جريدة مصرنا

يوسف أيوب يكتب: التريند لا يدير الدولة

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
يوسف أيوب يكتب: التريند لا يدير الدولة, اليوم السبت 8 أغسطس 2026 07:48 مساءً

إدارة الأزمة في حادث دمياط تهزم ضجيج السوشيال ميديا بتناغم بين الأجهزة والمؤسسات وتفعيل المنظومة الوطنية لإدارة الأزمات

وسائل التواصل الإجتماعى أداة مهمة لرصد نبض الشارع لكنها ليست مرجعا لاتخاذ القرار ولا مصدرا وحيدا للحقيقة

مصر لن تُجرّ إلى دائرة الصراع مهما كانت الاستفزازات.. ولا تهاون مع أي مساس بالامن القومي أو السيادة

 

في كل أزمة كبرى، يتكرر المشهد ذاته. تتسابق منصات التواصل الاجتماعي إلى إنتاج الروايات قبل أن تبدأ الجهات المختصة في جمع المعلومات، وخلال دقائق، تتحول الشائعات إلى ما يشبه الحقائق التي يتداولها الآلاف، وتصبح التحليلات غير الموثقة مادة للنقاش العام، بينما تكون المؤسسات الرسمية ما زالت في مرحلة التحقق من الوقائع.

حادث ميناء دمياط كان نموذجًا واضحًا لهذا المشهد. فقد امتلأت منصات التواصل بروايات متضاربة، وتفسيرات متناقضة، واتهامات متبادلة، قبل صدور المعلومات الرسمية. وفي المقابل، اختارت الدولة نهجًا مختلفًا يقوم على إدارة الأزمة باحترافية، جمع المعلومات أولًا، والتعامل مع الحدث ميدانيًا، ثم إعلان ما يثبت بالأدلة، دون الانجرار إلى الرد على كل شائعة أو تعليق.

هذا النهج قد يبدو للبعض أبطأ من سرعة منصات التواصل، لكنه أكثر مسؤولية، لإن إدارة الأزمات لا بالتأكيد تُبنى على الانطباعات، وإنما على المعلومات الدقيقة، خاصة أن حادث مثل دمياط يتطلب الدقة، لأن أي تصريح غير مدروس قد يربك الرأي العام أو يؤثر على سير التحقيقات، وقد يقودنا إلى سيناريوهات صعبة.

بكل تأكيد، تظل السوشيال ميديا أداة مهمة لرصد نبض الشارع وقياس جانب من ردود الفعل، لكنها ليست مرجعا لاتخاذ القرار، ولا مصدرا وحيدا للحقيقة، وفي مجتمعاتنا العربية على وجه الخصوص، لا تعكس هذه المنصات دائمًا الرأي العام الحقيقي، فهناك من يفضل الصمت، وهناك من يمتنع عن إبداء رأيه علنا، بينما تهيمن أحيانًا أصوات أكثر نشاطًا لا تمثل بالضرورة الأغلبية، فضلاً أن طبيعة هذه المنصات تسمح بانتشار المعلومات غير الدقيقة بالسرعة نفسها التي تنتشر بها الحقائق، بل وربما أسرع، وهو ما يجعل التعامل معها بحاجة إلى قدر كبير من الوعي والتدقيق.

الدرس الأهم من الأزمات الكبرى ليس فقط كيفية مواجهتها، بل كيفية إدارة المعلومات خلالها. فالدولة التي تتحرك وفق إجراءات واضحة، وتعلن ما تتيحه الحقائق، وتحافظ على توازنها أمام سيل الشائعات، تعزز ثقة المواطنين في مؤسساتها على المدى الطويل، فالمؤكد أن سرعة المعلومة لم تعد معيارًا للنجاح، بل أصبحت دقتها ومصداقيتها هي المعيار الحقيقي. وفي زمن تتغير فيه الروايات كل دقيقة، يبقى الاحتكام إلى المعلومات الموثقة هو الطريق الأكثر مسؤولية، سواء بالنسبة للدولة أو للإعلام أو للمواطن.

