حتى لا ننسى.. دماء على منصة العدالة: القصة الكاملة للمذبحة الإرهابية بحق قضاة العريش

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حتى لا ننسى.. دماء على منصة العدالة: القصة الكاملة للمذبحة الإرهابية بحق قضاة العريش, اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 07:08 مساءً

في لحظات الفاصل التاريخي والاختبار الحقيقي لصلابة الأمم، تقف السلطة القضائية، الحصن الأخير للعدالة والعمود الفقري لبقاء الدولة الحديثة، وحين أعلنت جماعات الظلام حربها المفتوحة على الهوية المصرية بعد 30 يونيو ومسار استعادة الدولة، لم تكن بنادقهم واستهدافاتهم الخسيسة موجهة ضد الأفراد بعينهم، بل كانت تستهدف إسقاط هيبة القانون ومنع رجال القضاء من تثبيت دعائم الاستقرار وبناء المؤسسات التشريعية، ومن بين أرصفة الصحراء ورمال سيناء الطاهرة، سُطرت واحدة من أقسى ملاحم التضحية وأدمى فصول الغدر الإرهابي؛ حين تحول فندق إقامة قضاة مصر في مدينة العريش إلى ساحة مواجهة بطولية، ارتوت أرضها بدماء خيرة أبناء الوطن من المستشارين الأجلاء ورجال الشرطة الأبطال، لتبقى هذه الذكرى محفورة في وجدان الضمير المصري شاهدة على أثمان باهظة دفعتها هذه الأجيال لكي تبقى مصر آمنة مستقرة.

 

وقعت الجريمة الإرهابية في صباح يوم الثلاثاء 24 نوفمبر 2015، وكانت المناسبة السياسية والدستورية الكبرى هي إجراء المرحلة الثانية من انتخابات مجلس النواب المصري، لتتوج الدولة بذلك محطتها الأخيرة في خارطة المستقبل واستكمال بنيتها التشريعية، وفي مشهد يعكس أسمى معاني الانتماء والوطنية، أصر قضاة مصر الأجلاء على تلبية نداء الواجب الوطني غير خاشعين للتهديدات الأمنية المتصاعدة، فتوجهوا إلى مدينة العريش بشمال سيناء للإشراف على اللجان الانتخابية وضمان نزاهة العملية التصويتية وسلامتها، لم يكن هؤلاء القضاة مجرد مشرفين إداريين، بل كانوا دروعاً بشرية وقانونية تؤكد أن مسار الدولة لن يتوقف أمام تهديدات التنظيمات الإرهابية المسلحة في سيناء، وعلى رأسها تنظيم "أنصار بيت المقدس" الإرهابي الذي كان يسعى بكل قوته لتعطيل الحياة الدستورية وبث الرعب في نفوس أبناء الشعب والمؤسسات.

 

وفي تمام الساعة السابعة والربع صباحًا، اتخذ الهجوم الإرهابي على "فندق سويس إن" مقر إقامة القضاة بالعريش طابعًا انتحاريًا وتكتيكيًا مركبًا يعكس مدى التخطيط الإجرامي المعقد؛ حيث حاول انتحاري يقود سيارة مفخخة اقتحام البوابة الخارجية للفندق لإحداث دمار شامل وهدم المبنى على من فيه. إلا أن اليقظة الاحترافية لقوة التأمين والخدمات الأمنية المشتركة من أبطال القوات المسلحة والشرطة نجحت في رصد السيارة ومنعها من اختراق العمق الاستراتيجي للفندق، ليتعامل الأبطال معها بالشجاعة اللازمة مما اضطر الانتحاري لتفجيرها عند البوابة الخارجية، وفي خضم هذه الفوضى الناجمة عن الانفجار المروع، تسلل انتحاري ثانٍ يرتدي حزامًا ناسفًا مستغلاً غبار الانفجار ليتسلل إلى داخل أروقة الفندق وتحديدًا صوب منطقة الغرف والمطعم حيث يتواجد النزلاء والقضاة، وهنا دارت معركة اشتباك بطولية ومباشرة بين القوة الأمنية المرابطة بالداخل وهذا الانتحاري، وصدرت أعيرة نارية كثيفة، وعندما ضيق الأبطال الخناق عليه وحاصروه تمامًا لمنعه من الوصول إلى غرف القضاة، قام بتفجير حزامه الناسف في الممر المؤدي لتلك الغرف، موقعاً خسائر بشرية أليمة ومؤكداً شراسة المعركة التي خاضتها عناصر التأمين لحماية أرواح المستشارين الأجلاء.

