نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خطابات عائلية عن الشأن العام "1", اليوم الأحد 19 يوليو 2026 09:35 صباحاً
خطابات عائلية عن الشأن العام "1"
تقع قريتي" التمساحية" غرب مركز "القوصية" الواقع في شمال محافظة أسيوط، ومع كل التطور الذي طرأ على المواصلات والاتصالات تبدو التمساحية بعيدة جدًا عن القلب المصري، أعني العظيمة القاهرة، أقول هذا في صيف العام 2026، فكيف كان البعد والابتعاد قبل ستين عامًا من عامنا هذا؟
كنت في قريتي لحضور حفل زفاف إحدى بنات أبي الحاج بهجات عبد الرحيم، مضى الحفل لطيفًا جميلًا، ولكن قلبي كان هناك، مع ذكرى الذين رحلوا مبكرًا، أين أمي (جدة العروس) وأين أشقائي (أعمامها)؟
لاحظت كبرى بنات العائلة شرودي فسكتت عنه احترامًا لحالة أنا مشهور بها، ثم أرادت بطيبة قلبها مكافأتي فدفعت لي بحزمة أوراق قائلة: "هذه مراسلات سرية بين أبويك هي لك، لعل قلبك يهدأ ويرضى".
دفعني الفضول لإلقاء نظرة على الخطابات، هالني ما وقعت عيناي عليه، أب صعيدي في العشرين من عمره يكتب لابنه المراهق عن سياسات عدم الانحياز، وعن منظمة الشباب وعن مركز إعداد القادة وعن حفلات أضواء المدينة وعن صوت جلال معوض!
هنا لا بد من كلمة عن الرجل وابنه، تفسر الحالة وتشرح المقال.
في مارس من العام 1967 رحل أبي الذي أنا من صلبه، الحاج عبد الرحيم عبد الجابر، كنت دون الثالثة من عمري، رحل تاركًا سبعة أبناء كنت أصغرهم، وتاركًا والدته ووالده وزوجه التي هي أمي، نهض بكل هذا الجمع فرد واحد، وهو شقيقي الأكبر الحاج بهجات عبد الرحيم، كان أيامها شابًا في مقتبل عشرينه، فكيف تحمل كل هذا العبء؟
من أبي؟ إنه الحاج بهجات، فالرجل الذي أنا من صلبه رحل قبل أن أعي من دنياي شيئًا.
في أول السبعينات ستقع الواقعة، شقيقي عزت على الجبهة يحارب العدو وأنا في التمساحية أحارب قصة نسبي!
الآن سأنقل ما كتبته قبل سنوات بعيدة عن تلك الواقعة: "كان الشقيقان الحاج مندي والحاج بهجات يعيدان ترتيب المكتبة، هما كانا يبحثان عن شيء محدد، فجأة صاح مندي: لقد وجدت اللوحة.
إنها صورة رجل أسمر لطيف السمرة يبدو وسيمًا وأنيقًا ومبتسمًا، يرتدى جلبابًا صوفيًا أسود ويعتم بعمامة بيضاء كبيرة. تبادلوا الإمساك باللوحة، لم أكن معنيًا بها لأنها ليست ملونة، ارتاحت اللوحة بين يدىّ أمي التي نظرت لها طويلا ثم قبلتها، تقبيل أمي لهذه اللوحة جعلني أسألها: "صورة مين دي؟".
ارتبكت قليلًا ثم تضاحكت وأعطت اللوحة لبهجات ثم قالت مبتسمة وهي تضم رأسي لصدرها: "دي صورة راجل كان ضيف عندنا وبعدين راح لأهله".
كنت مؤمنًا بأن شقيقي الحاج بهجات هو أبى الذي أنجبني ولذا رحت انتسب إليه، فإن سألني سائل: "ابن من أنت؟"، فإنني أجيبه بتلقائية: "ابن الحاج بهجات عبد الرحيم".
عيال الشارع تعاملوا معي بوصفي أبلهًا يظن أن شقيقه هو والده، بادلتهم السخرية من جهلهم لأنه يظنون أن أبى هو شقيقي.
عشت هكذا عمرًا طويلًا حتى جاءت ظهيرة يوم قائظ أرسلتني فيه أمي إلى البقالة لشراء عسل، كانت قد أعطتني النقود وكوبًا زجاجيًا كبيرًا (أذكر أن لونه كان أزرق). أثناء عودتي إلى البيت، انشقت الأرض عن ولد كبير، ربما كان بيني وبينه عشر سنوات، كان الولد كأنه الشيطان، أمسكني من كتفي وهزني هزًا شديدًا وسألني بصوت كله قسوة: "أنت يا واد.. واد مين أنت؟".
