نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بوسحابة يكتب: بيان "أسطول الصمود" يفضح توظيف القضية الفلسطينية للنيل من الوحدة الترابية للمغرب, اليوم الأربعاء 5 أغسطس 2026 06:25 مساءً
يبدو أن البيان الأخير الصادر عن حركة “أسطول الصمود” لم ينهِ الجدل الذي فجّره سحب محتوى يتضمن مواقف معادية للوحدة الترابية للمغرب، بقدر ما كشف حجم الإحراج الذي وجدت الحركة نفسها فيه، بعدما تحوّل السؤال من مجرد منشور جرى حذفه إلى قضية أكبر تتعلق بهوية الحركة ومواقف بعض مكوناتها وحدود ما تعتبره “اختلافًا في الرأي”.
فالمسألة اليوم لم تعد: لماذا تم حذف ذلك المحتوى؟ بل أصبحت: كيف يمكن لحركة تطلب دعم المغاربة وتستفيد من تعاطفهم، أن تسمح أصلًا بوجود خطاب يعتبر المساس بوحدة بلدهم موقفًا مشروعًا أو موضوعًا قابلًا للنقاش؟ والأخطر من ذلك، لماذا احتاجت الحركة إلى إصدار بيان لتوضيح موقفها بعدما كان الأولى بها أن يكون احترام الوحدة الترابية للمغرب أمرًا محسومًا لا يحتاج إلى أي توضيح أو مراجعة أو “احتواء”؟
هنا تحديدًا يسقط القناع عن محاولة اختزال القضية في “سوء فهم” أو “موقف فردي” أو محتوى جرى سحبه. لأن المشكلة الحقيقية لا تكمن في منشور اختفى من منصات التواصل، وإنما في الفكرة التي سمحت بظهوره أصلًا داخل فضاء يفترض أنه يطلب التضامن والدعم من المغاربة. فالقضايا السيادية لا تصبح قابلة للتفاوض لمجرد أن أصحابها يرفعون راية قضية عادلة أخرى.
والسؤال الأكثر إحراجًا ينبغي أن يوجَّه اليوم إلى المغاربة الذين ساندوا “أسطول الصمود”: هل كنتم ستقبلون الأمر نفسه لو تعلق الأمر بدولة أخرى؟ وهل كنتم ستعتبرون أن وجود أصوات داخل الحركة تدعو إلى تقسيم بلد عربي آخر مجرد “اختلاف في الرأي”، أم أنكم كنتم ستصفقون للحركة وهي تعلن بوضوح أن وحدة ذلك البلد خط أحمر؟
إذا كان الجواب واضحًا في الحالة الثانية، فلماذا يُطلب من المغربي أن يكون أكثر تسامحًا عندما يتعلق الأمر بوطنه؟
الأكثر إثارة للاستغراب أن بعض المدافعين عن الحركة قد يجدون أنفسهم مضطرين اليوم إلى ممارسة نوع من “الرقابة الانتقائية” على مواقفهم: التضامن مع غزة يصبح عندهم قيمة مطلقة، بينما احترام المغرب ووحدته الترابية يتحول إلى تفصيل يمكن تأجيله أو تجاهله أو حتى مناقشته. والحال أن القضية الفلسطينية لا تحتاج إلى مغربي يتخلى عن مغربيته حتى يثبت إنسانيته، كما أن نصرة غزة لا تستوجب من المغاربة أن يمنحوا شيكًا على بياض لأي حركة أو جهة أو ناشط.
