نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
رحلة التحالف بين إسرائيل والأرجنتين.. من مستعمرات اليهود إلى ملاعب المونديال, اليوم الأحد 26 يوليو 2026 12:29 صباحاً
لم يكن التقارب الذي تشهده العلاقات الأرجنتينية الإسرائيلية، خلال السنوات الأخيرة، وليد وصول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، إلى السلطة، ولا نتيجة للمواقف السياسية التي تبنتها حكومته تجاه الحرب في قطاع غزة أو القضايا الإقليمية التي تشعل منطقة الشرق الأوسط، بل هو امتداد لعلاقة تاريخية تعود جذورها إلى ما قبل إعلان قيام إسرائيل كدولة عام 1948، حين تحولت الأرجنتين إلى واحدة من أكبر وجهات الهجرة اليهودية في العالم، واحتضنت مجتمع يهودي أصبح مع مرور الوقت، الأكبر في أمريكا اللاتينية، ومن بين الأضخم خارج أوروبا والولايات المتحدة، فعلى مدار أكثر من قرن، انتقلت هذه العلاقة من مجرد استضافة آلاف المهاجرين اليهود الفارين من الاضطهاد في أوروبا، إلى شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، وصولا إلى مرحلة أصبحت فيها الرياضة، وعلى رأسها كرة القدم، إحدى أدوات القوة الناعمة التي تعكس طبيعة هذا التقارب.
وخلال السنوات الأخيرة، وتحديدا مع فوز المنتخب الأرجنتيني بكأس العالم 2022، واستمرار حضوره القوي في البطولات الدولية، اكتسبت هذه العلاقة بعداً جديداً، حيث لم يعد الاهتمام الإسرائيلي بالأرجنتين، يقتصر فقط على التعاون السياسي أو الاقتصادي، بل امتد إلى المجال الرياضي، في ظل الشعبية الاستثنائية التي يحظى بها المنتخب الأرجنتيني داخل إسرائيل، والمكانة العالمية التي يتمتع بها قائده ليونيل ميسي، الذي تحول إلى واحد من أكثر الشخصيات تأثير في العالم بين ليلة وضحاها، مما يطرح تساؤل هام، حول كيفية انتقال العلاقة بين الأرجنتين وإسرائيل، من مجرد مستعمرات يهودية في نهاية القرن الـ 19 إلى ملاعب كأس العالم في القرن الـ 21، وكيف أصبحت الرياضة جزء من منظومة تحالف يتجاوز السياسة التقليدية؟
تبدأ القصة قبل أكثر من 130 عاما، عندما شهدت أوروبا الشرقية موجات متكررة من الاضطهاد ضد اليهود، خاصة في روسيا وبولندا وأوكرانيا، وأمام تزايد أعمال العنف، بدأ آلاف اليهود في البحث عن أماكن جديدة، توفر لهم الأمن والاستقرار، وكانت الأرجنتين من أكثر الدول التي فتحت أبوابها أمام تلك الهجرات، وخلال تلك الفترة، لعب البارون موريس دي هيرش، دور محوريا في تأسيس جمعية الاستعمار اليهودي عام 1891، وهي بالطبع مؤسسة هدفت إلى تمويل هجرة اليهود إلى أمريكا الجنوبية، وإنشاء مستعمرات زراعية لهم داخل الأراضي الأرجنتينية، حيث اشتهر اليهود بإمتهان الزراعة واحتراف التجارة، وبفضل هذا المشروع، أنشئت عشرات المستعمرات في ولايات سانتا في، وإنتري ريوس، وبوينس إيرس، فتحولت مع مرور الوقت إلى مجتمعات مستقرة، تمارس الزراعة والتجارة والتعليم، إلا أن تلك المستعمرات لم تكن مجرد تجمعات سكانية، بل شكلت نواة لمجتمع يهودي متكامل، أسس المدارس والمعابد والجمعيات الثقافية والاقتصادية، ونجح في الاندماج داخل المجتمع الأرجنتيني، مع الاحتفاظ بخصوصيته الدينية والثقافية، لكن مع اندلاع الحربين العالميتين الأولى والثانية، تزايدت أعداد المهاجرين اليهود القادمين إلى الأرجنتين، حتى أصبحت تضم أكبر جالية يهودية في أمريكا اللاتينية، وهو ما منحها مكانة خاصة في الوعي الصهيوني، قبل إعلان قيام إسرائيل، كما أسهم ذلك في خلق روابط إنسانية وثقافية، استمرت بعد تأسيس كيان الدولة العبرية، لذلك، عندما أعلن عن إنشاء وقيام ما سمي بدولة إسرائيل عام 1948، لم تكن العلاقة مع الأرجنتين تبدأ من الصفر، بل كانت تستند إلى عقود طويلة من التفاعل الاجتماعي والإنساني، وهو ما يفسر سرعة تطور العلاقات بين البلدين في السنوات التالية.