 

نموذج متكامل في إدارة الأزمات

وفى حادث ميناء دمياط، قدمت الدولة نموذجًا متكاملًا في إدارة الأزمات، معلنة بعد توافر كافة المعلومات لديها وفق نتائج التحقيقات الأولية، أن حادث الحريق ناتج عن طائرة مسيرة، حيث تحركت أجهزة الدولة فور وقوع الحريق الذي تعرضت له سفينتان بميناء دمياط، وفق خطة تنسيق مشتركة بين مختلف الجهات المعنية؛ بهدف احتواء الموقف ومنع تطور تداعياته، والحفاظ على سلامة المواطنين والمنشآت الحيوية، وضمان استمرار الخدمات الحيوية، وعدم تأثر حركة الملاحة أو منظومة الطاقة، فتم تفعيل منظومة إدارة الأزمة، والدفع بفرق العمل المتخصصة إلى موقع الحادث، والبدء في تنفيذ إجراءات عاجلة شملت فصل السفينتين المتصلتين بخطوط نقل الغاز، وإبعاد سفينة التخزين إلى منطقة آمنة، وإخلاء الأطقم العاملة على متن سفينة التغويز حفاظًا على الأرواح، بالتوازي مع رفع درجات الاستعداد بين مختلف الجهات المعنية للتعامل مع أي تطورات محتملة، كما تم توجيه قاطرات بحرية لسحب السفينة المتضررة إلى عرض البحر بعيدًا عن الميناء والمنشآت الحيوية، بما حدّ من المخاطر المحتملة، خاصة في ظل الطبيعة شديدة الخطورة لسفن التغويز التي تتعامل مع الغاز الطبيعي المسال تحت ضغط مرتفع، وما قد يترتب على أي انفجار أو امتداد للحريق من تداعيات واسعة على الميناء والمنشآت المحيطة به.

وأظهرت الأزمة مستوى مرتفعًا من التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، وهو ما كشفه الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، خلال المؤتمر الصحفى الذى عقده في اليوم التالى للحادث، الخميس 30 يوليو، وقدم خلاله التفاصيل الكاملة لما قامت به الدولة لمواجهة هذا الموضوع، وهى تفاصيل مهمة، لذلك سانقلها كما قالها رئيس الوزراء.

مدبولى قال إنه في تمام الساعة الثانية والثلث تقريباً بعد ظهر الأربعاء 29 يوليو، تم الإبلاغ من وزير البترول والثروة المعدنية بنشوب حريق في سفينتين في ميناء دمياط، وإحدى هاتين السفينتين، تندرج ضمن مجموعة سفن التغويز التي تعاقدت عليها الدولة وجرى تأمينها لتلبية الاحتياجات القومية من الطاقة، وهذه السفينة تتواجد على الرصيف داخل الميناء، وتجاورها على مسافة قريبة سفينة أخرى تُعرف بـ "سفينة التخزين"، مشيراً إلى أن الدولة اتخذت قراراً مسبقاً بالاحتفاظ بسفينة تخزين لتكون بمثابة شحنة كاملة متواجدة على مدار الساعة للاستخدام الفوري، مع إمكانية نقلها عند الحاجة من دمياط إلى السخنة لضخ حمولتها في الشبكة القومية طبقاً للاحتياجات الفعلية، بدلاً من بقاء هذه الشحنات في المياه الإقليمية أو بالخارج على متن سفن أخرى، حيث جرى شراؤها لتأمين تواجدها محلياً.

