جريدة مصرنا

ليلة "المنشية" وكواليس المؤامرة الاستخباراتية الكبرى بالتعاون مع الإخوان للتخلص من عبدالناصر

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ليلة "المنشية" وكواليس المؤامرة الاستخباراتية الكبرى بالتعاون مع الإخوان للتخلص من عبدالناصر, اليوم الأحد 12 يوليو 2026 03:35 مساءً

مثلت محاولة جماعة الإخوان المسلمين اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر في حادث المنشية الشهير في عام 1954 نقطة فاصلة في علاقة الجماعة بمجلس قيادة لثورة، حيث بدأت الدولة المصرية بعدها مباشرة في مواجهة هذا التنظيم الذى استخدم الاغتيالات وسيلة للتخلص من خصومه.

كان الإخوان قد وصلوا لطريق مسدود مع الرئيس جمال عبدالناصر ومجلس قيادة الثورة بسبب عدم رجوعهم إلى الجماعة في اتخاذ قراراتهم، وبدأت القطيعة بشكل واضح بين الإخوان والثورة حين خرج القيادي الإخواني حسن دوح عقب صلاة الجمعة من مسجد شريف بمنيل الروضة في مظاهرة تندد بسياسات مجلس قيادة الثورة، ويلقى باللوم على عبد الناصر، لتسير الأمور بين الطرفين من سيئ إلى أسوأ، إلي أن دبر التنظيم الخاص بالجماعة الإرهابية محاولة قتل الرئيس عبد الناصر.

وفي اللحظة الحاسمة قرروا التخلص من عبد الناصر، ففي عام 1954 وبمناسبة توقيع اتفاقية الجلاء وقف الرئيس عبد الناصر يلقي خطاباً بميدان المنشية بالإسكندرية، وبينما هو في منتصف خطابه أطلق محمود عبد اللطيف - أحد كواد النظار الخاص لجماعة الإخوان - ثماني طلقات نارية من مسدس بعيد المدى باتجاه الرئيس ليصاب شخصان وينجو عبد الناصر.

وأثبتت التحقيقات أن المتهم ينتمي إلى الجهاز السرى لجماعة الإخوان، وأن محاولة الاغتيال كانت جزءا من مؤامرة كبرى  بالتعون بين جماعة الإخوان والمخابرات الأجنبية لاغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة و160 من ضباط الجيش للاستيلاء على الحكم.

كما كشفت التحقيقات أنه كانت هناك خطط أخرى لاغتيال عبد الناصر من بينها نسفه بحزام ناسف أو نسف الطائرة التي ستقله إلى إحدى الرحلات.

التحقيقات أكدت وقتها، أن عملية محاولة اغتيال عبد الناصر ما هى إلا جزء لا يتجزأ من خطة مُحكمة أعدتها الجماعة الإرهابية لاغتيال أعضاء مجلس قيادة الثورة، وحوالى 160 ضابطًا من ضباط الجيش، كما تضمنت الاتهامات التى تم توجيهها للجماعة التخطيط للاستيلاء على الحكم، وتخزينهم لكميات كبيرة من الأسلحة والمفرقعات ليستخدمها الجهاز السرى، وهى الأسلحة التى قال المرشد فى المحاكمة إنها تخص الضباط الأحرار، وأن الإخوان حفظوها لهم أثناء حريق القاهرة فى يناير 1952.

الغريب أن حتى هذه اللحظة يدعي الإخوان أن هذا الحادث لا يخرج عن كونه تمثيلية قام بها رجال الثورة للتخلص من الجماعة، ولكن المتهمين في المحكمة العلنية - "محكمة الشعب" التي كانت تذاع وقائعها على الهواء مباشرة عبر الإذاعة المصرية - قدموا اعترافات تفصيلية حول دور كل منهم ومسئولية الجماعة عن العملية.

ورغم هذا الإنكار المفضوح فقد اعترف القيادي الإخواني البارز، وتلميذ القرضاوي، الدكتور عصام تليمة، بعد 64 عاما علي الحادث بقيام عناصر جماعة الإخوان المسلمين، بتنفيذ محاولة الاغتيال، ونشر تغريدة له علي صفحات السوشيال ميديا، كشهادة موثقة تصدر لأول مرة عن قيادي إخواني، أكد خلالها أن مرشد الإخوان مأمون الهضيبي كان يعرف من أطلق النار علي عبدالناصر في حادث المنشية وأنه حي يرزق ومستشيخ " حسب قوله "، وتفاصيل أخري يعرفها المرشد ولكن أغلقت أفواه الناس عنها بأمر صدر من المستشار مأمون الهضيبي.