اعترفت الأرجنتين بإسرائيل عام 1949، لتبدأ مرحلة جديدة من العلاقات الرسمية، وبعيدا عن الخطاب السياسي، أدركت إسرائيل، مبكرا، أن الأرجنتين تمثل شريك استراتيجيا في أمريكا اللاتينية، ليس بسبب وجود الجالية اليهودية فقط، إنما أيضا، لما تمتلكه من مقومات اقتصادية وجيوسياسية، خاصة بمنطقة أمريكا اللاتينية، فهي واحدة من أكبر الدول المنتجة للحبوب واللحوم في العالم، كما تمتلك احتياطيات ضخمة من الليثيوم، ذلك المعدن الذي أصبح عنصر أساسيا في صناعة البطاريات والسيارات الكهربائية، ومع تزايد الطلب العالمي على مصادر الطاقة النظيفة، تحولت الأرجنتين إلى هدف للاستثمارات الدولية، ومنها في مجالات التكنولوجيا والطاقة، وفي المقابل، أن إسرائيل، تمتلك خبرة واسعة بمجالات الزراعة الذكية، والري بالتنقيط وتحلية المياه، والأمن السيبراني والابتكار التكنولوجي، وهو ما أوجد أرضية مناسبة لتوسيع التعاون الاقتصادي بينهما، كما أن العلاقات بين كلا من إسرائيل والأرجنتن، تطورت في مجال الصناعات الدفاعية، حيث برز هذا وتم ترجمته عبر، تعاون في أنظمة المراقبة الإلكترونية والطائرات دون طيار، وتقنيات الأمن الحديثة، بما يعكس انتقال العلاقة من التعاون التقليدي إلى شراكة تقوم على المصالح المتبادلة.
وإذا كانت العقود الماضية، قد شهدت تعاون مستقرا بين بوينس إيرس وتل أبيب، فإن وصول الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي، إلى السلطة في ديسمبر 2023، مثل نقطة تحول غير مسبوقة في مسار العلاقات الثنائية، فمنذ حملته الانتخابية، لم يخفي ميلي، تأييده لإسرائيل، بل اعتبرها نموذج للدولة التي تدافع عن نفسها، كما أعلن احترامه الكبير للتراث اليهودي، وأكد أكثر من مرة، أن العلاقات مع تل أبيب، ستكون من أولويات سياسته الخارجية، وبعد أيام قليلة من توليه الرئاسة، اختار إسرائيل، لتكون من أوائل محطاته الخارجية.
وإذا كانت الحكومات تبني تحالفاتها عبر السياسة والاقتصاد، فإن الشعوب غالبا ما تتأثر انطباعاتها، من خلال الثقافة والفن والرياضة، لذلك اكتسب المنتخب الأرجنتيني مكانة استثنائية داخل إسرائيل، خاصة بعد التتويج بكأس العالم في قطر عام 2022، حيث تحولت مباريات "التانجو" إلى أحداث تحظى بمتابعة واسعة داخل المجتمع الإسرائيلي، إذ لا يرتبط هذا الاهتمام بفوز الأرجنتين فقط، بل يعود أيضا إلى الشعبية الكبيرة، التي يحظى بها ليونيل ميسي، الذي أصبح بالنسبة للكثيرين، هو أفضل لاعب في تاريخ كرة القدم، كما حرصت وسائل الإعلام الإسرائيلية، على تغطية مباريات المنتخب الأرجنتيني بصورة موسعة، كذلك تمتليء منصات التواصل الاجتماعي العبرية، بالتعليقات والتحليلات خلال البطولات الكبرى، وهو ما يعكس حجم الارتباط الجماهيري بهذا المنتخب، وهو نفس ما حدث خلال هذه النسخة من بطولة كأس العالم ،2026 التي أقيمت في الولايات المتحدة الأمريكية، وفي أكثر من مناسبة، ظهرت أعلام إسرائيل، داخل مدرجات بعض مباريات المنتخب الأرجنتيني، كما ارتدى مشجعون قمصان المنتخب إلى جانب الأعلام الإسرائيلية، وهو ما أثار جدلا واسعا، على مواقع التواصل الاجتماعي، ورغم أن مثل هذه المشاهد لا تمثل موقف رسميا للاتحاد الأرجنتيني أو للاعبين، فإنها تعكس حجم الشعبية التي يتمتع بها المنتخب داخل إسرائيل، وكيف أصبحت كرة القدم أحد المساحات التي تتقاطع فيها الرياضة مع السياسة والهوية والانتماء.
