جريدة مصرنا

سقوط الإمبراطورية الخفية للإخوان الإرهابية.. الخزانة الأمريكية تكشف عن شبكات مالية إخوانية تدير مؤسسات خيرية وواجهات لتمرير الأموال وإخفاء مصادر التمويل

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سقوط الإمبراطورية الخفية للإخوان الإرهابية.. الخزانة الأمريكية تكشف عن شبكات مالية إخوانية تدير مؤسسات خيرية وواجهات لتمرير الأموال وإخفاء مصادر التمويل, اليوم السبت 1 أغسطس 2026 09:29 مساءً

التحقيقات تلاحق الرابطة الإسلامية الكندية أخطر شبكة إخوانية تستخدم مظلة العمل المجتمعي والمدني لتمويل الإرهاب

أنس التكريتي ومحمود الإبياري و"فيميسو" يقودون خريطة التمويل الخفي للجماعة.. وحصار غربى لشبكات التنظيم في أوروبا وأمريكا الشمالية

لم تعد المواجهة الغربية مع تنظيم الإخوان الإرهابى تقتصر على مراقبة أنشطته السياسية أو الحد من تحركات قياداته، بل انتقلت إلى مرحلة أكثر حساسية تستهدف البنية المالية والتنظيمية التي حافظت على تماسك الجماعة لعقود داخل أوروبا وأمريكا الشمالية.

وتكشف العقوبات الأمريكية الأخيرة، وما تبعها من إجراءات كندية وأوروبية، عن تحول واضح في طبيعة المواجهة؛ إذ أصبح التركيز منصبًا على تفكيك شبكات التمويل، وإغلاق الواجهات الخيرية والمدنية، وملاحقة الشخصيات التي أدارت حركة الأموال وبنت النفوذ التنظيمي بعيدًا عن الأضواء. ويعكس هذا المسار انتقال الضغوط الغربية من استهداف الأفراد إلى استهداف منظومة كاملة تضم مؤسسات خيرية، ومنظمات شبابية، ومراكز ثقافية وإعلامية، شكلت على مدار سنوات البنية التحتية لنشاط التنظيم خارج الشرق الأوسط.

ومع اتساع نطاق هذه الإجراءات، تبدو الجماعة الإرهابية أمام مرحلة غير مسبوقة من الانكماش، بعدما بدأت تخسر تدريجيًا أبرز أدواتها المالية والتنظيمية ومساحات نفوذها التقليدية في الغرب.

 

واجهات خيرية لتمويل عابر للحدود

ولم تقتصر العقوبات على الأشخاص، بل شملت أفرادًا وكيانات متورطة في توفير دعم مالي واسع النطاق عبر مؤسسات استخدمت العمل الخيري غطاءً رئيسيًا لتمرير الأموال وتحويلها، وقد أشارت وزارة الخزانة الأمريكية إلى أن هذه الشبكات تعتمد على منظومة بالغة التعقيد لإخفاء مصادر التمويل وطرق انتقاله، مما جعلها هدفًا رئيسيًا لتشديد الرقابة الدولية على مسارات الأموال غير التقليدية، وتجفيف المنابع التي تغذي الأذرع الحركية للتنظيم عالميًا.

وبعد تضييق الخناق على شبكات التنظيم في العواصم الإقليمية والأوروبية، اتجهت أنظار العديد من قيادات وعناصر الجماعة الإرهابية إلى وجهات جديدة تتيح هامشًا أكبر للتحرك الاجتماعي والمالي، وبرزت كندا في مقدمة هذه الوجهات، لتتحول إلى ساحة نشاط متنامية ومنطقة لإعادة التمركز الهادئ.

ولم يكن الوجود التنظيمي للإخوان في كندا وليد اللحظة، بل يعود إلى ما يقرب من أربعة عقود، إلا أنه شهد تحولًا نوعيًا في الآونة الأخيرة عقب تضييق الخناق على التنظيم في معظم دول العالم. وتعد الرابطة الإسلامية الكندية (MAC) من أبرز الهيئات التي واجهت تدقيقًا واستجوابات رسمية بشأن جذورها الأيديولوجية والتنظيمية المرتبطة بفكر حسن البنا.

وقد عمل التنظيم على بناء شبكة واسعة تضم مراكز إسلامية، ومدارس خاصة، ومؤسسات خيرية، مما مكّنه من تصدر مشهد التفاعل مع القضايا الاجتماعية للجالية المسلمة تحت مظلة العمل المجتمعي والمدني.

ولطالما شكلت الأراضي الكندية بيئة مرنة وملاذًا هادئًا لاستثمارات وتحركات شبكات التنظيم، مثل الرابطة الإسلامية الكندية، إلا أن التحقيقات المكثفة التي أجرتها وكالة الإيرادات الكندية (CRA)، والتدقيق في المؤسسات الواجهية، أنهيا مرحلة التغاضي الرسمي.