بخوف أجبته بما أعرفه عن نسبى: "واد الحاج بهجات عبد الرحيم".
رفعني عن الأرض كأنني ريشة وألصق ظهري بحائط وصرخ فى وجهي: "أنت بهيم، بهجات دا أخوك، أبوك مات، أبوك مات، عارف يعنى إيه مات؟ يعنى مات".
تركني أسقط على وجهي وغادرني وأنا أعوى: "أبويا مات، أبويا مات".
قذفت الكوب الزجاجي فتحطم واختلط العسل بتراب الشارع، وعدت إلى البيت وانا أصرخ من بين دموعي: "أبويا مات يعنى بهجات مات".
اجتمعت علىّ أمي وجدتي وأختي سامية وحاولن تهدئتي ولكن محاولتهن فشلت.
فجأة دخل أخي عزت عائدا من الجبهة وعلى كتفه مدفع رشاش.
لم يجد الاستقبال اللائق بعودته، لانشغال السيدات بي، بكلمة عرف الأمر من أمي، رفعني ووضعني فوق كتفيه، وهم بالخروج، تعلقت السيدات الثلاث بساقيه لكيلا يخرج، ولكنه كان من القوة بحيث طرحهن جميعا.
فى الشارع سألني بهدوء: "عارف الواد؟".
أجبته: "أعرف شكله". قال سنبحث عنه حتى نجده وساعتها ستحصل على حقك منه.
بعد بحث لم يستغرق كثيرا أشرت إلى الولد الذي كان يجلس مع أقاربه على مقهى صغير. أنزلني عزت من فوق كتفيه، وألقى سلاما فاترا على الجالسين، ردوا مندهشين من فتور سلامه، تناول مدفعه الرشاش وباعد بين ساقيه ثم قال: "أبنكم عاير أخويا بموت أبوه، ودا ما يصحش، وزى ما ابنكم خلى أخويا يبكي، أخويا هيبكيه قدامكم، والله العظيم اللى هيتحرك منكم لأكون مفرغ فيه الستة وتلاتين طلقه".
أكبر أعمام الولد كان حكيماً، أدرك أن عزت مصاب بجنون الغضب وسينفذ ما هدد به، قام الرجل ومسح على شعري وقبل جبيني وأعطاني سوطًا مصنوعًا من ليف النخل يستخدم في زجر البقر والجاموس، ثم قال: "الحق حبيب الرحمن، وزى ما بكاك بكيه، السوط فى يدك أهو وشرّح بيه ضهره".
على كثرة ما تشاجرت لم أضرب أحدًا مثلما ضربت هذا الولد، لقد كان يصرخ من ضربات السوط التي انهلتُ بها على جسده، مع بكائه كففت عن ضربه، رفعني عزت ووضعني على كتفيه وعاد بى إلى البيت.
استدعاني شقيقي الحاج بهجات إلى غرفته، كان يجلس إلى مكتبه، على عينيه نظارة طبية أنيقة وبين يديه كتابًا ليس ملونًا، سألته عن الكتاب فابتسم قائلا: "دي رواية قصة مدينتين لراجل خواجة اسمه تشارلز ديكنز".
قام وجلب لى مقعدًا وأجلسني أمامه ثم أغلق الكتاب بعد أن وضع ريشة بين صفحاته، مسح نظارته ثم تبسم فى وجهي وقال: "أمك قالت لى على اللى حصل مع الواد البغل، شوف يا عمى الأستاذ، الواد بغل ولكن ما غلطش، أبوك هو أبويا، إحنا الاتنين أخوات، أبوك مات فعلا، بص كلنا هنموت، فاهمنى إزاى، أخوك عزت مجنون، أصله النهار كله يحارب، كان ممكن يقتل علشان خاطرك، يرضيك أخوك يتسجن؟.. عايزك تبقى كويس وماتضايقش من أي حد يقولك أبوك مات، بص لو عايزنى أكون أبوك فأنا من اللحظة دي هكون أبوك ولأخر يوم فى عمري، لما تكبر وتتجوز تقول لعيالك الراجل أبو نضارة دا هو أبويا، بكرة هاخدك أسيوط معايا وهشتريلك كرة وصور لعبد الناصر واللى تشاور عليه هشتريهولك".
من يومها أصبح الحاج بهجات أبا لى، وجداً لأولادي لم أشعر بعدها باليتم إلا فى صباح السابع من أكتوبر من العام 2015، رحل أبي الحاج بهجات فعرفت كيف هو اليتم، وعرفت أي أنس كنت أتمتع به وأي وحشة ستخيم على أيامي ما بقيت على ظهر الحياة.
نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله.











0 تعليق