جريدة مصرنا

أرقام وتواريخ ووقائع.. كيف استثمرت الإخوان الإرهابية في كل محنة مر بها المصريون لتحقيق مكاسب سياسية؟

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أرقام وتواريخ ووقائع.. كيف استثمرت الإخوان الإرهابية في كل محنة مر بها المصريون لتحقيق مكاسب سياسية؟, اليوم الأحد 2 أغسطس 2026 06:29 مساءً

في تاريخ مصر الحديث، لم تكن الأزمات القاسية التي مر بها الشعب المصري مجرد لحظات ألم وطوارئ، بل كانت لدى جماعة الإخوان الإرهابية فرصاً سانحة للاستثمار والتربح السياسي. منذ نشأة الجماعة في ستينيات القرن الماضي وحتى العقود الأخيرة، اتبعت استراتيجية ثابتة ترتكز على التغلغل في أوقات الضائقة الوطنية، وتقديم أنفسهم كبديل للدولة عبر استغلال احتياجات المواطنين، وتحويل العمل الإغاثي والطبي والإنساني إلى شبكات استقطاب سياسي وبيعة تنظيمية.

 

تجلت بداية هذه الاستراتيجية في زلزال عام 1992 الذي ضرب مصر في يوم 12 أكتوبر، متسبباً في وفاة 561 شخصاً وإصابة أكثر من 6500 آخرين، وتشريد عشرات الآلاف من العائلات بعد تدمير آلاف المنازل. في تلك اللحظة الحرجة، وبينما كانت أجهزة الدولة تحاول استيعاب الصدمة التنظيمية، استغلت الجماعة نفوذها داخل النقابات المهنية التي كانت تسيطر عليها، مثل نقابة الأطباء ونقابة المهندسين ونقابة المحامين. وخلال أقل من 48 ساعة من الزلزال، أقامت الجماعة شبكة مستشفيات ميدانية ومراكز إغاثة سريعة في المناطق الأكثر تضرراً، مثل حي أثر النبي والجمالية وبولاق الدكرور.

 

ووزعت الجماعة مبالغ مالية مباشرة قُدرت حينها بنحو 500 جنيه مصري لكل أسرة متضررة، بالإضافة إلى توزيع الخيام والبطاطين والأغذية. لم تكن هذه المساعدات مجرد عمل إنساني، بل اقترنت بحملة دعوية وسياسية مكثفة، حيث شُكلت لجان استلام المساعدات بشرط ملء استمارات تعارف وانضمام لشبكات الخدمة النقابية التابعة للجماعة.

 

ونتيجة لهذه المحنة، ارتفعت أسهم الجماعة في الشارع، واستغلت هذا التواجد لتحقيق انتصار كاسح في انتخابات النقابات المهنية في عامي 1992 و1993، حيث حصدت أغلبية مقاعد نقابة المهندسين ونقابة الأطباء، وحولت هذه النقابات إلى منابر سياسية ومراكز ثقل لجمع التبرعات وحشد التأييد ضد مؤسسات الدولة.

 

ولم تقتصر هذه الاستراتيجية على الكوارث الطبيعية، بل امتدت لتشمل الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتكررة. ففي تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية الجديدة، ومع ارتفاع معدلات البطالة التي تجاوزت 11% في عام 1995، والارتفاع المتزايد في أسعار السلع الأساسية، أسست الجماعة منظومة خدمات موازية للدولة اعتمدت على الجمعيات الخيرية التابعة لها، والتي تجاوز عددها 1200 جمعية أهلية مسجلة ومشرقة بشكل غير مباشر في مختلف محافظات مصر. ومن خلال "لجنة الزكاة" و"جمعية الجمعية الشرعية" و"جمعية الجمعية الطبية الإسلامية" التي أدارت أكثر من 25 مستشفى ومستوصف طبي في القاهرة والجيزة والمحافظات، قدمت الجماعة خدمات طبية بأسعار رمزية، كعلاج الفحوصات والأشعة بنصف تكلفة المستشفيات الخاصة، مع توزيع طرود غذائية شهرية على أكثر من 300 ألف أسرة فقيرة. وكانت هذه الخدمات مشروطة بالانضباط في حضور الدرس الديني الأسبوعي ومشاركة أفراد الأسر في الفعاليات والتصويت لمرشحي الجماعة.