وهاتين السفينتين تشملان سفينة التغويز، والتي تُعد بمثابة منشأة صناعية متكاملة؛ تستقبل شحنات الغاز المسال لإعادة تحويله إلى طبيعته الغازية تمهيداً لضخه في الشبكة، وهنا لفت رئيس الوزراء إلى أن هذا المنشأ يُصنف بأنه بمثابة مصنع شديد الخطورة نظراً لضخ الغاز بضغط مرتفع للغاية، محذراً من أنه لا قدر الله في حال وقوع حادث دون إدارة جيدة للموقف، لكانت التبعات كارثية، إذ إن حدوث انفجار بهذه السفينة لا قدر الله لن تقتصر أضراره على اندلاع حريق على متنها فحسب، بل يمتد أثره لتدمير منشآت الميناء والمناطق المحيطة به كذلك.

وأشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى أنه عندما وقع الهجوم المسير على السفينتين، فإن الحقيقة والأمر الأهم يكمنان في أن السفينة الأولى، وهي سفينة التخزين أو المخزن، لم يحدث بها أي تأثير والحمد لله، حيث تم التعامل على الفور وبصورة فورية مع بعض التبعات المحدودة التي ظهرت، وجرى احتواؤها بالكامل، مؤكداً أن هذه السفينة سليمة بنسبة 100%، أما بعض الآثار السلبية فقد كانت لسفينة التغويز، لافتاً إلى أنه بمجرد حدوث الحريق، تم إبلاغه فوراً من قِبل المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، حيث جرى على الفور التواصل مع الفريق كامل الوزير، وزير النقل، كل الجهات والأجهزة الأمنية والسيادية بالدولة؛ لضمان التعامل المشترك والمباشر مع هذا الأمر.

وقال رئيس مجلس الوزراء، إن الدولة تعاملت منذ اللحظة الأولى مع الواقعة باعتبارها حادث حريق على متن السفينة، كما تم الإبلاغ، مشيرًا إلى أن جميع أجهزة الدولة تحركت على الفور وفق هذا التقدير، في ضوء إدراك حجم التداعيات المحتملة التي كان من الممكن أن تترتب على خروج الحريق عن السيطرة، موضحاً أنه فور تلقي البلاغ تم تشكيل مجموعة عمل تكونت من وزيري النقل والبترول والثروة المعدنية، حيث بدأت فرق العمل في التعامل الميداني مع الموقف بشكل فوري على الأرض، وتم في البداية فصل السفينتين اللتين كانتا متصلتين عبر مجموعة من خطوط ومواسير النقل، بما حال دون انتقال آثار الحريق بينهما، كما جرى التعامل سريعًا مع سفينة التخزين، وتمت السيطرة على الوضع بها وتحريرها وإبعادها بالكامل عن الرصيف والسفينة الأخرى، وفي إطار الإجراءات الاحترازية المتبعة، تم إخلاء أطقم العمل الموجودة على متن سفينة التغويز فور الإعلان عن اندلاع الحريق، باعتبار ذلك إجراءً أمنيًا ضروريًا، خاصة في ظل احتواء السفينة على كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال تقدر بالأطنان.

وأضاف رئيس الوزراء أن ما قامت به الأطقم المصرية خلال التعامل مع الحادث يمثل ملحمة وطنية ونموذجاً مشرفاً، موضحاً أنه تم التوجيه بالدفع بأربع قاطرات مصرية مجهزة بأطقمها الفنية، حيث تمكنت من سحب السفينة وإبعادها لمسافة تجاوزت ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلومتر داخل المياه، بعيداً عن الرصيف؛ تحسباً لأي تطورات قد تنتج عن الحريق، لاسيما في ظل احتمالات تعرض السفينة لانفجار كان من الممكن أن يؤثر على الميناء بالكامل.

