اليمن على صفيح ساخن: هل حان وقت تحرير صنعاء من الحوثيين؟..السيناريوهات الثلاثة في الحرب

0 تعليق ارسل طباعة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اليمن على صفيح ساخن: هل حان وقت تحرير صنعاء من الحوثيين؟..السيناريوهات الثلاثة في الحرب, اليوم الأحد 19 يوليو 2026 12:45 صباحاً

لم يعد الصراع في اليمن مجرد حرب داخلية أو تنافس على السلطة بين أطراف سياسية متنازعة، بل تحوّل تدريجياً إلى إحدى أبرز ساحات التنافس الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط برمتها، حيث تتقاطع المصالح الإقليمية والدولية بشكل مباشر مع أمن الطاقة العالمي وحرية الملاحة الدولية في ممرات استراتيجية حيوية تمتد من مضيق هرمز مروراً بالبحر الأحمر وخليج عدن وصولاً إلى مضيق باب المندب، الذي يُعدّ شرياناً اقتصادياً عالمياً لا يمكن الاستغناء عنه.

ومع تصاعد التوترات العسكرية والضربات المتبادلة بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، وما رافق ذلك من انعكاسات مباشرة على أمن المنطقة والدول العربية المجاورة، إلى جانب تزايد التهديدات التي تستهدف الملاحة الدولية في البحر الأحمر والمحيط الهندي، اكتسب الملف اليمني أهمية استراتيجية متزايدة تجاوزت حدوده الإقليمية التقليدية. ولم يعد مستقبل اليمن مرتبطاً بموازين القوى الداخلية فحسب، بل أصبح وثيق الصلة بمسارات التوازنات الإقليمية والدولية الأوسع نطاقاً، التي تتشكل في ظل صراع كبير على النفوذ والهيمنة في المنطقة.

وتشير التطورات الميدانية والسياسية الأخيرة إلى وجود متغيرات جديدة تعيد تشكيل ديناميكيات الصراع بشكل جذري. فالتصعيد العسكري المرتبط بمحاولة نزول طائرة إيرانية بمطار صنعاء، والذي يُعتبر انتهاكاً صارخاً للسيادة اليمنية، والردود المتبادلة بين الأطراف المختلفة على الساحة، والضربات العسكرية الأمريكية داخل الأراضي الإيرانية، وما تبعها من ردود إيرانية استهدفت دولاً في الخليج العربي والأردن وسوريا (قاعدة التنف – بحسب الإعلان الإيراني عن قصف منطقة التنف في سوريا)، كلها مؤشرات تدل بما لا يدع مجالاً للشك على دخول الملف اليمني مرحلة جديدة وحساسة للغاية.

ولم تعد هذه الأحداث مجرد وقائع ميدانية معزولة، بل أصبحت جزءاً لا يتجزأ من صراع إقليمي أشمل يتعلق بالنفوذ الإقليمي وأمن الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها نحو 12% من التجارة العالمية.

وفي هذا السياق، لم يعد مضيق باب المندب مجرد ممر جغرافي عادي، بل أصبح أحد أهم مفاتيح الأمن الاقتصادي العالمي، وهو ما يفسر تنامي الاهتمام الدولي غير المسبوق بالساحة اليمنية وتطوراتها الميدانية والسياسية، حيث يمر عبر هذا المضيق يومياً ملايين البراميل من النفط والبضائع المتجهة إلى الأسواق العالمية.

ميزان القوة: النوعية أهم من العدد

لا يمكن اختزال ميزان القوى في اليمن في مجرد تعداد المقاتلين أو حصر الأسلحة، إذ إن الأرقام المعلنة غالباً ما تكون مبالغاً فيها أو غير دقيقة بالمرة. فالعوامل الحاسمة في تقييم المشهد العسكري تشمل قدرة القيادة والسيطرة على الأرض، ومستوى الانضباط والجاهزية القتالية، وكفاءة إدارة العمليات المشتركة بين التشكيلات المختلفة، إضافة إلى القدرات اللوجستية المتطورة والقدرة على الاستدامة في الميدان لفترات طويلة.

تمتلك القوات الحكومية اليمنية قاعدة بشرية واسعة وتشكيلات عسكرية متنوعة تضم وحدات نظامية وقوات خاصة وعناصر قبلية متحالفة، في حين يعتمد الحوثيون على قيادة مركزية أكثر تماسكاً وتنظيماً، وخبرة متراكمة في الحرب غير النظامية امتدت لسنوات طويلة، فضلاً عن امتلاكهم قدرات صاروخية متطورة وطائرات مسيرة هجومية وأساليب تهديد بحري متنوعة تمنحهم قدرة تهديد حقيقية تتجاوز حجمهم العددي أو قوتهم الفعلية على الأرض. وهذا التباين الكبير بين الطرفين يجعل تقييم ميزان القوى أكثر تعقيداً بكثير مما قد يبدو على السطح.

الحرب الأمريكية – الإيرانية: المتغير الأكثر تأثيراً في المشهد اليمني

يمثل التصعيد المتسارع بين واشنطن وطهران أحد أبرز العوامل المؤثرة في مستقبل الصراع اليمني، فمن جهة، قد يؤدي الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد على إيران إلى تقليص مستوى دعمها المادي والعسكري للحوثيين، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على قدراتهم العسكرية ويضعف موقفهم الميداني. ومن جهة أخرى، قد يدفع التصعيد الإقليمي الجماعة الحوثية إلى زيادة عملياتها العسكرية بشكل تصاعدي كجزء من استراتيجية الرد غير المباشر التي تتبعها إيران عبر وكلائها في المنطقة، وهو ما يجعل تأثير هذا التصعيد مزدوجاً وغير خطي، ويصعب التنبؤ بنتائجه بصورة قاطعة في المدى القريب.

