جريدة مصرنا

جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (5)

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
جحا في عصر الذكاء الاصطناعي (5), اليوم الاثنين 3 أغسطس 2026 12:30 صباحاً

د. طارق هلال

كان يا ما كان…استيقظ ابن جحا على صوت هاتفه الذي لم يتوقف عن إصدار الإشعارات.فتح إحدى الرسائل، فإذا بعنوانٍ كبير: "خبر عاجل… أمر خطير يحدث الآن!".. لم يقرأ التفاصيل.ولم يبحث عن المصدر.ولم يسأل أحداً.ضغط زر "إعادة الإرسال". وفي دقائق قليلة، كان الخبر قد انتشر في القرية كلها.

خرج الناس مذعورين.أغلق بعضهم متاجره.وألغى آخرون أعمالهم.وتحولت الساحة إلى فوضى.خرج جحا من منزله، ونظر حوله متعجباً.

سأل ابنه: "ما الذي حدث؟" قال الابن بفخر: "أنا أول من نشر الخبر!".. .ابتسم جحا وسأله: "وهل أنت أول من تأكد منه؟".. ساد الصمت.وفي تلك اللحظة، وصل إشعار جديد: "تنبيه… الخبر المتداول غير صحيح". تغيرت وجوه الناس.عادوا إلى أعمالهم.لكن كلمات الخوف كانت قد سبقت الحقيقة.

نظر الابن إلى أبيه وقال بحزن: "لم أقصد أن أخدع أحداً". ربت جحا على كتفه وقال: "يا بني…ليس كل من ينشر الكذب كاذباً…فبعض الناس ينشرونه لأنه لم يتأكد".

رفع الحمار رأسه، وقال مبتسماً: "أنا عندما أجد ماءً في الطريق…أشمّه أولاً…أما أنتم، فتبتلعون الأخبار قبل أن تنظروا إليها!".. ضحك جحا وقال: "الحمار اليوم أكثر حكمة من كثير من مستخدمي الهواتف". ثم أمسك هاتف ابنه وقال: "في الماضي، كان الكذب يحتاج إلى أيام حتى ينتشر…أما اليوم، فيكفيه إصبع واحد". نظر الابن إلى زر "إعادة الإرسال" طويلاً…ثم أغلق الهاتف.وقال: "من اليوم…لن أكون الأسرع…بل سأحاول أن أكون الأدق". ابتسم جحا وقال: "وهذه بداية الحكمة".

في عصر الذكاء الاصطناعي… أصبح التحقق مسؤولية. فلم تعد الشائعة مجرد كلمة تقال في مجلس، بل قد تأتي في صورة احترافية، أو مقطع فيديو، أو تسجيل صوتي، أو رسالة تبدو مقنعة، وربما تكون جميعها مُولدة أو معدلة بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

ولهذا، فإن المسؤولية لم تعد تقع على وسائل الإعلام وحدها، بل أصبحت مسؤولية كل مستخدم للهاتف.قبل أن تضغط زر "مشاركة"، اسأل نفسك:هل أعرف المصدر؟، هل الخبر مؤكد؟، هل قد يسبب نشره ضرراً إذا كان غير صحيح؟

إن ثواني قليلة من التحقق قد تمنع ساعات من الخوف، أو أياماً من الفوضى، أو ظلماً قد يقع على أبرياء.

في عالم تتسابق فيه الأخبار، لا تجعل السرعة تنتصر على الحقيقة.فالمعلومة الصحيحة قد تصل متأخرة قليلاً…لكنها تبقى.أما الشائعة، فقد تصل أولاً…ثم تترك وراءها أثراً يصعب محوه.

حكمة جحا:

"ليس الذكي من يسبق الجميع إلى النشر…بل من يسبق نفسه إلى التحقق.فالحقيقة لا تخشى التأخير… أما الشائعة فتعيش على العجلة".

أخبار متعلقة :