نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تعيد الحرب تشكيل التحالفات.. الشرق الأوسط أمام معادلة جديدة, اليوم السبت 8 أغسطس 2026 02:12 مساءً
حين تبدأ الدول في بناء تحالفاتها قبل أن تنتهي الحرب، فاعلم أن ما يجري ليس مجرد معركة.. بل إعادة رسم لقواعد اللعبة.
وفي السابع من أغسطس 2026، وقعت السعودية وتركيا وباكستان اتفاقاً للدفاع المشترك، يقوم على أن أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث ينظر إليه باعتباره هجوماً عليها جميعاً.
وقد يبدو الاتفاق، للوهلة الأولى، مجرد ترتيبات دفاعية بين ثلاث دول تجمعها علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية، لكن قراءة المشهد في سياقه الإقليمي تكشف أن المسألة أكبر من ذلك بكثير.
فنحن أمام السعودية، الدولة المحورية في الخليج وقلب منظومة الطاقة العالمية، وتركيا، القوة الإقليمية الكبرى وعضو حلف شمال الأطلسي وصاحبة صناعة دفاعية متقدمة، وباكستان، الدولة النووية ذات الجيش الكبير والعلاقات العسكرية التاريخية مع دول الخليج.
اجتماع هذه القدرات في إطار دفاعي واحد، وفي هذا التوقيت تحديداً، لا يمكن فصله عن حالة التصعيد التي تعيشها المنطقة، من إيران والحوثيين إلى الصواريخ والمسيرات وتهديد الممرات البحرية والمنشآت الحيوية والقواعد العسكرية.
واللافت أن السعودية لا تبحث فقط عن حليف يستطيع خوض الحرب، وإنما عن رفع تكلفة الحرب عليها. وهنا يظهر مفهوم الردع الجماعي.
فالهدف ليس بالضرورة الدخول في مواجهة، وإنما جعل قرار الاعتداء أكثر كلفة، بحيث يفكر الخصم أكثر من مرة قبل اتخاذه.
وهنا يبرز سؤال أكثر حساسية: هل يعني ظهور هذا التحالف أن الولايات المتحدة أصبحت غير قادرة على حماية حلفائها؟
الإجابة ليست بهذه البساطة، فواشنطن ما زالت تمتلك حضوراً عسكرياً وقدرات متقدمة في المنطقة، لكن الحروب الحديثة أثبتت أن الصواريخ والمسيّرات والهجمات غير المتماثلة تجعل الحماية المطلقة أمراً بالغ الصعوبة.
كما أن الولايات المتحدة تدفع شركاءها إلى تحمل قدر أكبر من مسؤولية أمنهم.
ولا توجد أدلة علنية على أن واشنطن دفعت مباشرة نحو تشكيل التحالف، لكنها قد تستفيد منه، فتعزيز قدرات القوى الإقليمية يخفف أعباء الانتشار الأمريكي، مع بقاء النفوذ والشراكات.
لذلك قد لا يكون التحالف أمريكياً، لكنه بالتأكيد يتقاطع مع المصالح الأمريكية.
أما العلاقة السعودية - الباكستانية، فهي ليست وليدة الأزمة الحالية، بل تمتد لعقود من التعاون السياسي والعسكري.
وفي سبتمبر 2025 وقعت الرياض وإسلام آباد اتفاق دفاع مشترك، ثم ظهرت ترجمة عملية لهذا التعاون في أبريل 2026 مع تعزيز الوجود والتنسيق الجوي الباكستاني في السعودية.
وبالتالي فإن الجديد ليس التقارب السعودي- الباكستاني، وإنما انتقال هذه الشراكة من إطار ثنائي إلى مظلة ثلاثية.
وهنا تظهر تركيا باعتبارها الحلقة الأكثر إثارة في المعادلة، فتركيا ليست دولة خليجية، وإيران ليست عدواً مباشراً لها، بل تجمع أنقرة وطهران علاقات اقتصادية وسياسية وأمنية معقدة.
ومع ذلك، اختارت تركيا الدخول في هذا الترتيب، لأنها لا تريد أن تراقب إعادة تشكيل الشرق الأوسط من الخارج، وإنما تريد أن تكون جزءاً من صناعة النظام الإقليمي القادم.
كما أن القوة العسكرية التركية لم تعد منفصلة عن الاقتصاد، فالصناعات الدفاعية أصبحت إحدى أدوات النفوذ التركي، والسعودية تمثل سوقاً كبيرة وشريكاً اقتصادياً واستثمارياً مهماً.
وهنا تتقاطع السياسة مع الدفاع، والدفاع مع الصناعة، والصناعة مع الاستثمار.
ومن الخطأ، في الوقت نفسه، وصف الاتفاق بأنه تحالف معلن ضد إيران.
فلا الاتفاق يسمي إيران عدواً، ولا العلاقات التركية والباكستانية معها تقوم على العداء المطلق.
لكن السياسة الدولية لا تقرأ فقط من نصوص الاتفاقات، فوجود منظومة دفاع جماعي تضم السعودية وتركيا وباكستان يعني عملياً أن أي تهديد للسعودية سيقرأ من زاوية مختلفة عن السابق، وأن تكلفة التصعيد قد ترتفع بصورة كبيرة.
ولا يمكن فصل ذلك عن الحوثيين وتهديد الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب.
فالحرب الحديثة لم تعد تتوقف عند الحدود، وصاروخ أو مسيّرة أو هجوم على منشأة طاقة أو سفينة يمكن أن يتحول إلى أزمة إقليمية ودولية.
ولذلك أصبح أمن الخليج والبحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس حلقات مترابطة في معادلة واحدة.
وهنا تأتي مصر، التي يرى البعض أنها غابت عن المشهد، بينما الحقيقة أكثر تعقيداً. فالقاهرة لم تغب، بل كانت حاضرة في الإطار السياسي الذي سبق هذا التطور.
ففي 21 يونيو 2026 استضافت القاهرة الاجتماع التشاوري الرابع لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان بدعوة مصرية، كما دعا الرئيس عبد الفتاح السيسي إلى تطوير آلية التشاور بين الدول الأربع إلى إطار مؤسسي أكثر فاعلية.
إذن مصر ليست خارج المعادلة، لكنها لم تدخل التحالف العسكري الثلاثي، وربما يكون ذلك جزءاً من حساباتها.
فالقاهرة تحتاج إلى مساحة حركة أوسع بحكم موقعها ومسؤولياتها في البحر الأحمر وقناة السويس وغزة وليبيا والسودان، وعلاقاتها مع مختلف الأطراف.
ومن ثم فإن عدم الانضمام إلى تحالف عسكري لا يعني الغياب عن صناعة التوازن، بل قد يعني الاحتفاظ بحرية القرار والقدرة على الوساطة والتأثير.
أما إسرائيل، فمن الصعب القول إنها "تبارك" التحالف دون موقف رسمي واضح.
صحيح أن أي ترتيبات إقليمية ترفع الضغط على إيران وتحد من قدرتها على تهديد الخليج قد تخدم مصالح إسرائيلية، لكن ظهور قوة إقليمية مستقلة تضم السعودية وتركيا وباكستان ليس بالضرورة تطوراً مريحاً لها، خصوصاً في ظل التوتر التركي - الإسرائيلي وعدم وجود علاقات دبلوماسية بين باكستان وإسرائيل.
ولذلك فإن الموقف الإسرائيلي أكثر تعقيداً من مجرد التأييد أو الرفض.
أما إيران، فتواجه معادلة جديدة، إذ إن أي تصعيد ضد دولة واحدة قد يضع في الحساب رد فعل أطراف أخرى. لكن الردع سلاح ذو حدين، فقد يمنع الحرب إذا كان واضحاً ومدروساً، وقد يؤدي إلى سباق تسلح وتصعيد إذا أخطأ أحد الأطراف في قراءة نوايا الآخر.
كل هذه القراءات المباشرة تبدو أقل من حجم المشهد.
الأكثر دقة أن نقول إن الشرق الأوسط يدخل مرحلة إعادة توزيع للأدوار.
السعودية تريد حماية أكبر لمصالحها، وتركيا تريد تثبيت موقعها كقوة إقليمية مؤثرة، وباكستان تريد حماية شراكتها مع الخليج، ومصر تريد الحفاظ على دورها المحوري وحرية قرارها، والولايات المتحدة تريد الحفاظ على نفوذها مع تخفيف تكلفة الانتشار، وإيران تريد منع تطويقها، بينما تراقب الصين وروسيا المشهد بحثاً عن فرص جديدة لتوسيع نفوذهما.
لذلك قد لا نكون أمام "ناتو شرق أوسطي" بالمعنى التقليدي، لكننا قد نكون أمام بداية شبكة من التحالفات والشراكات الدفاعية والسياسية والاقتصادية المتقاطعة. وهنا تكمن خطورة اللحظة. فالحروب قد تنتهي، لكن التحالفات التي تولد خلالها قد تبقى لعقود.
ومن ثم فإن السؤال الأهم خلال المرحلة المقبلة ربما لا يكون: هل ستنشب حرب جديدة؟
بل: من سيعيد تشكيل قواعد اللعبة عندما تنتهي الحرب الحالية؟
فما يجري اليوم قد لا يكون مجرد حرب جديدة في الشرق الأوسط.. بل بداية لولادة نظام إقليمي جديد، شرق أوسط قد لا يشبه ذلك الذي دخل هذه الحرب.
اقرأ أيضاً
الاتفاقيات الدفاعية الجزئية في الشرق الأوسط.. هل أصبحت بديلًا لاتفاقية الدفاع العربي المشترك؟«أي اعتداء على دولة هجوم على الجميع».. تفاصيل اتفاقية الدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان
أخبار متعلقة :