 

وجنى التنظيم ثمار هذا الاستثمار في البرلمان؛ ففي انتخابات مجلس الشعب عام 2000، استطاعت الجماعة الفوز بـ 17 مقعداً في البرلمان رغم الضغوط الأمنية، ثم قفز هذا الرقم بشكل غير مسبوق في انتخابات عام 2005 لتحقق الجماعة 88 مقعداً بنسبة تقارب 20% من إجمالي مقاعد البرلمان المصري، متسلحة بأصوات الملايين الذين ارتبطت معايشهم بالخدمات والطرود الغذائية التي تقدمها شبكات الجماعة.

 

وعندما اندلعت أزمة السيول في مصر في عام 2010، والتي أضرت بشدة بمحافظات أسوان وشمال سيناء والبحر الأحمر وأسفرت عن مقتل 15 شخصاً وتشريد ما يزيد على 3500 أسرة وتدمير أكثر من 800 منزل، كررت الجماعة السيناريو نفسه. وسارعت الكتلة البرلمانية للإخوان بتوجيه قافلات إغاثية محملة بمواد غذائية وأغطية ومواد بناء بقيمة تجاوزت 5 ملايين جنيه مصري إلى المناطق المتضررة، مستغلة بطء حركة الأجهزة المحلية. وتواجد نواب الجماعة في الميدان لالتقاط الصور وتوزيع المساعدات مقترنة بشعارات الجماعة، مما عزز حضورها السياسي في مناطق الصعيد وسيناء التي كانت تصنف تاريخياً كبؤر استعصت على تغلغل الإخوان، وتمكنت الجماعة من بناء كوادر جديدة هناك استُخدمت لاحقاً في الحشد والتعبئة.

 

وفي أزمة سياسية واقتصادية أخرى شهدتها مصر عام 2008، والمتمثلة في أزمة نقص الرغيف البلدي والظروف المعيشية الصعبة التي أدت إلى طوابير طويلة أمام المخابز وسقوط ضحايا في شجارات الخبز، استغلت الجماعة الأزمة عبر تنظيم ما سمته "سلاسل الخبز البديل". وقامت عناصر الجماعة بشراء الدقيق المهرب أو توزيع الخبز المجمع على المنازل في المناطق الشعبية مثل إمبابة والمطرية وشبرا الخيمة، مقرونة بمنشورات تطالب بتطبيق أفكار الجماعة كحل للأزمة الاقتصادية. واستغلت الجماعة هذه المحنة لتأجيج الغضب الشعبي وتحويل الضائقة المعيشية للمواطنين إلى مكاسب تنظيمية وسياسية وضغط مباشر على النظام الحاكم لانتزاع مكاسب وسفراء في النقابات والمجالس المحلية.

 

وجاءت الأحداث المأساوية عقب أحداث يناير 2011 لتكشف الوجه الأوضح لاستغلال المحن الوطنية. فخلال فترة الانفلات الأمني وتراجع دور الشرطة في أواخر يناير وفبراير 2011، شكلت الجماعة ما سمي "اللجان الشعبية" لحماية الأحياء. ولكن بدلاً من الاكتفاء بالحماية المجتمعية، استغلت الجماعة هذه اللجان لجمع بيانات تفصيلية عن العائلات والسكان في كل حي، وتحديد القوة التغذوية والمالية لكل منطقة، وتحويل اللجان الشعبية إلى قواعد تنظيمية لجمع التبرعات وحشد المواطنين. هذا التواجد الميداني المباشر مكّن الجماعة من التحضير السريع للانتخابات البرلمانية في أواخر عام 2011 وبداية عام 2012، حيث حصد حزب الحرية والعدالة الذراع السياسي للجماعة 235 مقعداً بنسبة 47.2% من مقاعد مجلس الشعب، مستفيداً بشكل مباشر من شبكة العلاقات والخدمات والمساعدات التي قدمها خلال أشهر الاضطراب الأمني والاقتصادي.

 

حتى في أزمات الطاقة والسولار وانقطاع الكهرباء التي عانت منها مصر في عامي 2012 و2013، عندما تولت الجماعة مقاليد الحكم، تعاملت مع الأزمة بعقلية الاستغلال التنظيمي وليس بعقلية إدارة الدولة. ففي حين كانت محطات البنزين تشهد أزمات حادة وطوابير تمتد لمئات الأمتار، جرى توجيه كميات من الوقود والسولار لشبكات التوزيع الخاصة بجمعيات الجماعة والمزارع التابعة لقياداتها، واستُخدم السولار كأداة للمساومة والضغط على أصحاب وسائل النقل والمزارعين للانضمام إلى الفعاليات المؤيدة للجماعة أو الامتناع عن المشاركة في المظاهرات المناهضة لها.

 

ولم تتوقف محاولات الجماعة عند حد الأزمات الطبيعية أو الداخلية، بل امتدت لإضرار مباشر بالاقتصاد القومي عقب عام 2022 مع اندلاع أزمة نقص النقد الأجنبي والدولار؛ حيث أطلقت الجماعة عبر منصاتها الإعلامية وكتائبها الإلكترونية في الخارج حملات التحريض والدعوات المكثفة للمصريين المغتربين لإيقاف تحويل أموالهم عبر البنوك والجهات الرسمية إلى الداخل المصري. وحثت الجماعة أنصارها على استخدام أسواق موازية وقنوات غير رسمية، بهدف تخنيف التدفقات الدولارية وتعميق الشلل الاقتصادي داخل البلاد، آملين أن تؤدي هذه الضغوط المباشرة إلى انهيار العملة الوطنية وإفلاس الدولة لتحقيق مكاسب سياسية على حساب معيشة المواطن اليومية.

 

وحتى مع ظهور التهديدات الأمنية والعسكرية الخارجية، تجلى سلوك الجماعة في أبشع صوره؛ فمؤخراً، ومع استهداف مسيرة لميناء دمياط، سارعت منصات الإخوان وأفرادها إلى الخروج في موجة عارمة من التشفي والشماتة قبل حتى أن تخرج التحقيقات الرسمية لتوضح ملابسات الحادث أو تسفر عن الجهة المسؤولة عنه. كان الهدف الأول والوحيد لدى الجماعة هو استغلال الحدث للتشفي في الشعب المصري وفي القيادة السياسية. هذه الشماتة والتصيد لا يقتصران على الحوادث الكبرى فقط، بل يظهران بشكل دوري وممنهج عقب كل حادث قطار أو سير أو أزمة محلية؛ حيث يخرج أفراد الجماعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي للابتهاج والتشفي في مصاب المصريين ودماء الضحايا، مستخدمين هذه الآلام الإنسانية كأوراق ضغط سياسية لإضعاف الروح المعنوية للشارع والنيل من مؤسسات الدولة.

 

إن تتبع هذه الوقائع الموثقة بالأرقام والتواريخ يظهر بوضوح كيف أتقنت جماعة الإخوان تحويل آلام المصريين وكوارثهم الطبيعية وضائقاتهم الاقتصادية إلى عملات سياسية تجني بها الأصوات والمقاعد والمكاسب التنظيمية. لم تكن المحنة بالنسبة لهم حدثاً يستوجب التكاتف الوطني الشامل مع مؤسسات الدولة، بل كانت نافذة للتسلل وتأكيد الفكرة القائلة بأن الدولة غائبة وأن التنظيم هو المنقذ، ليظل المواطن البسيط والوطن بأكمله هما الخاسر الأكبر في معادلة التجارة بالمحن.

أخبار متعلقة :