من الصعب الحديث عن القوة الناعمة للأرجنتين، دون التوقف أمام ليونيل ميسي، فاللاعب العالمي، الذي قاد منتخب بلاده إلى لقب كأس العالم، لم يعد مجرد لاعب كرة قدم، بل أصبح علامة تجارية عالمية، وصاحب واحدة من أكثر الصور تأثيرا في عالم الرياضة، ولهذا السبب تعاقدت معه عشرات الشركات العالمية، من بينها أديداس، وبيبسي، وماستركارد، وجيليت، وكونامي، وهارد روك، وأبل، عبر شراكتها مع الدوري الأمريكي، إضافة إلى شركات أخرى في مجالات التكنولوجيا والاتصالات والخدمات الرقمية، حيث تختار هذه الشركات ميسي، لما يتمتع به من قبول عالمي وصورة إيجابية، وقدرة على الوصول إلى مئات الملايين من الجماهير في مختلف القارات، وهو ما يجعله أحد أقوى سفراء العلامات التجارية بالعالم.
اسم ليونيل ميسي، كان حاضر أيضا، في عدد من المناسبات الرسمية التي جمعت الرياضة بالسياسة، ففي عام 2013، حين وجه ميسي رسالة دعم لبعثة الأرجنتين المشاركة في ألعاب المكابيه (الألعاب اليهودية) في إسرائيل، وهو ما سبقه مشاركته في حملة إحياء ذكرى ضحايا تفجير مركز "أميا" اليهودي في بوينس آيرس عام 1994، وفي الشهر نفسه، شارك ليونيل، مع نادي برشلونة 2013، بجولة حملت اسم "رحلة السلام"، شملت إسرائيل والأراضي الفلسطينية، في إطار مبادرة هدفت إلى توظيف كرة القدم كوسيلة لتعزيز الحوار بين الجانبين، وخلال الزيارة، زار ميسي، حائط المبكى، وهو أقدس المواقع الدينية لدى اليهود، كما التقى الرئيس الإسرائيلي آنذاك، شيمون بيريز، ورئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، إلى جانب عدد من كبار المسؤولين الإسرائيليين والفلسطينيين، بينهم الرئيس محمود عباس، إلى جانب مشاركة لاعبي برشلونة في فعاليات ومباريات استعراضية، جمعت أطفال فلسطينيين وإسرائيليين، في إطار الرسالة التي حملتها المبادرة، وحظيت الزيارة حينها، باهتمام إعلامي واسع داخل إسرائيل، حيث انتشرت صور ميسي، أثناء زيارته لـ "حائط المبكى" بشكل لافت، وتصدرت عناوين الصحف ووسائل الإعلام الإسرائيلية، التي اعتبرت وجود أحد أشهر نجوم كرة القدم في العالم، حدث يعكس الأهمية الرمزية للزيارة، فيما لاقت تلك الصور تفاعل كبير، بين الجماهير الإسرائيلية، في المقابل، فإن البابا فرنسيس، سعى خلال سبتمبر 2014، إلى استخدام شعبية ميسي، بمباراة للسلام في روما، لكن اللاعب غاب عنها بدعوى إصابته، كذلك رفض ليونيل، عام 2016 تبرعه بملابس رياضية لجمعية خيرية في مصر، وفي المقابل، تعاقد مع شركة "سيرين لابز" الإسرائيلية في 2017 ليكون واجهتها الإعلانية.
