نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خاص | الاحتلال الإسرائيلي والدمار الممنهج… من يوثّق الجريمة ويقود معركة العدالة؟ (الجزء الأول), اليوم الخميس 23 يوليو 2026 10:29 صباحاً
لم يعد العدوان الإسرائيلي على لبنان يُقاس بعدد الغارات أو الضحايا فقط، بل بحجم الدمار الممنهج الذي استهدف الإنسان والحجر والذاكرة معًا. فإلى جانب تدمير المنازل والبنى التحتية، تعمّد الاحتلال محو معالم القرى والبلدات الجنوبية، وطمس شواهدها التاريخية والثقافية، في محاولة لاقتلاع الذاكرة الجماعية وقطع صلة الأهالي بأرضهم وهويتهم. لكن يبقى السؤال الأهم: هل نجحت الدولة اللبنانية في توثيق هذه الجرائم تمهيدًا لمحاسبة مرتكبيها، أم ضاعت الأدلة كما ضاعت معالم القرى؟
الدمار الممنهج سياسة تتجاوز أهداف الحرب المعلنة
لا تقتصر آثار الحروب على الخسائر البشرية والدمار المادي، بل تمتد لتطال البنية الاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمجتمعات، عندما يتحول استهداف الأعيان المدنية إلى نمط متكرر ومنهجي يقوض مقومات الحياة ويهدد استمرارية الوجود الإنساني في المناطق المتضررة. وفي هذا السياق، برزت التقارير الحقوقية الدولية التي وثّقت حجم الدمار الذي لحق بجنوب لبنان، مؤكدة أن ما جرى تجاوز الأضرار العرضية الملازمة للعمليات العسكرية ليأخذ طابعًا واسع النطاق أثار تساؤلات قانونية حول مدى التزام قواعد القانون الدولي الإنساني.
وثّقت منظمة العفو الدولية إلحاق جيش العدو الإسرائيلي دمارًا واسعًا وممنهجًا بالمنشآت المدنية والأراضي الزراعية في جنوب لبنان بين تشرين الأول/أكتوبر 2024 وكانون الثاني/يناير 2025، باستخدام المتفجرات والجرافات، بما في ذلك خلال فترة وقف إطلاق النار. واعتبرت المنظمة أن هذه الممارسات تمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، وأن التدمير المتعمد للممتلكات المدنية والثقافية قد يرقى إلى جريمة حرب، بعدما طال منازل ومساجد ومدارس ومكتبات وطرقات ومرافق عامة وأراضي زراعية، وهو ما أكدته الأدلة البصرية وصور الأقمار الصناعية.
ولم تتوقف هذه السياسة عند عدوان 2024، بل تصاعدت مع العدوان المستمر منذ 2 آذار/مارس 2026، حيث واصل العدو الإسرائيلي استهداف الأحياء السكنية والبنى التحتية والمنشآت الصحية والتعليمية. وفي هذا السياق، كشف تحقيق نشرته صحيفة The New York Times في 3 أيار/مايو 2026 أن جيش العدو الإسرائيلي اعتمد في جنوب لبنان نهجًا مشابهًا لما وصفه بـ”نموذج غزة”، موثقًا تدمير عشرات البلدات والقرى الحدودية باستخدام الجرافات والتفجيرات الموجهة، وهو ما أثار تساؤلات قانونية بشأن مدى توافق هذه العمليات مع مبادئ الضرورة العسكرية والتناسب، فيما أكدت إسرائيل أنها تستهدف البنية العسكرية لحزب الله وفق القانون الدولي.
وفي سياق ذلك أعلنت وزارة التربية والتعليم العالي اللبنانية أن العدو الإسرائيلي دمّر مؤسسات تعليمية رسمية في مدينتي الخيام وبنت جبيل، بعد نهب محتوياتها وتفخيخها ونسفها بالكامل، ما أدى إلى خروجها عن الخدمة. كما تعرضت مدارس المهدي في مدينة بنت جبيل لتدمير واسع، في ظل استمرار سياسة التدمير في البلدات الحدودية. وأكدت وزيرة التربية ريما كرامي أن استهداف المدارس يمثل انتهاكًا للقانون الدولي الإنساني، الذي يكفل حماية المؤسسات التعليمية والأعيان المدنية أثناء النزاعات المسلحة.
