جريدة مصرنا

(80) عامًا على ميلاد "روبرت فيسك"

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
(80) عامًا على ميلاد "روبرت فيسك", اليوم الأحد 12 يوليو 2026 10:50 مساءً

"إن مهمة المثقف هي قول الحقيقة في وجه القوة، وتعرية الأكاذيب الرسمية والميثولوجيا التي تصنعها الدول لحماية مصالحها".. عبارة عبقرية للمفكر الفلسطيني د.إدوارد سعيد تجسد بحق شخصية، ومنهج الصحفي البريطاني الأشهر "روبرت فيسك"، والذي حلت في (12) من يوليو الجاري الذكرى الثمانين لميلاده.

و"فيسك" (1946- 2020م) الملقب بـ"ضمير الصحافة الغربية"، لم يكتفِ بنقد الطائرات والدبابات والمدافع، بل حارب "المصطلحات الرمادية" التي تُشرعِن القتل.

ولم يكن "فيسك" مجرد مراسل صحفي ينقل الأخبار من غرف التحرير الباردة، بل كان شاهدًا ميدانيًا شجاعًا، أمضى أكثر من أربعة عقود في قلب الأزمات، ممتلكًا حسًّا نقديًّا لا يلين، وضميرًا حيًّا جعله صوتًا فريدًا في تفكيك الروايات الاستعمارية، وفضح آليات الهيمنة في الشرق الأوسط.

وقد تميزت مسيرة الرجل بمواقفه الصلبة والمناهضة للتوجه الأنجلوساكسوني (البريطاني- الأمريكي)، فكان من أشرس منتقدي السياسات الخارجية لبلاده بريطانيا وللولايات المتحدة الأمريكية.

كما واجه بكل جرأة سرديات "الحرب على الإرهاب"، وفضح الزيف و"البروباجندا الممنهجة" التي رافقت غزو العراق عام 2003م، واصفًا الأجندة الغربية بأنها مدفوعة بمطامع إمبريالية، ومصالح نفطية لا تكترث بحقوق الشعوب، وهو ما رسخه في كتابه المهم "الحرب العظمى من أجل الحضارة"، حيث كان يرى أن الإعلام الغربي تحول في كثير من الأحيان إلى "مترجم شفوي" لإرادة الحكومات وصناع القرار، بدلًا من أن يكون سلطة رقابية عليهم!!

وفي مقابل هذا التفكيك الحاد للسياسات الغربية، كان "فيسك" مدافعًا شريفًا عن الحقوق العربية، فقد انحاز بشكل مطلق وعدالة واضحة للقضية الفلسطينية، وفضح الانتهاكات الإسرائيلية في لبنان، وكان من أوائل الصحفيين الغربيين الذين وثقوا مجزرة "صبرا وشاتيلا" عام 1982م، ومجزرة "قانا" عام 1996م، بكلمات تقطر إنسانية، وأسى.

لقد آمن "فيسك" بأن مهمة الصحفي ليست الوقوف على الحياد بين الضحية والجلاد، بل الانحياز التام للحقيقة، والوقوف بجانب المستضعفين، مع تبني منهجٍ صارمٍ في تعرية القوة الظالمة.

ولعل المحطة الأبرز التي كرست شهرته الدولية، وأثبتت قدرته الاستثنائية على اختراق الجبهات الوعرة، كانت نجاحه في إجراء ثلاث مقابلات صحفية شهيرة مع زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن خلال تسعينيات القرن الماضي (أعوام: 1993، 1996، و1997م) في جبال أفغانستان.

ولم تكن تلك اللقاءات بحثًا عن إثارة رخيصة، بل محاولة عميقة، ومبكرة لقراءة التحولات الراديكالية القادمة، وتحذير الغرب من مغبة سياساته التي تصنع التطرف.

وفي ذكرى ميلاده الثمانين، ما زال الشرق الأوسط والعالم يفتقد "روبرت فيسك"، الصحفي النزيه، والمتمرد الذي كتب تقاريره بمداد الصدق والمشاهدة الحية من خنادق بيروت وبغداد والقدس، وظل حتى رمقه الأخير وفيًا لـ"رسالة الكلمة الحرة"، ليؤكد أن الصحافة الحقيقية هي التي ترفض التواطؤ، وتنتصر دومًا لحقوق الإنسان.

أخبار متعلقة :