وأكد مدبولي أن حركة العمل بميناء دمياط استمرت بصورة طبيعية طوال فترة التعامل مع الحادث، مشيراً إلى أن الميناء شهد دخول وخروج نحو 15 سفينةً محملةً بمختلف أنواع البضائع والسلع والمواد الغذائية؛ بما يعكس كفاءة إدارة الأزمة وعدم تأثر حركة الملاحة بالميناء، موجهاً الشكر والتقدير إلى جميع الأطقم المصرية التي شاركت في إدارة الأزمة، مؤكداً أنها بذلت جهوداً استثنائية على مدار نحو 12 ساعةً متواصلةً؛ بدأت منذ الرابعة عصراً وحتى الرابعة فجراً، حيث استمرت عمليات مكافحة الحريق بصورة متواصلة، مع تبادل فرق العمل لضمان استمرار الجهود بكفاءة، موضحاً أن طبيعة الحريق كانت شديدة التعقيد نظراً لارتباطه بالغاز الطبيعي المسال الموجود تحت ضغط مرتفع داخل خطوط النقل والخزانات، الأمر الذي تطلب التعامل مع مصدر الغاز ذاته، وليس فقط مع ألسنة اللهب الظاهرة.

وأوضح الدكتور مصطفى مدبولي أنه، بالتوازي مع جهود السيطرة على الحريق، كانت الجهات المختصة تُجري تقييماً شاملاً لملابسات الواقعة كافة للوقوف على أسبابها الحقيقية، مؤكداً أن الدولة حرصت على عدم إصدار أي استنتاجات أو إعلان أسباب الحادث قبل انتهاء أعمال الفحص والتقييم، لافتاً إلى أن القوات المسلحة، ووزارة الداخلية، والأجهزة الأمنية والسيادية باشرت منذ اللحظة الأولى أعمال التحليل والفحص استناداً إلى مختلف البيانات والصور والتقييمات الفنية؛ وصولاً إلى تحديد السبب الحقيقي للحريق بدقة، قبل الإعلان عنه للرأي العام بكل شفافية وثقة، كما أشار إلى أن هناك عملاً فنياً كان يجرى على أعلى مستوى في الوقت نفسه للتعامل مع هذا الحادث، لافتاً إلى أن الأهم هو ما قامت به القوات المسلحة ووزارة الداخلية من أجل احتواء الحريق، واستخدام مختلف الطرق والأساليب للتغلب عليه بجانب الأساليب التقليدية للإطفاء، من خلال استخدام المواد الكيميائية، وكذا الطائرات للسيطرة على النيران، إلى جانب الاستعانة بالطائرات الموجهة عن بعد "الدرونز" لتصوير مستجدات السيطرة على الموقف، بعد سحب السفينة إلى عرض البحر، ومع الساعات الأولى من صباح الخميس، تم إتمام التعامل بنجاح مع الحريق بالسفينة، وانتهاء التهديد من حدوث انفجار كبير لا قدر الله، والذي كان من الممكن أن يحمل العديد من التداعيات والآثار السلبية.

وأكد رئيس مجلس الوزراء أن الأزمة كانت تُدار منذ اللحظة الأولى وعلى مدار الدقيقة والساعة، ورغم عدم التواجد الفعلي في الموقع، إلا أنها أُديرت بشكل لحظي وكأننا متواجدون به، مشيراً إلى انتقال كل من الفريق مهندس كامل الوزير، وزير النقل، والمهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، إلى ميناء دمياط على الفور، حيث باشرا التعامل مع الحادث من هناك، بالتزامن مع استمرار التواصل والتنسيق مع مختلف جهات وأجهزة الدولة الأمنية والسيادية المعنية، للتعامل مع الموقف من الجانبين الأمني والجنائي.

وتناول رئيس الوزراء جانب أخر من الحادث، فبالتوازي مع محور إطفاء الحريق واحتواء الأزمة، كان هناك محور أمني جرى العمل عليه، فضلاً عن البدء في الوقت نفسه بالتحرك على المسار اللوجستي، حيث تولى وزيرا البترول والكهرباء العمل على تأمين البدائل الاستراتيجية لضمان استقرار منظومة الطاقة، والتي تعتمد على الغاز سواء من الإنتاج المحلي، أو من خلال الشحنات التي يتم توفيرها عبر سفن التغويز، أو من خلال شبكة خطوط الأنابيب القائمة، موضحاً أن العملية محسوبة بكل دقة؛ نظراً لأن السفينة التي وقع بها الحادث تسهم بجزء رئيس في تغذية منظومة الطاقة التي تُدار وتُشغل بها محطات توليد الكهرباء وتلبية احتياجات الدولة من الغاز الطبيعي، لافتاً إلى أنه مع خروج هذه السفينة من الخدمة، بدأ على الفور تطبيق خطة الطوارئ والاعتماد على منظومة البدائل وتنويع مصادر الإمداد، والتي لولاها لما كان ممكناً ضمان عدم حدوث أي أزمة أو انقطاعات، مستطرداً بأنه من خلال البدائل التي جهزتها الدولة مسبقاً، وعبر تنويع مصادر وبدائل مزيج الطاقة، جرى التشغيل الفوري للمنظومة البديلة من المحطات بالمازوت والسولار لحين عودة الأوضاع إلى طبيعتها.

وطمأن رئيس مجلس الوزراء المواطنين بأن منظومة الطاقة لم تتأثر، مؤكداً عدم وجود أي تداعيات على استدامتها، لاسيما وأن الدولة المصرية قادرة وتمتلك البدائل الاستراتيجية اللازمة؛ وموضحاً أنه بالرغم من التواجد في فصل الصيف والارتفاعات غير المسبوقة في درجات الحرارة، إلى جانب الاحتياجات الكبيرة الأخرى، إلا أن المنظومة لم تشهد أي تأثر والحمد لله، والدولة مستمرة في جهودها، منوهاً خلال حديثه إلى أن محور العمل مع وزيري البترول والكهرباء، وبالتعاون مع البنك المركزي ووزارة المالية، يستهدف تأمين الاحتياجات والتدابير المالية واللوجستية للبدائل الاستراتيجية، لحين الانتهاء من إصلاح السفينة التي تضررت جراء هذا الحادث.

وتابع رئيس مجلس الوزراء حديثه بأن المقاربة التي اعتمدتها الدولة ارتكزت بالأساس على تفعيل منظومة وطنية متكاملة لإدارة الأزمات، وهي المنظومة التي مكنت مؤسسات الدولة والحمد لله من احتواء الموقف والخروج بأقل الأضرار الممكنة، معتبراً أن نجاح الجهود في الحيلولة دون تفاقم التداعيات يعكس توفيقاً وفضلاً كبيراً من الله، مشيراً إلى أن الإجراءات التنفيذية وأعمال الإصلاح الفني في السفينة المتضررة بدأت فوراً لتقييم المدى الزمني الذي ستستغرقه عملية إعادة التأهيل كاملة، موضحاً أنه لحين استعادة الكفاءة التشغيلية لتلك السفينة، فإن الدولة تحوطت مسبقاً بتوفير بدائل استراتيجية عبر سفينة أخرى جرى التعاقد عليها وتجهيزها في ميناء العقبة بالتنسيق والتعاون مع الأشقاء في المملكة الأردنية الهاشمية بميناء العقبة مخصصة لحالات الطوارئ، مستطرداً بأنه تم التواصل الفوري مع وزير الطاقة الأردني لتفعيل تشغيل هذه السفينة وإدماجها في منظومة إمداد الدولة بالطاقة وضمان استدامة تدفقاتها.

كما أشار الدكتور مصطفى مدبولي إلى تشكيل مجموعة عمل أمنية تولت مهام تحديد مسببات الحادث بدقة شديدة؛ حيث جرى التوصل والتحقق من كافة التفاصيل بما لا يدع مجالاً للشك في تمام الساعة الثانية أو الثالثة صباحاً، وذلك عقب صعود الفرق الفنية المختصة إلى متن السفينة وفحصها لمعاينة آثار الطائرة المسيرة وبقاياها، والتي تعكف الأجهزة الأمنية حالياً على تحليلها ودراستها للوقوف بدقة على مصدر انطلاقها.