بينما في 2018، عاد اسم ميسي، إلى الواجهة من جديد، عندما ألغيت المباراة الودية التي كان من المقرر أن تجمع المنتخب الأرجنتيني بإسرائيل في القدس، بعد تصاعد الضغوط والاحتجاجات، وقرر الاتحاد الدولي (فيفا)، وقف رئيس الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم، جبريل الرجوب، لمدة عام، بعدما دعا إلى حرق صور وقمصان ميسي، في حال خوض المباراة، وفي نوفمبر 2019، تصدر ميسي، المشهد في إسرائيل، بعدما خاض منتخب الأرجنتين مباراة ودية أمام أوروجواي على ملعب بلومفيلد في تل أبيب، وسط حضور جماهيري كبير تجاوز 29 ألف متفرج، ونتيجة لكل هذه الحفاوة المتبادلة ودعم اللاعب الأشهر في العالم للكيان الصهيوني، فقد وقع ميسي خلال عام 2020، عقد كسفير لشركة "أوركام" الإسرائيلية المتخصصة في أجهزة مساعدة المكفوفين، كما أن منظمة الصهيونية العالمية، استخدمت اسم اللاعب في فيديو تعليمي بالعبرية في نفس العام، مستفيدة من تشابه لفظي بين كلمة "Mesibah" العبرية ومع كلمة "حفلة" باللغة الأرجنتينية، واستمرت رحلة الشركات الإسرائيلية العابرة للقارات والمتعددة الجنسيات في استقطاب ليونيل ميسي، ليكون سفيرا لها أو وجه إعلانيا لها حتى يومنا هذا.
لم تكن تلك الزيارة هي الأخيرة، لميسي إلى إسرائيل، إذ أنه في سبتمبر 2022، عاد مجددا، بقميص باريس سان جيرمان، عندما واجه فريقه نادي مكابي حيفا، في دور المجموعات من دوري أبطال أوروبا، وهي المباراة التي حظيت باهتمام جماهيري وإعلامي واسع، وعكست الشعبية الكبيرة التي يتمتع بها النجم الأرجنتيني داخل إسرائيل، حيث استقبلته الجماهير بحفاوة كبيرة، واستحوذت مشاركته على النصيب الأكبر من التغطية الإعلامية، ليثبت ميسي، أنه صنيعة إسرائيلية، لدعم وتنقية وجه وصورة الكيان الإسرائيلي في كل المحافل الدولية، ليس على المستوى الرياضي وحسب، بل الاجتماعي والإنساني والإعلامي والإعلاني، ويصبح هو الورقة الرابحة في يد الكيان الصهيوني.
وبعد أكثر من قرن على وصول أولى موجات المهاجرين اليهود إلى الأرجنتين، تبدو العلاقة بين بوينس آيرس وتل أبيب، أكثر تعقيد وتشابك، فقد بدأت بالهجرة، ثم تطورت إلى روابط اجتماعية وثقافية، قبل أن تتحول إلى تعاون سياسي وأمني واقتصادي، وصولا لمرحلة أصبحت فيها الرياضة والثقافة والإعلام أدوات تعكس قوة هذا التقارب، ولم يعد الحديث عن الأرجنتين داخل إسرائيل، يقتصر على الحكومة أو البرلمان، بل أصبح يمتد إلى الملاعب والشاشات، وحملات التسويق، ومنصات التواصل الاجتماعي، حيث يمثل المنتخب الأرجنتيني، بقيادة ميسي، أحد أبرز رموز القوة الناعمة في العالم، ورغم أن كرة القدم لا تصنع التحالفات السياسية، فإنها قادرة على تعزيز الصورة الذهنية للدول، وفتح قنوات للتأثير في الرأي العام، وهو ما أدركته كثير من الحكومات في العصر الحديث، فالتاريخ وضع الأساس، والسياسة عززت الشراكة، والاقتصاد منحها الاستمرار، بينما جاءت الرياضة لتمنحها بعدا شعبيا عالميا يصعب تجاهله.

















0 تعليق