نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
من يسرق إرادتك؟, اليوم الثلاثاء 4 أغسطس 2026 05:44 مساءً
سعيد فاضل
تقول الدكتورة كيلي ماكغونيغال، أستاذة علم النفس في جامعة ستانفورد، في كتابها “غريزة قوة الإرادة” (The Willpower Instinct)، إن قوة الإرادة تعمل كـ «عضلة بيولوجية» ترتبط مباشرة بالقشرة الجبهية الأمامية للدماغ، وهي المنطقة المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط النفس. وكأي عضلة في الجسم، فإنها تضعف بالإجهاد، وتتأثر بالنوم والتغذية والتوتر، لكنها تصبح أقوى كلما أُحسن استخدامها.
وتشير ماكغونيغال أيضًا إلى أن الشعور بالذنب بعد التعثر أو الفشل يضعف الإرادة، بينما يعززها التدريب المستمر على ضبط النفس. بل إن قوة الإرادة، شأنها شأن كثير من السلوكيات الإنسانية، يمكن أن تنتقل بالعدوى إلى المحيط القريب.
لكن السؤال الأهم اليوم هو: من يسرق هذه الإرادة؟
في الماضي، كانت شخصية الإنسان واهتماماته معروفة لدائرة ضيقة من الأقارب والأصدقاء والزملاء. أما اليوم، فقد أصبحت الخوارزميات تعرف عن كل واحد منا ما لم يكن يعرفه عنه إلا أقرب الناس إليه. فهي تتعلم ما نحب وما نكره، وما نقرأ وما نشاهد، وميولنا الثقافية والرياضية والسياسية، وحتى المنتجات التي نفكر في شرائها، لتصبح قادرة على التنبؤ بسلوكنا بدرجة لافتة.
قد تظن، وأنت مستلقٍ على الأريكة تتنقل بين مقاطع الفيديو القصيرة، أنك تمضي وقتًا للتسلية لا أكثر. لكن السلعة الحقيقية التي تسعى المنصات إلى الاستحواذ عليها ليست وقتك، بل انتباهك. وهذا الانتباه تحول، مع تطور الذكاء الاصطناعي، إلى سلعة اقتصادية قائمة بذاتها، فيما يعرف اليوم بـ “اقتصاد الانتباه ” (ATTENTION ECONOMY)
لقد أصبحت المنافسة بين المنصات لا تدور حول إنتاج المحتوى فحسب، بل حول الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من انتباه الإنسان، لأن هذا الانتباه هو الوقود الذي يقوم عليه اقتصاد الإعلانات والبيانات.
وتشير بيانات Statista إلى أن متوسط استخدام الهاتف الذكي عالميًا يتراوح بين ثلاث ساعات وخمسين دقيقة وأربع ساعات ونصف يوميًا للشخص البالغ.
أي أننا نقضي ما يقارب ربع يومنا أمام شاشة صغيرة، وهو وقت يكفي لإخضاع الدماغ لآلاف القرارات الدقيقة التي تبدو تافهة، لكنها تستنزف موارده الذهنية.
فكل مقطع Reels أو Shorts يضع الدماغ أمام سلسلة متلاحقة من الخيارات: هل أكمل المشاهدة؟ هل أنتقل إلى المقطع التالي؟ هل أضغط زر الإعجاب؟ هل أشارك هذا المحتوى؟
قد لا يستغرق كل قرار سوى جزء من الثانية، إلا أن تراكم آلاف القرارات يوميًا يفرض عبئًا معرفيًا متزايدًا. وتشير دراسات في علم النفس إلى أن هذا التراكم قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ “إجهاد القرار” (DECISION FATIGUE) ، فتضعف القدرة على ضبط النفس واتخاذ القرارات المهمة.
ويزداد الأمر تعقيدًا لأن المستخدم لا يعرف أبدًا ما الذي سيظهر في المقطع التالي. فقد يكون مضحكًا، أو مثيرًا، أو صادمًا، أو مؤكدًا لقناعاته. هذا الغموض المستمر يبقي الدماغ في حالة ترقب دائم، ويعزز دائرة المكافأة العصبية المرتبطة بإفراز الدوبامين (هرمون السعادة)، الأمر الذي يجعل التوقف أكثر صعوبة.
علم النفس في خدمة التكنولوجيا
لم يأتِ تصميم هذه الفيديوهات القصيرة مصادفة، بل يستند إلى مبادئ علم النفس السلوكي التي وضعها علماء بارزون، وفي مقدمتهم بورهوس فريدريك سكينر (B. F. Skinner)، الذي رأى أن السلوك الإنساني يتشكل إلى حد بعيد من خلال البيئة والمكافآت والعواقب. ومن هنا، لم تعد شركات التكنولوجيا تعتمد على إقناع المستخدم بقدر اعتمادها على تصميم بيئة رقمية تجعل الاستمرار في الاستخدام هو الخيار الأسهل دائمًا. وهنا تتشكل الحلقة المفرغة.
فعندما ينتبه الإنسان إلى أنه أمضى ساعتين في التمرير بلا هدف على منصة تيك توك او انستغرام يشعر بالتقصير أو الذنب. لكن الدماغ المرهق لا يبحث عن مواجهة هذا الشعور، بل عن الهروب منه، ولا يجد وسيلة أسرع من العودة إلى المصدر نفسه الذي وفر له المتعة قبل قليل: الشاشة التي بين يديه.
وهكذا يتحول الشعور بالذنب إلى وقود يعيد تشغيل الدورة من جديد، ليبقى اقتصاد الانتباه مستفيدًا من استنزاف إرادتنا. غير أن الخبر الجيد هو أن هذه «العضلة البيولوجية» قابلة للتقوية.
حلول مقترحة
الحل لا يكمن في امتلاك إرادة خارقة، بل في بناء بيئة تساعد الدماغ على العمل بكفاءة. ويبدأ ذلك بإبعاد الهاتف عن متناول اليد، وتقليل التعرض للمنصات، وتخصيص أوقات محددة لاستخدام التطبيقات، بدل تركها تقاطع اليوم على نحو عشوائي، لتخفيف عدد القرارات اليومية التي تُفرض على القشرة الجبهية.
كما أن الحصول على نومٍ كافٍ (بين 6 و8 ساعات يوميًا وفق التوصيات الطبية)، إلى جانب التغذية المتوازنة وممارسة الرياضة بانتظام، والامتناع عن استخدام الهاتف لمدة ساعة على الأقل قبل النوم، ليست مجرد نصائح عامة، بل عوامل أساسية للحفاظ على كفاءة الدماغ وتعزيز قدرته على ضبط النفس إن سارق الإرادة لا ينتزعها منك دفعة واحدة، بل يستنزفها ببطء، قرارًا بعد آخر، وإشعارًا بعد آخر، ومقطعًا بعد آخر.
لذلك، فإن حماية الإرادة لا تبدأ بمحاربة الذات، وإنما بإعادة تصميم البيئة التي نعيش فيها، بيولوجيًا ورقميًا، بحيث يصبح اتخاذ القرار الصحيح هو الخيار الأسهل.
خاتمة القول
المعركة اليوم ليست بين الإنسان وهاتفه، بل بين عضلة بيولوجية محدودة الطاقة وبين أنظمة ذكاء اصطناعي صُممت لتعمل بلا حدود.
والانتصار فيها لا يحتاج إلى إرادة خارقة، بل إلى فهمٍ لكيفية عمل هذه الأنظمة، وإلى صيانة يومية لبيئة الدماغ، حتى تبقى التكنولوجيا أداةً في يد الإنسان، لا الإنسان أداةً في يد التكنولوجيا.
المصدر: موقع المنار
أخبار متعلقة :