الدكتور مصطفى مدبول ختم مؤتمره الصحفى بقوله إن هناك تفاصيل كثيرة قد لا يعلمها الكثيرون، ولكن الأهم يكمن في تلك الملحمة الكبيرة التي سطرها شباب مصر الأبطال، والذين خاطر بعضهم بحياته؛ نظراً لأنه كان من الممكن لا قدر الله، في حال خروج الموقف عن السيطرة ومع تلك السرعة، أن تنحرف السفينة أثناء عملية قطْرها.

 

إدارة بعيداً عن صخب السوشيال

نحن أذن كنا أمام منظومة متكاملة من جانب أجهزة ومؤسسات الدولة للتعامل مع الحادث، بعيداً عن صخب السوشيال ميديا وتحليلاتها، وفى نفس الوقت انحازت الدولة إلى خيار المصارحة الكاملة مع الرأي العام، وهو خيارٌ لا يُقدم عليه إلا نظام مؤسسي يمتلك ثقة راسخة في مؤسساته وقدراته، فبدلاً من التكتم أو التأخر في الإعلان – وهو ما اعتادته دول كثيرة في مواقف مماثلة – سارعت الأجهزة المعنية إلى إصدار بيانات متتابعة توضح تفاصيل الواقعة، وطبيعة السفن المتضررة، وحجم الأضرار، والإجراءات المتخذة للسيطرة على الموقف، ولم تكن الشفافية التي انتهجتها الدولة، ترفاً إعلامياً، بل كانت سلاحاً استباقياً في مواجهة موجات التضليل التي حاولت استغلال الحادث لبث الذعر بين المواطنين، والتشكيك في قدرات الدولة، ورسم صورة مغلوطة عن حجم ما جرى، خاصة ان الدولة كانت واضحة في رسالتها، إنها تخضع كل التفاصيل لتقييم وتحليل مركز من جانب كل الأجهزة المعنية، ورفع تقارير دورية عن الحادث إلى القيادة السياسية، لاتخاذ القرار بشأنها، مع الأخذ في الأعتبار حقيقة مهمة، وهى أن مصر لن تُجرّ إلى دائرة الصراع مهما كانت الاستفزازات، ولن تتخلى عن دورها التاريخي في تغليب لغة العقل والحكمة، لكنها في المقابل لن تسمح بأي مساس بأمنها القومي أو بسيادتها على أراضيها ومياهها الإقليمية، وهذه المعادلة التي تربط بين ضبط النفس والحسم، هي جوهر السياسة الخارجية المصرية التي تقوم على التوازن الاستراتيجي، التي وضع أسسها الرئيس السيسى منذ 2014.

في النهاية، يمكن القول أن الدولة لا تُدار بمنطق التريند، ولا تُبنى القرارات على عدد المشاركات والإعجابات، ولا تُحسم الأزمات بما يُكتب على منصات التواصل الاجتماعي، فالدولة التي تنجرف خلف الضجيج، تفقد قدرتها على إدارة الأزمات بعقلانية، بينما الدولة الواثقة من مؤسساتها تدرك أن الحقيقة تحتاج إلى وقت، وأن المعلومة الصحيحة أهم من المعلومة السريعة.

ويبقى هنا سؤال موجه إلى الجميع.. هل نريد دولة تُدير أزماتها وفق ما يتصدر مواقع التواصل، أم دولة تُديرها وفق القانون والحقائق؟.. التجربة تؤكد أن الدول لا تُبنى بالانفعالات، وإنما بالمؤسسات، وأن الحقيقة قد تتأخر قليلًا، لكنها تظل أكثر بقاءً من أي شائعة.

أخبار متعلقة :