 

عوامل الجذب وقواعد اللعبة

وتضافرت عدة عوامل سياسية وقانونية وجغرافية جعلت الساحة الكندية مقصدًا جذابًا لعناصر التنظيم، أبرزها حرية التعبير وتكوين الجمعيات، إذ توفر التشريعات الكندية بيئة آمنة للعمل المؤسسي مقارنة بالتضييقات الصارمة في دول أوروبية، مثل النمسا وفرنسا، كما كانت الإعفاءات الضريبية أحد أهم عوامل الجذب، إذ تتيح القوانين الكندية للمجموعات الدينية والمجتمعية الحصول على دعم حكومي وإعفاءات ضريبية للأنشطة الخيرية، وهو ما استغلته المؤسسات التابعة للتنظيم لتعزيز مواردها المالية.

وعقب التغيرات السياسية في الشرق الأوسط وإعادة ترتيب العلاقات الدبلوماسية، تزايدت هجرة الكوادر الإخوانية من المراكز التقليدية، مثل تركيا وبعض الدول الأوروبية، بحثًا عن ملاذات أكثر استقرارًا.

ورغم الاستقرار الذي تمتعت به شبكات الجماعة لسنوات، فإن المشهد في أوتاوا بدأ يشهد تحولًا ملموسًا، ووفقًا لتحقيقات وكالة الإيرادات الكندية CRA، خضعت مؤسسات خيرية كبرى لتدقيق مالي وقانوني مكثف شمل مراجعة مئات الآلاف من المعاملات والرسائل الإلكترونية، وسط اتهامات باستغلال الوضع الخيري لدعم أجندات تنظيمية وسياسية غير معلنة.

وتجسد هذا التحول الأمني الحاسم في القرار الصادر بمنع دخول القيادي البارز في التنظيم الدولي ورئيس "مؤسسة قرطبة"، أنس التكريتي، واحتجازه لمدة 11 ساعة في مطار مونتريال، قبل ترحيله قسرًا إلى العاصمة البريطانية لندن. ورغم تغليف القرار بذريعة إدارية تتعلق بإجراءات فنية وعدم الإفصاح عن رفض تأشيرة أمريكية سابقة عام 2023، فإن الدلالات السياسية والاستخباراتية للخطوة تؤكد أنها تجاوزت الروتين الحدودي لتشكل رسالة حاسمة مفادها أن العواصم الغربية لم تعد تتعامل مع واجهات التنظيم بوصفها كيانات مدنية، بل باعتبارها عناصر تهدد الأمن القومي.

ويؤكد الخبراء أن الخطوة الكندية جاءت وليدة تنسيق استخباراتي وثيق مع الولايات المتحدة وبريطانيا، مما يجعل استهداف شخصيات بحجم التكريتي ـ الذي يوصف بأنه عرّاب العلاقات والدبلوماسية الموازية للتنظيم في أوروبا ـ بمثابة ضربة قاصمة لقدرة الجماعة على استخدام الواجهات الثقافية والحوارية لتبييض صورتها وتمرير أجنداتها، وتتزايد اليوم الضغوط داخل الأروقة السياسية والدوائر البحثية الكندية لإعادة تقييم نشاط الجماعة ووضع مراكزها على قوائم الكيانات المحظورة.

 

السقوط الأوروبي

وعلى الصعيد الأوروبي، تلقى تنظيم الإخوان الدولي الضربة القاصمة لخططه الرامية إلى التغلغل داخل المؤسسات الغربية، حيث شهد التنظيم منعطفًا تاريخيًا حاسمًا بقرار مكتب البرلمان الأوروبي استبعاد منتدى المنظمات الأوروبية للشباب والطلاب المسلمين (فيميسو) من كافة أنشطة وفعاليات البرلمان الرسمية.

وتأسس منتدى "فيميسو" عام 1996 في كنف "اتحاد المنظمات الإسلامية في أوروبا" (المعروف بمجلس المسلمين الأوروبيين)، وهو المظلة الكبرى والتنفيذية لتنظيم الإخوان في القارة. وطوال ثلاثين عامًا، نجح المنتدى ـ الذي يضم تحت مظلته 32 منظمة شبابية ـ في تقديم نفسه للمسؤولين الأوروبيين كمنظمة حقوقية مدنية تدافع عن الشباب المسلم ضد العنصرية.

وكشفت التقارير الاستخباراتية والأمنية الأوروبية، ولا سيما الفرنسية والألمانية، مرارًا أن المنظمة ليست سوى "جناح شبابي" وأداة تجنيد ناعمة للتنظيم، تهدف إلى عزل الشباب المسلم وتكريس مفاهيم "الانعزال الديني"، وربط الجيل الجديد بأجندات الإسلام الحركي، فضلًا عن ارتباطها بجهات متطرفة، مثل قطاع الشباب في حركة "ميلي جوروش" التركية، المصنفة لدى برلين حركةً معاديةً للديمقراطية.

وجاء القرار الأوروبي الأخير بعد ضغوط نيابية مكثفة قادتها النائبة الفرنسية ماريون ماريشال، بدعم من نواب من مختلف تيارات اليمين الأوروبي، الذين وجهوا رسائل حاسمة لرئيسة البرلمان، مستندين إلى تقرير رسمي فرنسي حذر من أن التغاضي عن أنشطة "فيميسو" يمثل "سذاجة مفرطة" تهدد الأمن القومي.