بل إن المفارقة الأكبر أن من يطالب المغاربة بالتضامن مع شعب يدافع عن أرضه وحقوقه، يفترض فيه أن يكون أكثر الناس تفهمًا لحساسية المغاربة تجاه قضيتهم الوطنية. فكيف يستقيم أن تطالب شعبًا بالوقوف إلى جانب قضية مرتبطة بالأرض والسيادة والحقوق التاريخية، ثم تطلب منه في الوقت نفسه أن يتسامح مع خطاب ينازع بلده في وحدته الترابية؟
هنا لا يعود الأمر مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل يتحول إلى اختبار حقيقي لمصداقية الخطاب التضامني نفسه. فإذا كانت حقوق الشعوب غير قابلة للتجزئة، فإن احترام حق المغاربة في الدفاع عن وحدتهم الترابية ينبغي أن يكون جزءًا من هذا المبدأ، لا استثناءً عليه.
أما البيان الأخير، فعوض أن يغلق الملف، فقد جعل الحركة مطالبة بالإجابة عن أسئلة أكثر إلحاحًا: من هي الجهات التي تقف وراء هذه المواقف؟ وما حجم حضورها داخل الحركة؟ وهل يتعلق الأمر فعلًا بأصوات هامشية ومعزولة، أم أن الجدل كشف عن تيار يجد داخل “أسطول الصمود” مساحة للتعبير والترويج؟ ثم، لماذا كان النقاش حول هذا المحتوى ممكنًا أصلًا، قبل أن يتحول إلى أزمة إعلامية وسياسية دفعت الحركة إلى التدخل؟
هذه أسئلة مشروعة، ولا يمكن الإجابة عنها ببيان عام أو بلغة دبلوماسية هدفها امتصاص الغضب. لأن المغاربة الذين دعموا الحركة من منطلق إنساني وسياسي، لهم كامل الحق في معرفة من يشاركهم المنصة، ومن يتحدث باسم الحركة، وما هي الحدود التي تضعها هذه الأخيرة أمام من يستهدف بلدهم.
والواقع أن بعض المغاربة الذين اندفعوا بحسن نية إلى دعم “أسطول الصمود” مطالبون اليوم، قبل غيرهم، بمراجعة مواقفهم. ليس لأن التضامن مع غزة خطأ، بل لأن التضامن لا يعني إلغاء البوصلة الوطنية، ولا يعني أن يصبح المغربي مطالبًا بالصمت كلما تعلق الأمر بثابت من ثوابت بلده.
غزة في القلب، نعم، لكن المغرب أيضًا ليس هامشًا في وجدان المغاربة. وفلسطين ليست رخصة مفتوحة للتطاول على المغرب، كما أن مأساة الفلسطينيين لا يمكن أن تتحول إلى مظلة سياسية يُسمح تحتها لأي جهة بتمرير خطاب معادٍ للوحدة الترابية للمملكة.
وفي النهاية، الرسالة التي ينبغي أن تصل بوضوح إلى “أسطول الصمود” وإلى بعض داعميه المغاربة هي أن من يطلب تضامن المغاربة، عليه أن يحترم المغرب أولًا. ومن يفتح أبوابه لمن ينازع المغاربة في وحدتهم الترابية، لا يمكنه أن يتفاجأ حين يُسأل عن موقفه، ولا أن يطلب من المغاربة دفن السؤال تحت شعار التضامن مع غزة.
فالمغاربة قادرون على أن يكونوا مع فلسطين بكل قوة، وأن يرفضوا في الوقت نفسه أي خطاب يستهدف وطنهم. قادرون على نصرة المظلوم في غزة، دون أن يسمحوا بتحويل عاطفتهم الإنسانية إلى مدخل لمساومة ثوابتهم الوطنية.
المغرب ليس قضية ثانوية، ولا ورقة تفاوض، ولا ثمنًا يمكن دفعه باسم التضامن مع غزة. ومن لم يفهم هذه الحقيقة، فالمشكلة ليست في موقف المغاربة، بل في الحسابات التي راهنت على أن تعاطفهم مع فلسطين سيجعلهم يتسامحون مع من يمس وحدتهم.
غزة قضية عادلة، والمغرب قضية وطن. والخلط بين القضيتين ليس تضامنًا... بل ابتزازًا للعاطفة الوطنية. المغرب أولًا وأخيرًا.
أخبار متعلقة :