استهداف الذاكرة الوطنية… الحرب على التراث الثقافي
لا يقتصر الدمار الممنهج على استهداف المنازل والمدارس والبنى التحتية، بل يمتد ليطال المكتبات والأرشيفات والمتاحف والمواقع الأثرية، بما تمثله من ذاكرة جماعية وهوية وطنية. وفي هذا الإطار، أكد الباحث في التاريخ الأستاذ نجا حمادة، في حديث لموقع المنار الإلكتروني، أن الممتلكات الثقافية ليست مجرد مبانٍ أو مقتنيات تاريخية، وإنما تمثل مستودعًا لذاكرة المجتمع وروايته التاريخية، وأن تدميرها يؤدي إلى إضعاف استمرارية الذاكرة الثقافية وحرمان الأجيال اللاحقة من مصادرها التاريخية. وأضاف أن حماية التراث الثقافي لم تعد تقتصر على أعمال الترميم، بل أصبحت تشمل التوثيق المنهجي للانتهاكات، وجمع الأدلة، وتفعيل آليات المساءلة وفق قواعد القانون الدولي الإنساني والاتفاقيات الدولية الخاصة بحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة.
وانتقد حمادة، في السياق نفسه، الخطاب الذي ألقاه وزير الثقافة خلال افتتاح لقاء الشبكة الوطنية لحماية المكتبات والأرشيفات والإرث الثقافي، معتبرًا أنه أغفل تسمية الجهة المسؤولة عن استهداف المكتبات والأرشيفات والمواقع الأثرية في لبنان. ورأى أن أي خطاب معني بحماية التراث الثقافي يفقد جزءًا من قيمته التوثيقية إذا تجنب تحديد المسؤولية عن الانتهاكات عندما تكون الوقائع موثقة، لأن حماية الذاكرة الوطنية لا تقتصر على إعادة ترميم ما دُمّر، بل تبدأ بتوثيق الجريمة وتسمية مرتكبها تمهيدًا للمساءلة القانونية والتاريخية.
ما بعد تدمير الحجر… استهداف ذاكرة الدولة ووثائق المواطنين
ولم يقتصر التدمير على المنازل والمدارس والمرافق العامة، بل امتد إلى الإدارات الرسمية التي تحتضن سجلات الدولة ووثائق المواطنين، بما يهدد الحقوق القانونية والإدارية لآلاف اللبنانيين. ويبرز في هذا السياق ما تعرض له سراي بنت جبيل، الذي يضم أقلام النفوس والدوائر العقارية وعددًا من الإدارات الرسمية.
وفي حديث لـموقع المنارالإلكتروني، يؤكد رئيس اتحاد بلديات قضاء بنت جبيل الدكتور محمد شعيتو أن سراي بنت جبيل تعرض للإحراق بشكل كامل، مشيرًا إلى أن الوثائق الموجودة فيه، ولا سيما سجلات الأحوال الشخصية والدوائر العقارية، إما أُخرجت أو أُتلفت بالحريق، فيما لا تزال الصورة النهائية لحجم الخسائر غير واضحة إلى حين إجراء مسح ميداني شامل.
ويشير شعيتو إلى أن بعض السجلات الأساسية ما زالت محفوظة لدى وزارة الداخلية، إلا أن المعاملات والقيود المستحدثة التي لم تُحدّث أو تُحفظ بنسخ احتياطية قد تكون فُقدت، الأمر الذي قد ينعكس في نزاعات قانونية وإدارية تتعلق بالملكية العقارية وسجلات الأحوال الشخصية.
