جريدة مصرنا

قبل ظهور مصطلح الأمن السيبراني.. كيف رصدت الصحافة العربية الجريمة الحاسوبية عام 1976؟

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قبل ظهور مصطلح الأمن السيبراني.. كيف رصدت الصحافة العربية الجريمة الحاسوبية عام 1976؟, اليوم الجمعة 7 أغسطس 2026 07:13 مساءً

بقلم: سلام الزعبي، باحثة في التاريخ وطالبة دكتوراه في جامعة اليرموك

لا تقتصر قيمة الصحف القديمة على تسجيل الوقائع السياسية والاجتماعية، بل تمتد إلى توثيق الطريقة التي فهم بها الناس التحولات العلمية والتقنية عند بداياتها. فاللغة التي استخدمتها الصحافة، والأسئلة التي طرحتها، والمخاوف التي نقلتها، تكشف جميعها كيف استقبل المجتمع ظاهرة جديدة قبل أن تستقر مفاهيمها ومصطلحاتها.

ومن الأمثلة اللافتة مادة نشرتها جريدة “الرأي” الأردنية في عددها رقم (1924)، الصادر في 18 ديسمبر/ كانون الأول عام 1976، تحت عنوان: “أحدث أنواع اللصوصية: السرقة بواسطة العقل الإلكتروني”. وقد ظهرت المادة في وقت كان فيه الحاسوب جهازًا ضخمًا يتركز استخدامه في المؤسسات والبنوك ومراكز الأبحاث، ولم تكن شبكة الإنترنت قد دخلت الحياة اليومية، كما لم تكن البيانات الرقمية قد أصبحت جزءًا من تفاصيل حياة الأفراد.

كانت الصحافة العربية تستخدم آنذاك تعبير “العقل الإلكتروني” للإشارة إلى الحاسوب. ولا يعكس هذا التعبير نقصًا في المعرفة بقدر ما يكشف نظرة ذلك العصر إلى الجهاز الجديد؛ فقد بدا الحاسوب آلة تتجاوز وظيفة الحساب العادي، وتملك قدرة غير مألوفة على حفظ المعلومات واستعادتها وتنظيم العمليات المالية والإدارية.

لكن المادة المنشورة لم تقدم الحاسوب بوصفه رمزًا للتقدم فقط، بل التفتت إلى الوجه الآخر لاستخدامه. فقد تحدثت عن تنامي اختلاس الأموال بوساطة الحاسوب في الولايات المتحدة، وعن صعوبة اكتشاف هذا النوع من الجرائم، وحاجة المؤسسات إلى تطوير وسائل حماية لا تكتفي بأساليب الرقابة التقليدية.

وأشارت إلى أن مؤسسة “بينكرتون”، المعروفة بأعمال التحقيق، أنشأت قسمًا متخصصًا لمساعدة الشركات على دراسة برامجها، مع اهتمام خاص بالبنوك وشركات التأمين. كما تحدثت عن مراقبة الموظفين الذين يزودون الأنظمة بالمعلومات المالية، في إدراك مبكر لحقيقة ما تزال قائمة حتى اليوم: قد يأتي الخطر من داخل المؤسسة، ومن شخص يمتلك صلاحية الوصول إلى النظام ويعرف آلية عمله.

وتكشف الأمثلة الواردة في المادة مدى تقدم النقاش في ذلك الوقت؛ فقد عرضت حالات حدث فيها التلاعب بالبرامج لتحويل أموال إلى حسابات شركات وهمية، ومحاولات للوصول إلى المعلومات المخزنة لدى الشركات المنافسة، فضلًا عن التخريب والابتزاز باستخدام الأنظمة الإلكترونية. وهي أنماط تندرج اليوم تحت مسميات الاحتيال الرقمي وسرقة البيانات والتجسس الإلكتروني والتهديدات الداخلية.

واستندت المادة إلى الباحث دون باركر، العامل آنذاك في معهد ستانفورد للأبحاث، الذي أصدر سنة 1976 كتابه “الجريمة بواسطة الحاسوب”. وكان باركر من أوائل الباحثين الذين درسوا إساءة استخدام الأنظمة الحاسوبية من منظور يتجاوز الجانب التقني إلى الأبعاد القانونية والأخلاقية والإدارية. ونقلت المادة عنه تقديرًا بأن الشركات التي كانت تسجل عملياتها إلكترونيًا تخسر قرابة ثلاثمائة مليون دولار سنويًا.

لا يجوز، من الناحية التاريخية، القول إن المادة تحدثت عن “الأمن السيبراني” بصورته المعاصرة؛ فهي لم تستخدم هذا المصطلح، كما أن المجال نفسه لم يكن قد استقر بعد ضمن حدوده الحالية. لكنها ناقشت عددًا من القضايا التي أصبحت لاحقًا في صميمه، مثل حماية البيانات والبرامج، وضبط صلاحيات الدخول، ومراقبة العاملين على الأنظمة، ومنع التلاعب بالمعلومات والتصدي للتخريب والابتزاز.

لقد ظهرت المشكلة قبل أن يستقر الاسم الذي يعبّر عنها. وهذه مسألة تتكرر في التاريخ؛ فالتحولات الكبرى تبدأ عادةً في صورة وقائع متناثرة، ثم تأتي المصطلحات والتشريعات والمؤسسات لاحقًا لتجمعها ضمن مفهوم محدد.

أحدث الحاسوب أيضًا تحولًا في معنى السرقة نفسها. ففي صورتها التقليدية، كانت السرقة ترتبط بشيء مادي يُنتزع من صاحبه، وبمكان يُقتحم، وأثر يمكن معاينته. أما الجريمة الحاسوبية فأتاحت نقل المال من دون حمله، ونسخ المعلومات مع بقاء الوثيقة الأصلية، والتلاعب بالسجلات من دون كسر باب أو فتح خزينة.

وبذلك لم يتغير أسلوب تنفيذ الجريمة فقط، بل تغير موضوعها ومكانها وأدلتها. أصبح المسروق معلومة أو رقمًا أو هوية أو صلاحية دخول، وأصبحت المعرفة التقنية بديلًا من القوة الجسدية، فيما انتقلت مسرح الجريمة من المكان المادي إلى النظام المعلوماتي.

وبعد نصف قرن، اتسع هذا التحول بصورة لم يكن قارئ عام 1976 قادرًا على تصورها. ووفق تقرير مركز شكاوى جرائم الإنترنت التابع لمكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي، فقد تجاوزت الخسائر المبلّغ عنها خلال عام 2025 عشرين مليار دولار. كما دخل الذكاء الاصطناعي إلى مجال الاحتيال، فأصبح من الممكن تقليد الأصوات، وإنشاء الصور والوجوه المزيفة، وصياغة رسائل احتيالية أكثر قدرة على إقناع الضحايا.

وهنا تظهر مرحلة جديدة في تاريخ الجريمة الرقمية. كان التلاعب في السبعينيات يستهدف الحاسوب ونظامه، أما كثير من عمليات الاحتيال المعاصرة فتستهدف الإنسان من خلال الحاسوب؛ إذ لا يحتاج المجرم دائمًا إلى اختراق برنامج شديد التعقيد، بل قد يكتفي بإقناع الضحية بالكشف عن معلوماتها أو تحويل أموالها.

إن العودة إلى هذه المادة لا تهدف إلى وصفها بالنبوءة، بل إلى إبراز قدرة الصحافة على التقاط التحولات وهي لا تزال في بداياتها. فما بدا سنة 1976 نوعًا حديثًا وغريبًا من اللصوصية، أصبح لاحقًا مجالًا أمنيًا وقانونيًا عالميًا.

ومن “العقل الإلكتروني” إلى الذكاء الاصطناعي، انتقل اللص من البحث عن مفتاح الخزينة إلى البحث عن كلمة المرور، ثم إلى محاولة اختراق ثقة الإنسان بما يراه ويسمعه. وبين الماضي والحاضر يبقى السؤال قائمًا: هل تطورت قدرتنا على حماية الإنسان بالسرعة نفسها التي تطورت بها الأدوات القادرة على خداعه؟

المصادر

  1. جريدة “الرأي”، العدد 1924، 18 كانون الأول 1976، ص14. 
  2. دون باركر، Crime by Computer، 1976: أرشيف الإنترنت
  3. توثيق إسهامات دون باركر: IEEE Computer Society
  4. تقرير مركز شكاوى جرائم الإنترنت لعام 2025
  5. تقرير الإنتربول عن تطور الاحتيال المدعوم بالذكاء الاصطناعي، 2026

نسخ الرابط تم نسخ الرابط

أخبار متعلقة :