ولم يكن هذا الاعتراف هو الوحيد الذي أدلي به قيادي إخواني ، فقد اعترف المتهم الثالث في القضية خليفة عطوة، بعد ثورة 25 يناير 2011، باشتراكه في التخطيط للعملية، وقال لعدد من وسائل الإعلام ـ وقتئذ ـ إنه تم تكليف مجموعة من الجهاز السري للجماعة من أربعة أشخاص كان يقودها هنداوي دوير، الذي كان يعمل محامياً، وكان هو الثالث في المجموعة وكان معه محمد النصيري، الطالب بكلية الحقوق، وأنور حافظ محمد الطالب بكلية التجارة، وأيضاً محمود عبداللطيف والذي كان يجيد إطلاق الرصاص، وكان بحوزته قطعتا سلاح خشية تعطل إحداهما لأي أسباب، وارتدى محمد النصيري حزاماً ناسفاً للهجوم على ناصر حال فشل مهمة عبداللطيف، وارتديت أنا وحافظ ملابس الحرس الوطني وبينما كان عبداللطيف يستعد لتصويب مسدسه ناحية ناصر بعد أن تمكن من الوقوف أعلى تمثال سعد زغلول، وفي الوقت الذى كان فيه جمال منفعلاً ويرفع يده اليسرى كانت تلك اللحظة لإطلاق الإشارة بالتلويح بأصبعي حتى تستقر الرصاصة في صدره، إلا أن القدر وقف مع ناصر أثناء وضعه قلم حبر من ماركة «تروبل» بحبر أحمر لتصيب الرصاصة القلم لتمر بين كتفى جمال سالم وعبدالحكيم عامر لتصيب أحمد بدر، سكرتير هيئة تحرير الإسكندرية.

ويمثل حادث المنشية حلقة من مسلسل طويل ضم العشرات من عمليات العنف والإرهاب والاغتيال، تورطت فيها الجماعة الأم، حيث بدأت قوائم اغتيالات السياسيين المصريين، في أربعينيات القرن الماضي، وبدأت باغتيال رئيس وزراء مصر أحمد ماهر، عام 1945، والذي اغتيل في قاعة البرلمان، ثم اغتيال القاضي أحمد الخازندار عام 1948، وبعد عدة أشهر اغتيال رئيس الوزراء محمود فهمي النقراشي بالقرب من ديوان وزارة الداخلية.

وعلي الرغم من الإنكار الإخواني المستمر، خرجت الوثائق البريطانية لتكشف حقيقة الاتفاق بين المخابرات البريطانية وجماعة الإخوان المسلمين علي اغتيال الرئيس جمال عبدالناصر ، حيث ورد في الوثائق: أن رئيس وزراء بريطانيا أنتونى إيدن اتصل برئيس وحدة المخابرات البريطانية M.I.6 فى مصر، مستر جورج يانج  George Yangوأصدر له تعليماته بالاتصال بجماعة الإخوان المسلمين وجهازها السرى، وأن يضع معهم خطة لاغتيال عبدالناصر.

المعلومات الموثقة تقول إن يانج لم يكن أقل لهفة من رئيس وزرائه على تنفيذ تلك المهمة، لأنه شخص متمرس فى العمليات السرية فى منطقة الشرق الأوسط، حتى إن بعض زملائه كانوا يلقبونه بالقرصان، لأنه شخص متطرف ودموى، وله خبرات سابقة فى تدبير المؤامرات، ومنها دوره فى الإطاحة بمحمد مصدق رئيس وزراء إيران، وفى أعقابها قال «سنفعل مع ناصر ما فعلناه مع مصدق». وهنا تلاقت الرغبات المحرمة بين إيدن ويانج.

يسبق تلك الواقعة محاولة من المخابرات المركزية الأمريكية C.I.A لاغتيال عبدالناصر إما بالرصاص أو بالسم، لكنها فشلت، وكان متفقا عليها بين المخابرات الأمريكية وجماعة الإخوان. عندئذ اتجهت مخابرات أمريكا إلى نظيرتها البريطانية للقيام بنفس المهمة، وفقا لما كشفت عنه مصادر أمريكية.