ويضيف أن اتحاد بلديات بنت جبيل تمكّن في اليوم الأول من الحرب من إخراج خادم البيانات (Server) الخاص بالاتحاد والوثائق المحفوظة في الخزنة، إلا أن بيانات الأشهر الأولى من عام 2026 لم يكن بالإمكان إنقاذها. كما يكشف أن الاتحاد حاول، أكثر من مرة، الحصول على موافقة لإخراج الوثائق الرسمية من سراي بنت جبيل خلال الأيام الأولى للحرب، إلا أن الطلبات قوبلت بالرفض، في حين تمكنت سرايات أخرى في تبنين والنبطية ومرجعيون من إخلاء جزء من وثائقها قبل تعرضها للأضرار.
ويلفت شعيتو إلى أن ما كشفته هذه الأحداث هو غياب منظومة وطنية للأرشفة الرقمية داخل الإدارات الرسمية، معتبرًا أن عدم اعتماد نسخ إلكترونية احتياطية للوثائق والسجلات الرسمية جعلها عرضة للضياع مع تدمير المباني، وهو ما يفرض على الدولة، بعد انتهاء العمليات العسكرية، وضع آلية لمعالجة فقدان الوثائق، ومراجعة الوزارات المعنية لضمان حماية حقوق المواطنين.
بعد وقف إطلاق النار… أين بدأت الدولة؟
مع استمرار عمليات التدمير واتساع نطاقها، تصاعدت المطالب بانتقال الدولة اللبنانية من الاكتفاء بالإدانة السياسية إلى اتخاذ خطوات عملية لحماية المواطنين، وتوثيق الانتهاكات، وملاحقة مرتكبيها أمام المحافل الدولية. وفي هذا السياق، انتقد اتحاد بلديات قضاء بنت جبيل أداء الدولة، معتبرًا أن النداءات لوقف الاعتداءات لم تُترجم إلى إجراءات فاعلة، رغم استمرار إحراق المنازل ونسف الأحياء السكنية. ودعا الاتحاد إلى تفعيل المسارات السياسية والقانونية والدبلوماسية، والتحرك لدى الأمم المتحدة والجهات الدولية لإلزام إسرائيل بوقف اعتداءاتها والانسحاب من الأراضي اللبنانية المحتلة، مؤكدًا أن حماية المواطنين وصون السيادة الوطنية مسؤولية الدولة.
في هذا السياق، يتحدث الدكتور حسين العزي، الباحث القانوني والأستاذ الجامعي لموقع المنار الإلكتروني ويقول إن تقييم أداء الدولة اللبنانية في توثيق الاعتداءات الإسرائيلية والتدمير الممنهج لقرى الجنوب ليس بالأمر الصعب، لأن الدولة بمختلف أجهزتها لم تقم بواجباتها الرعائية والحمائية، التي تكتسب على أساسها مشروعية وجودها. فتقصير هذه الدولة في الحماية والرعاية بمواجهة الاعتداءات بلغ حدًّا يرقى، من منظور قانوني، إلى التواطؤ، فهي دولة فشلت في الحماية، وعجزت عن الرعاية، على أقل تقدير.
لذلك فإن معظم أجهزة الدولة عاجزة، وقد عجزت بشكل متعمد، وقصّرت بشكل متعمد، باستثناء أداء وزارة الصحة، التي وقفت إلى جانب المتضررين من الاعتداءات في هذه الظروف الصعبة. وبالتالي، وبالإجمال، فإن أداء الدولة بمؤسساتها هو أداء ضعيف وفاشل ومقصّر، على أقل تقدير.
وعلى الرغم من اتساع نطاق التوثيق الحقوقي والإعلامي لهذا الدمار، فإن السؤال الجوهري يبقى: هل نجحت السلطة اللبنانية في تحويل هذه الوقائع إلى أدلة قانونية قادرة على ملاحقة مرتكبيها أمام المحاكم والهيئات الدولية، أم بقيت الجرائم موثقة من دون مساءلة؟ هذا السؤال يشكل مدخلًا للبحث في واقع التوثيق القانوني وآليات المحاسبة في الجزء الثاني من المقال.
المصدر: موقع المنار

















0 تعليق