وفي سياق متصل، كشفت مصادر مطلعة أن منظمة "فيميسو" تستعد لشن حرب شعواء على الصعيدين الإعلامي والقانوني، لمحاولة إلغاء القرار أو الالتفاف عليه. ويخطط المنتدى لتحريك شبكة واسعة من المنظمات غير الحكومية والشخصيات المتعاطفة، لشن حملة تحت لافتة "محاربة الإسلاموفوبيا" واستهداف حرية التعبير، بينما تحرك دائرته القانونية طعونًا قضائية، مستغلة ترسانة مالية هائلة راكمتها من التمويلات الأوروبية المباشرة، ورغم ذلك، يدرك التنظيم أن خسارة "فيميسو" تعني قطع خط التواصل المباشر والأهم مع النخب السياسية الشابة في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى.

 

السقوط الأخلاقي

وإذا كانت ضربات القانون والعقوبات قد شلت حركة الكيانات التنظيمية، فإن "التسريبات الداخلية" هي التي وجهت الضربة القاضية للشرعية الأخلاقية للتنظيم أمام قواعده. فقد كشفت الوثائق والتسريبات الصوتية والمالية المتداولة مؤخرًا عن حجم الفساد والصراع على الميزانيات والمكافآت بين قيادات تلك المنصات.

وأظهرت الوثائق أن الشعارات الرنانة التي كانت تُبث للجماهير لم تكن سوى غطاء لتجارة النفوذ وتقاسم التمويلات الأجنبية، حيث تحولت الكواليس إلى ساحة صراع للحصول على النصيب الأكبر من الدعم، ولم تتوقف التسريبات عند حدود الاختلاسات المالية، بل تجاوزتها إلى انحدار أخلاقي عكس حجم التناقض بين الخطاب العاطفي الموجَّه للجمهور، والواقع القاسي والمصلحي الذي يعيشه أتباع هذا الفكر.

ويوضح مسار هذه الأذرع المالية والإعلامية والمجتمعية كيف تسللت، في البداية، عبر المراكز البحثية، والمنصات الثقافية، ودور النشر، والمبادرات الشبابية، لجمع الأتباع وبناء أرضية تعاطف مجتمعي، مستغلة الاغتراب الثقافي والوجداني للمسلمين في الغرب. ومع انكشاف المخططات وفقدان التأثير الفكري، سقطت العباءة الثقافية ليظهر الوجه الحقيقي القائم على منابر التحريض وأموال مشبوهة المصدر.

 

مأزق وجودي يهدد مستقبل التنظيم في الغرب

وتؤكد التطورات المتسارعة في واشنطن وأوتاوا وبروكسل أن شبكات الإخوان الإرهابية باتت تواجه حصارًا شاملًا يتقاطع فيه البعد المالي والاستخباري والقانوني.

ويقوض هذا الحصار، تدريجيًا، شبكات التغلغل الناعم، ويضع المشروع التنظيمي بأكمله أمام مرحلة تاريخية من التراجع والانحسار، لتفقد عواصم الغرب، تدريجيًا، صفة "البيئة الآمنة"، وتدخل شبكات الجماعة في نفق مظلم من الملاحقة المفتوحة وتجفيف المنابع.

ولا تعترف هذه الجماعة بشيء اسمه مبادئ أو خطوط حمراء، وهدفها الوحيد هو البقاء والوصول إلى الحكم في العالم كله بأي ثمن؛ ولذلك ليس غريبًا أن تتحالف مع الشيطان أو تتاجر بأي قيمة لتحقيق مصالحها، ولا تجد غضاضة في تلقي أي تمويلات أو الحصول على الأموال، ولو كانت بطرق غير مشروعة قانونًا ولا شرعية دينيًا، طالما أنها تحقق لها الدعم المالي والقوة التي تحافظ على بقائها وتمددها في العالم لتطبيق أفكارها.

ومن ثم، فإن الجماعة الإرهابية لا تؤمن بالوطن بالمعنى الحقيقي، بل ترى الوطن مجرد محطات للسيطرة، وحفنة من التراب لا معنى لها، وأن جميع البلدان سواء، وتردد دائمًا شعار: "الأرض أرض الله، والحدود تراب".

ومن هنا، يصبح طبيعيًا أن تتنازل عن أي معيار أخلاقي أو وطني متى شعرت أن ذلك يخدم هدفها، فلا تجد تلك الجماعة وتنظيمها الدولي متعدد الأعراق فرقًا بين مصر وأمريكا أو ماليزيا وإيران، على سبيل المثال.

وهذا المنطق المصلحي النفعي الانتهازي يفسر لجوءهم الدائم إلى الركوب على أي موجة هدم وتشويه، واهتمامهم المفاجئ بالنماذج التافهة والضحلة، إدراكًا منهم أنهم فقدوا أي ظهير شعبي حقيقي، وأن خطابهم الديني والسياسي المستهلك أصبح مرفوضًا، ولذلك لم يعد أمامهم سوى الرهان على الأنقاض.

 

أخبار متعلقة :