نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تجار الدم.. كيف حولت جماعة الإخوان الإرهابية أزمات المنطقة العربية إلى تجارة سياسية؟, اليوم الثلاثاء 14 يوليو 2026 12:29 مساءً
لا تحتاج بعض التنظيمات المؤدلجة إلى صناعة الأزمات، بقدر ما تحتاج إلى استمرارها، فكلما اشتعلت الحروب، وارتفعت أعداد الضحايا، واتسعت المآسي الإنسانية، وجدت تلك التنظيمات فرصة لإعادة إنتاج خطابها واستعادة حضورها السياسي والإعلامي.
وفي مقدمة هذه التنظيمات، تبرز جماعة الإخوان التي ارتبط اسمها، على مدار عقود، باستثمار الأزمات الإقليمية وتوظيف الدماء لتحقيق مكاسب سياسية، حتى باتت تُوصف بأنها من أبرز "تجار الدم" في المنطقة.
ولم يكن هذا النهج وليد حرب غزة أو التوترات الأخيرة في الشرق الأوسط، بل يمثل جزءًا من استراتيجية أوسع تقوم على تحويل كل أزمة إلى منصة للتحريض، وكل مأساة إلى أداة للتعبئة، وكل دماء إلى وقود لمعركة سياسية لا تنتهي.
فمنذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أكتوبر 2023، سارعت الجماعة إلى إطلاق حملات إعلامية وإلكترونية واسعة، لم تركز فقط على إدانة الحرب أو دعم المدنيين، بل اتجهت بصورة مكثفة إلى مهاجمة الدول العربية، وفي مقدمتها مصر، عبر اتهامات متكررة بشأن معبر رفح والمساعدات الإنسانية، متجاهلة التعقيدات الأمنية والعسكرية المحيطة بالمعبر، والقصف الإسرائيلي الذي استهدف محيطه، ومتجاهلة أيضًا الجهود الدبلوماسية والإنسانية المبذولة لاحتواء الأزمة.
واعتمد هذا الخطاب على تبسيط المشهد شديد التعقيد إلى روايات عاطفية سهلة التداول، تقوم على تقسيم العالم إلى "خونة" و"مقاومين"، دون مساحة للنقاش الموضوعي أو فهم طبيعة الأزمات، وهكذا تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات تعبئة مفتوحة، تتكرر فيها الشعارات نفسها، والوسوم ذاتها، والمقاطع المجتزأة التي تستهدف إثارة الغضب أكثر من تقديم المعلومات.
ولم تتوقف المتاجرة عند القضية الفلسطينية، بل امتدت إلى استهداف العلاقات العربية نفسها. فقد عملت الجماعة على تصوير أي تنسيق عربي أو تحرك دبلوماسي مشترك باعتباره "تواطؤًا"، بينما صُورت جهود التهدئة ومنع اتساع الحرب على أنها "تخلٍّ عن القضية".
وبهذا لم تعد المواجهة موجهة نحو الاحتلال الإسرائيلي فقط، بل جرى توجيه جزء كبير من الغضب الشعبي نحو العواصم العربية، في محاولة لإحداث شرخ نفسي وسياسي بين الشعوب ودولها.
ومع انتقال التوتر إلى البحر الأحمر، اتسعت مساحة الاستثمار السياسي في الأزمات. فالهجمات على السفن التجارية، وما ترتب عليها من تهديد للملاحة الدولية، لم تُقدَّم لدى المنصات المحسوبة على الجماعة باعتبارها خطرًا اقتصاديًا وأمنيًا على المنطقة، وإنما باعتبار أي تحرك لحماية الملاحة "خدمة لإسرائيل"، وبذلك جرى خلط متعمد بين الأمن الإقليمي والقضية الفلسطينية، لإبقاء الشارع العربي في حالة استقطاب دائم، وتحويل أي إجراء يهدف إلى حماية التجارة العالمية إلى مادة جديدة للتحريض.
وتكرر المشهد مع التصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، حيث استُخدمت الحرب مرة أخرى لإعادة إنتاج خطاب التخوين، عبر اتهام الدول العربية التي دعت إلى التهدئة بأنها منحازة إلى واشنطن أو متآمرة على قضايا الأمة، وهكذا لم يعد الهدف من الخطاب مناقشة السياسات أو تقديم بدائل، بل دفع المواطن العربي إلى فقدان الثقة في مؤسسات دولته، والنظر إلى أي تحرك دبلوماسي أو أمني باعتباره خيانة، في محاولة لإبقاء المنطقة في حالة استقطاب دائم.
وتستند هذه الاستراتيجية إلى ماكينة إعلامية وإلكترونية واسعة، تعتمد على اللجان الرقمية والحسابات المجهولة والمنصات المرتبطة بالجماعة، التي تعمل بصورة متزامنة عند كل أزمة، فخلال ساعات من أي تطور ميداني، تتكرر الرسائل ذاتها، والاتهامات نفسها، والصور نفسها، بما يخلق انطباعًا بوجود رأي عام واسع، بينما يكون الأمر في كثير من الأحيان نتيجة نشاط منظم يستهدف التأثير في اتجاهات النقاش العام. كما تعتمد هذه الحملات على اجتزاء التصريحات، وإعادة تدوير مقاطع قديمة، واستخدام الصور الصادمة والمحتوى العاطفي، لإثارة التفاعل السريع وتغليب الانفعال على التحليل.
ولا يقتصر خطر هذا النهج على التضليل الإعلامي، بل يمتد إلى التأثير في تماسك المجتمعات. فحين تتحول كل أزمة إلى مناسبة لإثارة الكراهية، وكل اختلاف سياسي إلى تخوين، يصبح من الصعب بناء توافقات أو دعم مسارات التهدئة، كما يؤدي استغلال المآسي الإنسانية لتحقيق مكاسب سياسية إلى إضعاف الثقة في المعلومات، وتشويش الرأي العام، وإطالة أمد الاستقطاب.
إن أخطر ما يميز "تجار الدم" ليس قدرتهم على إشعال الأزمات، بل قدرتهم على الاستثمار فيها. فهم لا يبحثون عن حلول بقدر ما يبحثون عن استمرار الصراع، لأن الهدوء يقلص حضورهم، بينما تمنحهم الفوضى مساحة أكبر للتأثير والحشد، ولذلك فإن مواجهة هذا النمط من الخطاب لا تعتمد فقط على تفنيد المعلومات المضللة، وإنما أيضًا على تعزيز الوعي، وترسيخ ثقافة التحقق، ودعم النقاش القائم على الوقائع بدلًا من الانفعال.
وفي النهاية، تبقى المآسي الإنسانية أكبر من أن تتحول إلى أدوات للمزايدة السياسية، فالقضايا العادلة لا تحتاج إلى استغلال الدماء، والدفاع عن الشعوب لا يكون عبر تأجيج الكراهية أو تعميق الانقسام، بل عبر دعم الحلول التي تخفف المعاناة وتحافظ على استقرار الدول والمجتمعات.
أخبار متعلقة :