الحسابات السعودية والدولية: توازنات دقيقة

تبقى المملكة العربية السعودية اللاعب الإقليمي الأكثر تأثيراً في الملف اليمني، غير أن قراراتها السياسية والعسكرية تخضع لحسابات معقدة ومتشابكة تشمل أمن حدودها الجنوبية الشاسعة، وحماية منشآتها الحيوية ومنشآت النفط، وأمن الملاحة في البحر الأحمر الذي يشكل شرياناً حيوياً لاقتصادها، وتجنب الانزلاق مجدداً إلى حرب استنزاف طويلة الأمد تستنزف مواردها وتؤثر على استقرارها الداخلي.

أما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفاؤها الغربيون، فيتركز اهتمامهم بصورة أساسية على حماية حرية الملاحة الدولية في البحر الأحمر ومضيق باب المندب وتقليص التهديدات البحرية التي تشنها المليشيات الحوثية على السفن التجارية والعسكرية على حد سواء. وحتى الآن، لا توجد مؤشرات قوية على وجود توافق دولي واسع النطاق لدعم عملية برية شاملة تهدف إلى تغيير المشهد العسكري في اليمن بصورة جذرية، مما يعني استمرار الوضع الراهن في المدى المنظور.

معضلة صنعاء والمرحلة الانتقالية: التحدي الأكبر

يبقى مستقبل صنعاء، العاصمة اليمنية التي يسيطر عليها الحوثيون منذ سبتمبر 2014، أكثر تعقيداً من مجرد تحقيق تقدم عسكري في الميدان. فأي تغيير في ميزان القوى يتطلب رؤية سياسية وأمنية وإدارية متكاملة لمرحلة ما بعد الصراع، تضمن استعادة مؤسسات الدولة بشكل تدريجي ومنظم، ومنع حدوث فراغ أمني يمكن أن تستغله جماعات متطرفة أو مليشيات مسلحة، وتجنب انهيار الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي في ظل أوضاع إنسانية متردية بالفعل.

وقد يكون هذا التحدي أكثر صعوبة من العمليات العسكرية نفسها، لأن نجاح أي تحول ميداني سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة اليمنية والمجتمع الدولي على إدارة المرحلة الانتقالية بصورة فعالة ومستدامة، وإعادة بناء مؤسسات الدولة من الصفر في ظل واقع ممزق.

السيناريوهات المستقبلية المحتملة: ثلاثة مسارات

تشير التحليلات الجيوسياسية المتخصصة إلى ثلاثة سيناريوهات رئيسية محتملة لمسار الصراع في اليمن:

السيناريو الأول (الأكثر احتمالاً حالياً):

استمرار الضغوط العسكرية والسياسية المحدودة والموجهة بدقة لتقليص القدرات العسكرية التي تهدد الملاحة الدولية، مع الإبقاء على مسارات التفاوض السياسي مفتوحة والسعي إلى احتواء التصعيد ومنع توسيع دائرة الحرب.

السيناريو الثاني:

تصاعد المواجهة الإقليمية، ولا سيما بين الولايات المتحدة وإيران، بما ينعكس مباشرة على اليمن من خلال زيادة الضغوط العسكرية أو حدوث تغيرات جوهرية في موازين القوى الميدانية، من دون الانتقال بالضرورة إلى حملة برية شاملة أو الوصول إلى حسم عسكري كامل ومستقر.

السيناريو الثالث:

حدوث تحول سياسي أو ميداني نوعي يعيد رسم المشهد اليمني بشكل جذري، إلا أن توقيته وشكله سيظلان مرهونين بتفاعل المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية المعقدة، وبمدى قدرة الأطراف اليمنية على إدارة المرحلة الانتقالية بكفاءة وفاعلية.

ومما سبق يتضح أن اليمن اليوم يقف أمام مرحلة مفصلية قد تعيد تشكيل مسار الصراع خلال السنوات المقبلة بشكل لا يمكن التنبؤ به. ومع ذلك، فإن مستقبل البلاد لن تحدده القوة العسكرية وحدها، بل ستحدده أيضاً طبيعة التوازنات الإقليمية المتغيرة، ومواقف القوى الدولية الكبرى، وقدرة النخب والأحزاب اليمنية على بناء مشروع دولة وطنية قادر على استيعاب أي تحول في موازين القوى.

كما أن تحقيق الاستقرار الحقيقي يظل مرتبطاً ببناء دولة تقوم على العدالة والإنصاف والمواطنة المتساوية، وتوزيع الثروة والسلطة بين أبناء اليمن بصورة عادلة ومتوازنة، بعيداً عن النزعات المناطقية الضيقة أو المشاريع السلالية، وفي إطار نظام اتحادي متوازن يضمن الشراكة الوطنية الحقيقية والاستقرار المستدام.

لذلك، لم يعد السؤال الأهم في المشهد اليمني هو: «هل تقترب معركة صنعاء؟» بل أصبح: «هل حان وقت تحرير اليمن من مليشيات الحوثي، وهل يستطيع أي تحول ميداني أن يقود إلى استقرار سياسي مستدام وبناء دولة قادرة على استعادة سيادتها ومؤسساتها؟ أم أن اليمن سيبقى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية إلى أجل غير مسمى؟»

إن الإجابة عن هذا السؤال المحوري هي التي ستحدد مصير اليمن خلال السنوات المقبلة أكثر من أي معركة منفردة؛ فاستدامة السلام لا تتحقق بالحسم العسكري وحده، بل ببناء مؤسسات دولة قوية قادرة على فرض الاستقرار، واستعادة الشرعية الدستورية، وتحقيق التنمية المستدامة، وإعادة دمج اليمن في محيطه العربي والإقليمي بشكل طبيعي وفعال.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق