جريدة مصرنا

دراسة ألمانية: أزمة المياه في ليبيا سببها الحوكمة وسوء الإدارة أكثر من ندرة الموارد

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دراسة ألمانية: أزمة المياه في ليبيا سببها الحوكمة وسوء الإدارة أكثر من ندرة الموارد, اليوم الأحد 9 أغسطس 2026 02:59 مساءً

دراسة ألمانية: أزمة المياه في ليبيا سببها الحوكمة وسوء الإدارة أكثر من ندرة الموارد

ليبيا – سلطت دراسة موسعة نشرتها مؤسسة «كونراد أديناور» الألمانية الضوء على تعقيدات قطاع المياه في ليبيا، معتبرة أن الأزمة لا ترتبط أساسًا بندرة الموارد بقدر ما تعود إلى ضعف الحوكمة والإدارة والانقسام المؤسسي، رغم امتلاك البلاد خزانات جوفية ضخمة واستثمار مليارات الدولارات في مشروعات مائية كبرى.

وأوضحت الدراسة، التي تابعتها وترجمت أبرز ما ورد فيها صحيفة المرصد، أن المياه تمثل أحد أهم الموارد الإستراتيجية في ليبيا في ظل الضغوط البيئية والاقتصادية والمؤسسية وتراجع الاحتياطيات القابلة للاستخدام، مؤكدة أن المواطنين ما زالوا يعانون من الانقطاعات وتدهور الخدمات وضعف البنية التحتية رغم الاستثمارات الكبيرة في القطاع.

المياه أداة ضغط وصراع سياسي

ورأت الدراسة أن المياه لم تعد مجرد مورد طبيعي، بل تحولت بعد عام 2011 إلى عنصر داخل الصراع السياسي والاقتصادي والأمني، إذ يمنح التحكم في محطات الضخ وخطوط النقل والخزانات الجهات المسيطرة نفوذًا واسعًا، بما يحول الخدمة العامة إلى أداة ضغط ومساومة.

وأكدت أن ليبيا لا تعاني فقرًا مائيًا طبيعيًا بالمعنى التقليدي، في ظل وجود خزانات ضخمة من المياه الجوفية الأحفورية في نظام الحجر الرملي النوبي وأحواض فزان والكفرة وغدامس، لكنها شددت على أن هذه الموارد غير متجددة وأن استنزافها دون ضوابط يمثل تهديدًا مباشرًا للأجيال المقبلة.

الحلول الهندسية وحدها لا تكفي

وأشارت الدراسة إلى أن معالجة الأزمة انحصرت غالبًا في حفر الآبار وبناء محطات التحلية وإصلاح خطوط الأنابيب، فيما جرى تجاهل الأسباب المؤسسية والسياسية، مؤكدة أن أي استثمارات جديدة لن تحقق نتائج مستدامة من دون إصلاح الحوكمة وتعزيز الشفافية وتحديد المسؤوليات وتطوير الرقابة والمساءلة.

وأضافت أن تغير المناخ يزيد الضغوط بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع الأمطار وتزايد موجات الجفاف والفيضانات، إلا أن معظم المشكلات الحالية، مثل تخريب الخطوط وانهيار السدود وضعف الصيانة وتعدد الجهات المسؤولة، تظل في جوهرها مشكلات مؤسسية وإدارية.

80 إلى 85% من المياه تستهلكها الزراعة

وبيّنت الدراسة أن المياه الجوفية تمثل العمود الفقري للأمن المائي الليبي، في حين تبقى المياه السطحية محدودة بسبب الاعتماد على أمطار متقطعة.

وأشارت إلى أن قطاع الزراعة يستهلك ما بين 80 و85% من إجمالي المياه المسحوبة رغم محدودية مساهمته في الاقتصاد الوطني، مع انتشار آلاف الآبار غير المرخصة المستخدمة في الري بعيدًا عن الرقابة، ما يعني أن حجم الاستنزاف الفعلي يفوق الأرقام الرسمية.

وأضافت أن الإفراط في الضخ والتوسع العمراني وسوء إدارة مياه الصرف وارتفاع الملوحة وتلوث الآبار أدت إلى تراجع جودة المياه، خاصة مع تداخل مياه البحر الأبيض المتوسط في بعض الخزانات الساحلية.

التحلية تعمل بأقل من طاقتها

وأوضحت الدراسة أن مشروعات تحلية مياه البحر وإعادة استخدام مياه الصرف الصحي لم تحقق النتائج المرجوة، إذ تعمل معظم محطات التحلية بجزء محدود من طاقتها التصميمية نتيجة نقص التمويل وقطع الغيار والأضرار التي لحقت بها خلال النزاعات.

وأشارت إلى أن استمرار الاعتماد شبه الكامل على المياه الجوفية دفع بعض سكان الجنوب إلى حفر آبار بأعماق أكبر بكثير مقارنة بما كان عليه الحال قبل عقود.