 

وفي أعقاب الحادث مباشرة، أصدرت وزارة الداخلية بيانًا رسميًا عاجلاً نعت فيه شهداء الوطن وكشفت التفاصيل الأولية للحادث الإجرامي، أكدت فيه أن القوات المسلحة والشرطة المكلفة بتأمين الفندق استطاعت بحسها الأمني اليقظ إحباط محاولة انتحارية ضخمة لاقتحام الفندق بسيارة مفخخة، وأن التصدي الشجاع منع كارثة محققة خارج الحرم الأمني الأساسي للمبنى، وأوضح البيان أن تسلل الانتحاري الثاني وتبادل إطلاق النيران معه قبل تفجير حزامه الناسف أسفر عن استشهاد قاضيين جليلين واثنين من رجال الشرطة ومواطن مدني، فضلاً عن إصابة آخرين بإصابات بالغة، مشددة على أن مثل هذه الأعمال الخسيسة والجبانة لن تثني رجالات الدولة ومؤسساتها عن أداء واجبهم المقدس في حماية أمن واستقرار البلاد.

وقد أسفر هذا الحادث الإرهابي الغاشم عن تقديم قائمة شرف مضيئة من الشهداء الأبرار الذين روت دماؤهم الزكية تراب سيناء؛ فمن قضاة مصر الأجلاء استشهد المستشار عمر محمد حماد وكيل مجلس الدولة، والمستشار عمرو مصطفى حسني قاضي محكمة استئناف القاهرة، متأثرين بإصاباتهم جراء إطلاق النار المباشر وشظايا الانفجار. 

 

ومن أبطال الشرطة والمواطنين انضم لقائمة العزيمة المجند عمر محمد أحمد، وأمين شرطة شعبان عبد المنعم العشماوي، والمجند محمد إسماعيل حسن، والمواطن المدني عمرو محمود البدوي المشرف الإداري بالفندق والذي ضرب مثلاً في الشهب والوطنية، كما أسفر الحادث عن إصابة عدد آخر من المستشارين الأجلاء بجروح خطيرة شملت كسورًا وشظايا متعددة، ومنهم المستشار أمير يعقوب قباني، والمستشار منصور حامد صبيح، والمستشار محمد أنيس مصطفى، والمستشار عبد العزيز أنور، والذين تم نقلهم فورًا بطائرات عسكرية لتلقي الرعاية الطبية الفائقة في مستشفيات القاهرة.

 

ولأن دماء الأبرياء لا تضيع هباءً، فقد تولت نيابة أمن الدولة العليا التحقيق الموسع في الحادث المأساوي ضمن القضية رقم 314 لسنة 2016 حصر أمن دولة عليا، والمعروفة إعلاميًا بقضية تنظيم "أنصار بيت المقدس" وخلايا سيناء، وقامت الأجهزة المعنية بربط الخيوط الفنية الدقيقة عبر تفريغ كاميرات المراقبة المحيطة بموقع الفندق، وفحص بقايا وأشلاء السيارة المفخخة، وإجراء التحاليل الجينية (DNA) للأشلاء الانتحارية لربط العناصر المنفذة بالشبكات والخلايا الإرهابية المقبوض عليها، وأحيل المتهمون إلى محاكم الجنايات التي أصدرت عبر الدائرة الأولى إرهاب، أحكامًا تاريخية صارمة ورادعة تراوحت بين الإعدام شنقاً للعناصر المخططة والمنفذة، والسجن المؤبد والمشدد لباقي عناصر شبكات الرصد والدعم اللوجستي الذين وفروا المأوى والسيارات والعبوات الناسفة. 

 

وتخليداً لذكراهم العطرة، أقدمت الدولة على إطلاق أسماء الشهداء من القضاة على العديد من الميادين الحيوية وقاعات المحاكم الكبرى تذكيراً للأجيال القادمة بتضحياتهم.

 

إن تتبع تفاصيل واقعة استهداف قضاة العريش يروي قصة صراع وجودي خاضته الدولة المصرية بكافة مؤسساتها الأمنية والقضائية دفاعاً عن بقائها وسلامة مواطنيها ضد أبشع تنظيمات التطرف والإرهاب، وصدور الأحكام القضائية الباتة وتأييدها من محكمة النقض أكد مجددًا أن العدالة الناجزة هي الموعد الدائم لكل من سبل العنف وسفك الدماء، لتظل دماء شهداء منصات القضاء والشرطة والقوات المسلحة عقداً أبدياً يربط حاضر مصر بمستقبلها، وفاءً لتراب هذا الوطن والتزاماً بأن تبقى راية الحق عالية خفاقة لا تهزها ريح الإرهاب الأعمى.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق