت الأرض فقط أم اهتز معها شيء في داخلنا؟ وهل تغيرت نظرتنا إلى الحياة، أم سنعود إلى الغفلة نفسها وكأن شيئاً لم يكن؟

فالزلازل قد تنتهي في دقائق، لكن العبرة التي تتركها في النفوس قد تبقى عمراً كاملاً لمن أراد أن يتفكر، ويتدبر، ويجعل من كل آية كونية طريقاً إلى مزيد من الإيمان والعمل الصالح.

اقرأ أيضاً
حين يصبح الشباب شركاء في الحياة السياسية تبدأ قوة الأوطان الحقيقية

اللغة العربية.. الأمن الثقافي في عصر الذكاء الاصطناعي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق