نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"المستقبل يصنعه سواعد شعب يلتف حول دولته".. كيف حافظت مصر على أمنها وسيادتها وقوتها؟, اليوم السبت 11 يوليو 2026 10:08 مساءً
توسيع مفهوم الأمن القومي ليشمل منظومة متكاملة من الأمن والسيادة والاستقرار والتنمية والوعي الشعبي
التماسك الوطني خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات والأزمات.. وتنفيذ المشروعات الضخمة يحمى الوطن
لم تكن كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، خلال افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة "الأوكتاجون"، مجرد كلمات بروتوكولية ارتبطت بتدشين أحد أكبر الصروح العسكرية في المنطقة العربية والشرق الأوسط، وإنما حملت رؤية متكاملة لمفهوم الدولة الحديثة، وقدمت مجموعة من الرسائل السياسية والوطنية التي تتجاوز حدود المناسبة نفسها، لتؤكد أن قوة الدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من إمكانات عسكرية، وإنما بما تتمتع به من تماسك داخلي، وإرادة شعبية، وقدرة على حماية سيادتها، واستمرارها في تحقيق التنمية رغم ما يحيط بها من تحديات جسام.
وجاء توقيت الكلمة ليضفي عليها بعد إضافي، إذ تزامنت مع ذكرى ثورة 30 يونيو، وهي المناسبة التي تمثل محطة فارقة في التاريخ المصري الحديث، باعتبارها لحظة استعادة الدولة الوطنية، وترسيخ إرادة الشعب في تقرير مستقبله، وهو ما منح الرسائل التي تضمنتها الكلمة دلالات سياسية ووطنية عميقة، ربطت بين الماضي والحاضر، وبين الحفاظ على الدولة واستكمال مشروع بنائها والعبور بها نحو الجمهورية الجديدة.
ولعل أبرز ما يميز كلمة الرئيس السيسي، أنها لم تتناول الأمن القومي باعتباره مفهوم عسكري بحت، وإنما قدمته باعتباره منظومة متكاملة تتداخل فيها عناصر الأمن والسيادة والاستقرار والتنمية والوعي الشعبي، بما يعكس رؤية شاملة تعتبر أن حماية الوطن تبدأ من صون إرادة مواطنيه، وتمتد إلى حفظ حدوده ومقدراته، وصولا إلى بناء اقتصاد قوي ودولة قادرة على مواجهة الأزمات والمتغيرات الإقليمية والدولية، ففي ظل ما تشهده المنطقة من اضطرابات وصراعات ممتدة، اكتسبت هذه الرسائل أهمية خاصة، إذ أكدت أن الدولة المصرية تنطلق في سياساتها من ثوابت واضحة، تقوم على حفاظ الأمن القومي، واحترام سيادة الدول، والتمسك بالسلام باعتباره خيار استراتيجي، مع امتلاك القدرة الكاملة على حماية الأرض، والدفاع عن الحقوق إذا اقتضت الضرورة، كما عكست الكلمة، رؤية تؤكد أن التنمية ليست مشروع اقتصادي منفصل عن الأمن، بل هي أحد أهم أدوات تعزيز الاستقرار، وأن بناء المدن الجديدة، وتطوير البنية الأساسية، وإقامة المشروعات القومية، وتحديث مؤسسات الدولة، كلها تمثل ركائز للأمن القومي، لا تقل أهمية عن امتلاك القوة العسكرية، لأن الدولة القوية هي التي تستطيع الجمع بين القدرة على الدفاع عن نفسها، والاستطاعة على توفير حياة كريمة لمواطنيها.
ويمكن قراءة كلمة الرئيس السيسى، باعتبارها وثيقة سياسية تعكس فلسفة الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة، وهي الفلسفة التي تربط بين صلابة الدولة وقوة المجتمع، وبين حماية الحدود وتحقيق التنمية، وبين امتلاك وسائل الردع والالتزام بخيار السلام، وهي معادلة أصبحت تمثل أحد أهم ملامح السياسة المصرية في الداخل والخارج، لذا فقد احتل الأمن القومي مساحة واسعة من كلمة الرئيس، وهو أمر يعكس إدراك الدولة لحجم المتغيرات التي يشهدها الإقليم، فخلال السنوات الماضية أصبحت المنطقة مسرح لأزمات متلاحقة، وصراعات ممتدة، وتهديدات غير تقليدية، لم تعد تقتصر على الحروب العسكرية التقليدية، وإنما امتدت إلى الإرهاب والجريمة المنظمة، والهجمات السيبرانية ومحاولات زعزعة الاستقرار الداخلي، والحروب الإعلامية، فضلا عن التحديات الاقتصادية التي باتت تؤثر بصورة مباشرة في استقرار الدول، ومن هنا جاء تأكيد الدولة المصرية بأن مفهوم الأمن القومي، لم يعد يقتصر على حماية الحدود وحسب، وإنما أصبح يشمل حماية الدولة بكل مؤسساتها، وصيانة مقدراتها الاقتصادية، والحفاظ على وحدتها الوطنية، وتأمين مواردها الاستراتيجية، وتعزيز قدرتها على مواجهة الأزمات، وهو ما يفسر حجم الجهود التي بذلتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، لتطوير قدراتها الدفاعية، بالتوازي مع تنفيذ خطط تنموية واسعة في مختلف القطاعات.
وتبرز أهمية هذا المفهوم، في أن الدولة المصرية لا تنظر إلى القوة العسكرية، باعتبارها هدف في حد ذاته، وإنما كونها وسيلة لحماية السلام والاستقرار، فامتلاك القدرة على الردع يسهم في منع الصراعات قبل وقوعها، ويمنح الدولة مساحة أكبر للتحرك السياسي والدبلوماسي، ويعزز قدرتها على الدفاع عن مصالحها الوطنية، في بيئة إقليمية تتسم بدرجة كبيرة من التعقيد، وهو ما أكده الرئيس السيسي، في رسالة واضحة ومباشرة، بأن حماية الأوطان مسؤولية لا تحتمل التهاون، وهي رسالة لا تقتصر على المؤسسات العسكرية وحدها، وإنما تمتد إلى المجتمع بأكمله، لأن الأمن القومي في مفهوم الدولة الحديثة مسؤولية مشتركة، تبدأ من وعي المواطن، وتمر بكفاءة مؤسسات الدولة، وتنتهي بقدرتها على اتخاذ القرار الذي يحافظ على مصالحها الاستراتيجية، فلا يمكن فصل الحديث عن الأمن القومي عن قضية السيادة الوطنية، التي مثلت أحد المحاور الرئيسية في كلمة الرئيس، إذ أكد أن حدود مصر تمثل خط أحمر، وأن الدولة لن تسمح بالمساس بأمنها أو سيادتها أو مقدرات شعبها، وهي رسالة تحمل أبعاد تتجاوز مجرد التأكيد على حماية الحدود، لتؤكد أن الدولة المصرية ترفض أي محاولة للتدخل في شؤونها، أو التأثير على قرارها الوطني، أو فرض واقع يتعارض مع مصالحها العليا.
وتعد السيادة الوطنية أحد أهم أسس الدولة الحديثة، لأنها تعني امتلاك القرار الوطني المستقل، والقدرة على إدارة الموارد وحماية الأرض، والدفاع عن الحقوق، واتخاذ المواقف التي تحقق مصالح الشعب دون ضغوط أو إملاءات، وهو ما يجعل التأكيد المتكرر على السيادة يعكس حرص الدولة على ترسيخ مفهوم الاستقلال الوطني في مختلف الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلا عن أن ذكر السيادة في هذا التوقيت، يرتبط بما تشهده المنطقة من تحولات متسارعة، فرضت على العديد من الدول تحديات غير مسبوقة، سواء فيما يتعلق بأمن الحدود، أو بقضايا الهجرة غير الشرعية، أو مكافحة الإرهاب أو النزاعات الإقليمية، وهو ما يجعل الحفاظ على القرار الوطني المستقل، أحد أهم عناصر حماية الدولة في مواجهة هذه المتغيرات، ولعل الرئيس السيسي، حرص على التأكيد أن تمسك مصر بسيادتها، لا يتعارض مع حرصها على السلام، وهو ما يعكس معادلة متوازنة تجمع بين القوة والحكمة، فالسلام بالنسبة للدولة المصرية ليس تعبير عن الضعف، وإنما هو خيار استراتيجي تتبناه دولة تمتلك من القدرات ما يمكنها من حماية مصالحها، وفي الوقت نفسه تؤمن بأن الاستقرار الإقليمي لا يتحقق إلا بالحوار واحترام القانون الدولي وحقوق الشعوب.
لم يكن اختيار الرئيس، للتزامن بين افتتاح "الأوكتاجون" وذكرى ثورة 30 يونيو، أمر عابر، بل حمل دلالة سياسية واضحة، تشير بحسم، إلى أن قوة الدولة المصرية لم تبدأ بتطوير قدراتها العسكرية أو تنفيذ مشروعاتها القومية، وإنما بدأت أولا بإرادة شعب قرر الدفاع عن دولته واستعادة مؤسساتها، فالدول لا تنهض بالسلاح وحده، كما أنها لا تبنى بالمشروعات فقط، وإنما تستند في الأساس إلى وجود شعب يدرك قيمة وطنه، ويتمسك بهويته، ويقف خلف مؤسساته في اللحظات الفاصلة، حيث استحضرت كلمة الرئيس ثورة 30 يونيو، باعتبارها لحظة فارقة في التاريخ المصري الحديث، حين خرج ملايين المصريين للتعبير عن إرادتهم في الحفاظ على الدولة الوطنية، ورفض مسار رأوا أنه يقود البلاد إلى الفوضى والانقسام، كما لم يكن هذا الاستحضار بهدف استعادة أحداث الماضي، وإنما لتأكيد أن الإرادة الشعبية كانت وما زالت أحد أهم مصادر قوة الدولة المصرية، وأن العلاقة بين الشعب والدولة تمثل حجر الأساس لأي مشروع وطني يسعى إلى تحقيق الاستقرار والتنمية، فالدولة القوية لا تقوم فقط على مؤسسات فعالة، وإنما أيضا تقوم على ثقة متبادلة بين القيادة والشعب، وكذلك من خلال شعور المواطنين بأن الحفاظ على الدولة مسؤولية جماعية، وليست واجب مؤسسة بعينها، وهو ما عكسته الكلمة عندما قدمت الشعب باعتباره الشريك الأول في حماية الوطن، وليس مجرد متلق لنتائج السياسات العامة.
ومما لا شك فيه، فالتجارب التاريخية، تؤكد أن الدول التي تتمتع بجبهة داخلية متماسكة، تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، مهما بلغت التحديات الخارجية، فالتماسك الوطني يمنح الدولة قوة تفاوضية، ويعزز قدرتها على تجاوز الضغوط، ويقلل من فرص استغلال الأزمات لإضعافها أو التأثير على قرارها الوطني، ولذلك جاءت الإشارة إلى وعي الشعب المصري، باعتبارها رسالة تؤكد أن هذا الوعي يمثل أحد أهم عناصر الأمن القومي، كذلك حملت إشادة بالشعب المصري، تقدير لدوره في تحمل أعباء المرحلة الماضية، سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو الأمني، حيث شهدت مصر خلال السنوات الأخيرة، تنفيذ برنامج واسع للإصلاح الاقتصادي، إلى جانب مواجهة تحديات إقليمية غير مسبوقة، ومع ذلك حافظت الدولة على تماسكها، وهو ما يعكس قدرة المجتمع على استيعاب التحديات، عندما تتوافر لديه الثقة في مستقبل بلاده، لذا فإن الربط بين ثورة 30 يونيو، وافتتاح "الأوكتاجون" يعكس فكرة محورية، وهي أن بناء القوة العسكرية وتحديث مؤسسات الدولة، جاء استكمال لمسار بدأ بإرادة شعبية، وأن الحفاظ على هذه المكتسبات، يتطلب استمرار هذا التلاحم بين الشعب ومؤسسات الدولة، باعتباره الضمانة الحقيقية لاستمرار الاستقرار، كذلك يبرز دور القوات المسلحة باعتبارها أحد الأعمدة الرئيسية، التي استندت إليها الدولة في الحفاظ على أمنها واستقرارها، خاصة أن كلمة الرئيس، أكدت المكانة التي يحتلها جيش مصر في منظومة الأمن القومي، ليس فقط باعتباره مؤسسة دفاعية تحمي الحدود، وإنما أحد ركائز الدولة الوطنية، التي تولت أدوار متعددة خلال السنوات الماضية، سواء في مواجهة الإرهاب أو دعم جهود التنمية، أو الحفاظ على استقرار البلاد خلال فترات دقيقة من تاريخها.
وحمل افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة "الأوكتاجون"، دلالة تتجاوز الجانب الإنشائي، فهو يعكس استمرار عملية تطوير البنية العسكرية للدولة، بما يتواكب مع طبيعة التحديات الحديثة، ويؤكد أن تحديث القدرات الدفاعية يمثل خيار استراتيجي، يهدف إلى تعزيز القدرة على حماية الأمن القومي، وليس إلى الدخول في صراعات أو سباقات تسلح، كذلك أن تطوير المؤسسات العسكرية، لا ينفصل عن التطور التكنولوجي الذي يشهده العالم، حيث أصبحت إدارة العمليات العسكرية تعتمد على منظومات قيادة وسيطرة متقدمة، وتوظيف التكنولوجيا الحديثة في جمع المعلومات، واتخاذ القرار والتنسيق بين مختلف الأفرع، وهو ما يجعل الاستثمار في هذه القدرات ضرورة تفرضها طبيعة العصر، بينما الرسالة الأهم التي حملتها الكلمة، هي أن امتلاك القوة لا يعني السعي إلى استخدامها، وإنما القدرة التي تمنع الآخرين من التفكير في الاعتداء أو فرض الأمر الواقع، فالقوة بمفهوم الدولة المصرية هي قوة ردع، هدفها الأساسي حماية السلام، والحفاظ على الاستقرار وصون مقدرات الدولة.
التمسك بالسلام
ومن هنا جاء تأكيد الرئيس السيسي، أن مصر تتمسك بالسلام مع من يريد السلام، وهي عبارة تختصر فلسفة السياسة المصرية، في التعامل مع القضايا الإقليمية، حيث تقوم على تفضيل الحلول السياسية، وتشجيع الحوار واحترام سيادة الدول، مع الاحتفاظ الكامل بحق الدفاع عن الأمن القومي إذا تعرض لأي تهديد، وفهذه المعادلة بين السلام والردع تمثل إحدى السمات الرئيسية للسياسة المصرية، خلال السنوات الأخيرة، فمن ناحية، تحرص مصر على القيام بدور فاعل في جهود الوساطة واحتواء الأزمات، ومن ناحية أخرى، تعمل باستمرار على تطوير قدراتها بما يضمن حماية مصالحها الاستراتيجية، وهو ما يمنحها قدر أكبر من الاستقلالية في اتخاذ القرار، وهو الأمر الذي يمكن معه الحديث عن التنمية، لأن التجربة المصرية خلال العقد الأخير، قامت على فكرة أساسية، اختصرتها في أن الأمن والتنمية وجهان لعملة واحدة، فالدولة التي تعجز عن توفير فرص العمل، وتحسين الخدمات وتطوير البنية الأساسية، تظل معرضة لمختلف صور التهديد، حتى وإن امتلكت قدرات عسكرية كبيرة، ومن هنا، جاء تجديد الرئيس السيسي، العهد باستكمال مسيرة البناء والتنمية، باعتباره تأكيد على أن مشروع الدولة المصرية لا يتوقف عند حماية الحدود، وإنما يمتد إلى بناء الإنسان، وتحسين جودة الحياة، وتطوير الاقتصاد، وإقامة بنية تحتية قادرة على استيعاب متطلبات المستقبل، حيث شهدت مصر خلال السنوات الماضية، تنفيذ مشروعات ضخمة في مجالات النقل والطاقة والإسكان، والزراعة والصناعة والتحول الرقمي، والتعليم والرعاية الصحية، وهي مشروعات لا يمكن النظر إليها باعتبارها إنجازات اقتصادية فقط، بل أيضا باعتبارها استثمارات مباشرة في الأمن القومي، لأنها تعزز قدرة الدولة على الصمود، وتوفر بيئة أكثر استقرار للمجتمع، وتفتح أفاق جديدة للنمو، فضلا عن أن التنمية تسهم في معالجة العديد من الأسباب التي تستغلها الجماعات المتطرفة أو القوى المعادية لزعزعة استقرار الدول، مثل البطالة وضعف الخدمات والتفاوت التنموي، ومن ثم، فإن الاستثمار في التنمية يصبح أحد أهم أدوات الوقاية من المخاطر المستقبلية، وليس مجرد وسيلة لتحقيق النمو الاقتصادي، وهو ما يجعل الرسالة التي حملتها كلمة الرئيس السيسي، أكثر شمولا، فهي لم تفصل بين جندي يحرس الحدود، وعامل يبني مصنع، ومهندس يشيد طريق ومعلم يصنع أجيال المستقبل، وطبيب يحافظ على صحة المواطنين، فجميعهم، كل بموقعه، يشاركون في بناء قوة الدولة، وتعزيز أمنها واستقرارها.
العلاقة بين الأمن والتنمية
وإذا كانت التنمية تمثل أحد أعمدة الأمن القومي، فإن انعكاسها المباشر يظهر في قدرتها على توفير بيئة مستقرة، تشجع على الاستثمار والإنتاج وزيادة فرص العمل، فالمستثمر سواء كان محلي أو أجنبي، يبحث في المقام الأول عن دولة مستقرة سياسيا وأمنيا، تمتلك مؤسسات قوية وقوانين واضحة، وبنية تحتية حديثة وقدرة على حماية الاستثمارات، لذا فإن العلاقة بين الأمن والتنمية ليست علاقة نظرية، وإنما عملية تؤثر بصورة مباشرة، في مستقبل الاقتصاد الوطني، إذ أدركت الدولة المصرية مبكرا، أن بناء اقتصاد قوي، لا يتحقق بمعزل عن توفير الأمن والاستقرار، ولذلك سارت عملية تطوير القوات المسلحة جنب إلى جنب، مع تنفيذ المشروعات القومية الكبرى وإصلاح البنية الاقتصادية، وتحديث شبكات الطرق والموانئ وتطوير قطاعي الطاقة والصناعة، باعتبار أن هذه العناصر جميعا تشكل منظومة واحدة، هدفها تعزيز قدرة الدولة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، فقد أكدت التجارب الدولية، أن الدول التي نجحت في تحقيق معدلات نمو مرتفعة، هي نفسها الأمم التي استطاعت توفير بيئة مستقرة، تحمي الاستثمارات، وتضمن استمرار الإنتاج، وتوفر الثقة في المستقبل، ومن ثم، فإن الأمن القومي لا يقتصر على حماية الحدود، بل يمتد إلى صون الاقتصاد الوطني، وتأمين سلاسل الإمداد، والحفاظ على الموارد الاستراتيجية، وتعزيز قدرة الدولة على مواجهة الأزمات الاقتصادية العالمية.، وهو الأمر الذي يمكن معه فهم تأكيد الرئيس السيسي، على استمرار مسيرة البناء والتنمية، باعتبارها خيار استراتيجي لا رجعة فيه، لأن التوقف يعني إتاحة الفرصة لظهور تحديات جديدة، بينما استمرار التنمية يعزز قدرة الدولة على تحقيق الاستقرار، وتحسين مستوى معيشة المواطنين، وهو ما ينعكس في النهاية على قوة الدولة ومكانتها.
وفي الوقت ذاته، حملت كلمة الرئيس السيسي، رسالة واضحة بشأن طبيعة الدور المصري في محيطه الإقليمي، حيث أكد أن التمسك بالسلام مع من يريد السلام، وهي قطعا، رسالة تعكس نهج ثابت في السياسة الخارجية المصرية، يقوم على تغليب الحلول السياسية، ودعم جهود التسوية، والعمل على منع اتساع نطاق الصراعات في المنطقة، فخلال السنوات الماضية، لعبت مصر دور محوري في العديد من الملفات الإقليمية، انطلاقا من قناعة راسخة بأن استقرار المنطقة ينعكس بصورة مباشرة، على الأمن القومي المصري، وأن الحوار يظل الخيار الأفضل، لتسوية النزاعات، متى توافرت الإرادة السياسية لدى الأطراف المختلفة، إلا أن الدعوة إلى السلام، كما أوضحت الكلمة، لا تعني التخلي عن القدرة على حماية الحقوق أو الدفاع عن السيادة، فالدولة التي تنشد السلام الحقيقي، تمتلك من عناصر القوة ما يجعلها قادرة على حماية مصالحها، لأن السلام القائم على الضعف يظل هش، بينما المدعوم بالقوة، يكون أكثر قدرة على الاستمرار، خاصة أن هذه الرؤية تعكس معادلة متوازنة، تجمع بين الحكمة والحسم، فلا اندفاع نحو الصراع، ولا تهاون في الدفاع عن الوطن، وإنما التزام بمبادئ القانون الدولي، مع استعداد كامل لحماية الأمن القومي، إذا اقتضت الظروف ذلك، وهي معادلة تمنح السياسة المصرية قدر من الاتزان في التعامل مع الأزمات، وتجعلها قادرة على الحفاظ على مصالحها، وفي الوقت نفسه دعم جهود الاستقرار الإقليمي.
بناء مستمر
ومن الرسائل المهمة، التي يمكن استخلاصها من كلمة الرئيس أيضا، أن بناء الدولة الحديثة ليس مشروع مؤقتا، يرتبط بمرحلة زمنية بعينها، وإنما هو عملية مستمرة تتطلب العمل المتواصل، والتطوير الدائم ومواكبة المتغيرات العالمية، فالدول التي تتوقف عن التطور تتراجع تدريجيا، بينما الدول التي تستثمر في الإنسان والعلم والتكنولوجيا والبنية الأساسية، تصبح أكثر قدرة على المنافسة وحماية مكتسباتها، لذا جاء تجديد العهد باستكمال مسيرة البناء، ليؤكد أن الجمهورية الجديدة، ليست مجرد مشروعات عمرانية أو منشآت حديثة، وإنما رؤية متكاملة تهدف إلى بناء دولة قوية بمؤسساتها، واقتصادها وقدراتها الدفاعية ورأس مالها البشري، بحيث تصبح أكثر قدرة على التعامل مع تحديات المستقب، كذلك فإن الحديث عن الدولة الحديثة، يرتبط بتطوير الإدارة والتحول الرقمي، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وتحسين الخدمات العامة، وتوسيع قاعدة المشاركة في عملية التنمية، وهي جميعها عناصر تسهم في رفع كفاءة الدولة، وتعزيز ثقة المواطنين في مؤسساتها، وترسيخ الاستقرار على المدى الطويل، وهو ما يبرز معه أهمية العنصر البشري باعتباره الثروة الحقيقية لأي دولة، فالقوات المسلحة مهما بلغت قوتها، والمشروعات مهما بلغ حجمها، لا تحقق أهدافها دون وجود مواطن واعٍ، يدرك مسؤوليته تجاه وطنه، ويشارك في عملية البناء، ويحافظ على مقدرات بلاده، ويرفض محاولات بث الفوضى أو نشر الشائعات أو التشكيك في مؤسسات الدولة، ولذلك، فإن وعي المجتمع يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن القومي، لأنه يحصن الدولة من محاولات الاستهداف غير التقليدية، التي أصبحت تعتمد على التأثير في الرأي العام، وإثارة الانقسامات ونشر المعلومات المضللة، وهي تحديات لا تقل خطورة عن التهديدات العسكرية التقليدية، لذا فإن الرسالة التي حملتها كلمة الرئيس السيسي، لم تكن موجهة إلى مؤسسة بعينها، وإنما لجميع المصريين، لتؤكد أن الحفاظ على الدولة مسؤولية جماعية، وأن كل مواطن في موقعه، يسهم في حماية وطنه سواء بالإنتاج، أو بالعمل أو بالالتزام بالقانون، أو بالحفاظ على مؤسسات الدولة، أو بالمشاركة الإيجابية في مسيرة التنمية.
إن قراءة كلمة الرئيس في افتتاح "الأوكتاجون"، تكشف عن رؤية متكاملة تعتبر أن عناصر القوة الحقيقية للدولة، لا يمكن تجزئتها، فالأمن القومي لا ينفصل عن التنمية، والسيادة لا تتحقق دون امتلاك القدرة على حمايتها، والقوة العسكرية لا تؤدي دورها الكامل، إلا إذا استندت إلى اقتصاد قوي، ومجتمع متماسك وإرادة شعبية واعية، وهي رؤية تضع الإنسان والدولة في معادلة واحدة، باعتبار أن حماية الوطن تبدأ من وعي مواطنيه، وتمتد إلى مؤسساته، وتنتهي بقدرته على مواصلة البناء في مختلف المجالات، إذ تؤكد هذه الرؤية أيضا، أن التجربة المصرية خلال السنوات الماضية، تأسست على مبدأ التوازن بين متطلبات الأمن واحتياجات التنمية، وامتلاك القوة والتمسك بالسلام، وحماية السيادة والانفتاح على التعاون مع مختلف الدول، وهذا التوازن هو الذي منح الدولة المصرية قدرة أكبر على مواجهة الأزمات الإقليمية والدولية، والحفاظ على استقرارها في محيط يشهد تحولات متسارعة.
ومما لا شك فيه، يمكن القول أن الرسالة الأساسية التي حملتها كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، تتجاوز حدود مناسبة افتتاح مقر القيادة الاستراتيجية الجديدة، لتقدم تصور متكاملا لمقومات الدولة القوية في عالم شديد الاضطراب، فالأمن القومي والسيادة الوطنية، والتنمية المستدامة وإرادة الشعب، ليست عناوين منفصلة، وإنما حلقات مترابطة في منظومة واحدة، يكتمل كل منها بالآخر، وكلما ازدادت قدرة الدولة المصرية على تحقيق هذا التوازن، ازدادت قدرتها على حماية حاضرها وصناعة مستقبلها، والحفاظ على مكانتها بين الأمم، وقطعا، إنها رسالة تؤكد على أن قوة مصر، لم تكن يوما في عنصر واحد، بل بتماسك شعبها وصلابة مؤسساتها، ووعي قيادتها، وإيمانها الدائم بأن بناء الأوطان وحمايتها مسؤولية مستمرة، لا تعرف التراجع، وأن المستقبل يصنعه سواعد شعب يلتف حول دولته، ويثق في قدرته على تجاوز التحديات، والمضي قدما في طريق البناء والتنمية والاستقرار.
أخبار متعلقة :