ثم ظهر بُعد إضافى لتلك المهمة، عن طريق وثيقة رسمية صادرة عن الكونجرس الأمريكى بعنوان: «المؤامرة ضد ناصر: عقيدة المخابرات المركزية للاغتيال، ونقلها عن الكونجرس، الباحث والكاتب الأمريكى جون ماركس. وتتحدث عن الوثيقة الخاصة بجلسة عقدتها لجنة بمجلس الشيوخ للتحقيق فى مؤامرة دبرتها المخابرات المركزية فى منتصف الخمسينيات لاغتيال عبدالناصر. لكن اللجنة تلقت ردا من المخابرات المركزية يبلغها أنها لم تعثر على أى معلومات عن خطة بهذا الشأن، وعندئذ أغلق الكونجرس تحقيقه فى هذا الأمر.

لكن.. حدث أن بدأت فى نفس الوقت لجنة تسمى اللجنة الكنسية Church Committe التحقيق من جانبها فى الاغتيال كأداة للسياسة الخارجية، ووجدت اللجنة أن العديد من الملفات التى تحتوى على معلومات حساسة فى هذا الموضوع بالذات قد تم تمزيقها. لكن اللجنة أصدرت تقريرا يعترف بأن المخابرات المركزية سبق لها أن تورطت فى عمليات لاغتيال عبدالناصر. وإن تلك المحاولات التى جرت فى أوائل الخمسينيات قد استمرت بعد تأميم قناة السويس عام 1956.

كما كشفت سجلات ما عرف باسم Anzus وهو تحالف عسكرى نشأ عام 1951 بين أمريكا وعدة دول غربية، أن الأمريكيين والبريطانيين ناقشوا من قبل تأميم قناة السويس عام 1956، عدة بدائل هدفها الإضرار بمركز عبدالناصر، منها عمليات سرية عرفت باسم Dogma وتستخدم الدبلوماسية والعمل السرى، لإحباط طموحات ناصر فى العالم العربى، لكن إيدن أراد اختصار المشوار بعمل مباشر وهو ما فعله عام 1954 مع الإخوان.

لم يكن تنظيم الإخوان المسلمين بعيدا عن تلك العمليات البريطانية السرية، وهو ما يزيح الستار عن بعض جوانبه الكاتب البريطانى المعروف مارك كيرتس، فى صفحات من كتابه الصادر عام 2012 بعنوان «مدخل إلى العلاقة السرية: تواطؤ بريطانيا مع الإسلام الراديكالى». والذى حصل على معلوماته من الوثائق الرسمية للحكومة البريطانية. وقدم فى كتابه أدلة قاطعة على دور التنظيم الدولى للإخوان فى لندن فى القيام بعمليات ضد دول أخرى، تحت أعين أجهزة الأمن البريطانية.

وأضاف إلى ذلك قوله إن إخوان التنظيم الدولى يقومون بعمليات لخدمة الأجهزة الأمنية فى بريطانيا. ولأن رجل المخابرات الأمريكية الشهير مايلز كوبلاند كان قريبا من عمليات جهازه فى الشرق الأوسط ومشاركا فيها، فقد أضاف إلى تلك المعلومات الموثقة الكثير فى كتابه «رجل اللعبة» Game Player ونقل فى الكتاب معلومات من الأوراق الرسمية لوزارة الخارجية الأمريكية، عن خطط اتفق عليها فى الأربعينيات وزير الخارجية دين أتشيسون، مع كيرمت روزفلت أحد قيادات المخابرات المركزية، لاستخدام الإخوان فى تنفيذ عمليات لخدمة مصالح أمريكا.

ويقول كوبلاند نصًا " إن لقاءاته مع قيادات الإخوان منذ أول الأربعينيات، وإنهم صاروا- على حد تعبيره- عملاء فعليين للولايات المتحدة. وهو نفس الدور الذى أداه الإخوان لحساب بريطانيا عندما كانت هى القوة المؤثرة إقليميا وعالميا.. وفى الحالتين فإن علاقات الإخوان مع بريطانيا ثم أمريكا، كانت أجهزة المخابرات فى الدولتين هى التى تديرها.

وهذا هو نفس ما نفذوه حرفيًا عندما استدعاهم جورج يانج وبتعليمات من رئيس وزرائه انتونى إيدن، لوضع خطة اغتيال عبدالناصر بإطلاق الرصاص عليه فى ميدان المنشية بالإسكندرية عام 1954.. وحتى لو ظلوا يشككون فيما جرى يومها، فإن الوثائق الرسمية لحكومة بريطانيا هى التى كشفت الحقيقة وبتفاصيلها.

أخبار متعلقة :