تسربات وصهاريج خاصة للمياه

ولفتت الدراسة إلى أن انخفاض أسعار المياه والدعم الحكومي الكبير وتهالك الشبكات ساهمت في ارتفاع الاستهلاك والهدر، فيما لا يصل إلى المستهلك سوى جزء من الكميات التي يجري ضخها بسبب التسربات والانقطاعات وضعف الصيانة.

وأضافت أن شراء المياه من الصهاريج الخاصة أصبح جزءًا من الحياة اليومية في بعض المدن، رغم التكلفة المرتفعة التي يتحملها المواطنون.

الانقسام يضاعف أزمة الإدارة والصيانة

وأكدت الدراسة أن قطاع المياه يخضع لعدد كبير من المؤسسات والهيئات الحكومية والمحلية المتداخلة الاختصاصات، من دون وجود تنسيق كافٍ بينها، ما خلق ازدواجية في اتخاذ القرار وصعوبة في تحديد المسؤوليات عند وقوع الأزمات.

وأشارت إلى أن الانقسام السياسي زاد الوضع تعقيدًا، إذ لكل حكومة هياكلها وميزانياتها وقراراتها، بينما تحاول بعض المؤسسات الفنية العمل على مستوى ليبيا، ما يؤدي إلى تضارب الأولويات وتأخير المشروعات وتعطيل أعمال الصيانة.

الصيانة رهينة البيروقراطية وغياب التمويل

وبيّنت الدراسة أن مشروعات البنية التحتية التي تحتاج إلى قرارات سريعة أو تمويل عاجل كثيرًا ما تتعطل بسبب الخلافات السياسية والإدارية، فيما تحولت الصيانة الدورية إلى رهينة البيروقراطية والانقسام المؤسسي.

وأضافت أن الميزانيات توجه غالبًا إلى معالجة الأعطال بعد وقوعها بدل تخصيص موارد ثابتة للصيانة الوقائية، ما يرفع الكلفة ويكرر الانقطاعات ويزيد تدهور البنية التحتية.

البلديات مطالبة بالخدمة دون أدوات كافية

وأوضحت الدراسة أن البلديات تتحمل مسؤوليات متزايدة في إدارة الخدمات، لكنها تفتقر إلى الصلاحيات والموارد الكافية، ما يخلق فجوة بين المسؤولية الفعلية والقدرة على التنفيذ.

وأكدت أن أي نقل للصلاحيات إلى الإدارات المحلية يجب أن يترافق مع إعادة توجيه الموارد المالية وبناء القدرات الفنية والإدارية.

النهر الصناعي يحتاج إصلاحًا إداريًا قبل التوسع

وربطت الدراسة تراجع أداء مشروع النهر الصناعي بتقادم المعدات وضعف الصيانة والانقسام الإداري ونقص الملاكات الفنية والاعتداءات المتكررة على المنشآت.

وشددت على أن أي خطة لإنقاذ المشروع يجب أن تبدأ بإصلاح الإدارة والتمويل قبل التفكير في التوسعات أو المشروعات الجديدة.

توصيات للحد من الاستنزاف

وأوصت الدراسة بإعادة توزيع الصلاحيات بين المؤسسات المعنية بالمياه بوضوح، وإنشاء آليات دائمة للتنسيق، ونشر بيانات دورية عن الإنفاق والإنتاج والاستهلاك وحالة البنية التحتية وخطط الصيانة.

كما دعت إلى تقليل الفاقد في الشبكات، وترشيد الاستهلاك، ومراجعة سياسات الدعم، وتشديد الرقابة على الآبار غير المرخصة، ووضع نظام فعال لمراقبة استخراج المياه الجوفية.

توسيع التحلية وإعادة استخدام مياه الصرف

وطالبت الدراسة بتوسيع الاستثمار في تحلية مياه البحر ومعالجة مياه الصرف الصحي وإعادة استخدامها، بما يخفف الضغط عن الخزانات الجوفية غير المتجددة، إلى جانب حماية الأحواض الجوفية من التلوث ومراقبة جودة المياه بصورة مستمرة.

وأكدت أن المناطق الساحلية تحتاج إلى اهتمام خاص بسبب تداخل مياه البحر وارتفاع نسب الملوحة.

المياه قضية أمن قومي

واختتمت الدراسة بالتأكيد على أن مساهمة الشركاء الدوليين يجب ألا تقتصر على تمويل مشروعات البنية التحتية، بل تشمل بناء المؤسسات وتطوير قواعد البيانات وتدريب الملاكات وتعزيز أنظمة الحوكمة والرقابة.

وشددت على ضرورة التعامل مع المياه باعتبارها قضية أمن قومي وتنمية مستدامة وليست مجرد خدمة بلدية، في ظل ارتباط استقرار الإمدادات بالصحة العامة والأمن الغذائي والاستقرار الاجتماعي والتنمية الاقتصادية.

ترجمة المرصد – خاص

 

أخبار متعلقة :