لم تعد أزمة انخفاض المواليد في اليابان مجرد قضية ديمغرافية، بل تحولت إلى ملف استراتيجي يثير مخاوف متزايدة بشأن مستقبل الاقتصاد وسوق العمل وحتى القدرات الدفاعية للبلاد.فمع تسجيل أدنى معدل مواليد منذ بدء توثيق البيانات قبل أكثر من قرن، تجد طوكيو نفسها أمام تحدٍ متصاعد يدفعها إلى إطلاق سياسات غير تقليدية لتشجيع الإنجاب، في وقت يحذر فيه خبراء من أن استمرار الاتجاه الحالي قد ينعكس مباشرة على الأمن القومي.
أدنى معدل مواليد في أكثر من قرن
أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية اليابانية أن عدد السكان واصل التراجع للعام السابع عشر على التوالي، ليهبط إلى أقل من 120 مليون نسمة مطلع عام 2026، بينما بلغ إجمالي السكان، بمن فيهم المقيمون الأجانب، نحو 123.76 مليون نسمة.
كما سجلت اليابان في عام 2025 نحو 671 ألفا و236 مولودا فقط، وهو أدنى عدد مواليد منذ بدء تسجيل الإحصاءات عام 1899، فيما انخفض معدل الخصوبة إلى 1.14 طفل لكل امرأة، ليصبح من بين الأدنى عالميا.
وتتزامن هذه الأرقام مع تسارع وتيرة الشيخوخة، إذ يشكل من تجاوزوا سن الخامسة والستين نحو 30% من سكان اليابان، مع توقعات بارتفاع نسبتهم إلى 40% بحلول عام 2070.
لماذا يتراجع عدد المواليد؟
يربط خبراء الديمغرافيا الأزمة بعدة عوامل متشابكة، أبرزها تأخر سن الزواج وارتفاع معدلات العزوبية بين الشباب، إضافة إلى ضغوط العمل التي تجعل تكوين الأسرة أكثر صعوبة.
وتشير الدراسات إلى أن ثقافة العمل اليابانية، التي تعتمد ساعات عمل طويلة قد تتجاوز 60 ساعة أسبوعيا في بعض القطاعات، أسهمت في تقليص الوقت المتاح للحياة الأسرية وتربية الأطفال، رغم محاولات الحكومة تحسين التوازن بين العمل والحياة.
كما أدى انخفاض أعداد الشباب في سن العمل إلى نقص العمالة في قطاعات حيوية مثل التعليم والرعاية الصحية والتصنيع، ما أجبر عددا من الشركات على تقليص نشاطها أو إغلاقه.
تداعيات تتجاوز الاقتصاد
لا تقتصر آثار الأزمة على سوق العمل والضمان الاجتماعي، بل تمتد إلى القدرات الدفاعية لليابان، في ظل تقلص أعداد الشباب المؤهلين للخدمة العسكرية.
ورغم زيادة الإنفاق الدفاعي واتجاه الحكومة لرفع ميزانية الدفاع إلى ما يعادل 2% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول عام 2027، فإن نقص المجندين يمثل تحديا كبيرا.
وتشير تقارير إلى أن عدد اليابانيين بين 18 و26 عاما، وهم الفئة المستهدفة للتجنيد، انخفض بنحو 40% خلال ثلاثة عقود، من 17.43 مليون شخص عام 1994 إلى نحو 10.2 ملايين عام 2024.
كما أخفقت قوات الدفاع الذاتي في تحقيق أهداف التجنيد خلال السنوات الأخيرة، رغم إطلاق حملات دعائية استخدمت شخصيات الأنمي والمشاهير، إلى جانب رفع الحد الأقصى لسن الالتحاق من 26 إلى 32 عاما.
سياسات لتشجيع الإنجاب
في مواجهة هذا التراجع، تبنت الحكومات اليابانية مجموعة من الإجراءات الهادفة إلى رفع معدلات الإنجاب، من بينها:
مضاعفة الإنفاق الحكومي على دعم رعاية الأطفال بحلول عام 2030.
تمويل التعليم الجامعي للأسر التي لديها ثلاثة أطفال أو أكثر.
توسيع برامج إجازات الوالدين.
إطلاق تطبيقات ومبادرات لتشجيع الزواج وتكوين الأسر.
ورغم هذه الخطوات، لم تحقق السياسات النتائج المرجوة حتى الآن، مع استمرار انخفاض معدلات الخصوبة.
الهجرة.. .حل مطروح يواجه تحفظات
يرى عدد من الباحثين أن توسيع سياسة استقبال المهاجرين قد يساهم في تعويض النقص في القوى العاملة وتنشيط الاقتصاد، إلا أن هذا الخيار يواجه معارضة سياسية واجتماعية.
وتتبنى رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي نهجا أكثر تشددا تجاه الهجرة، مؤكدة أولوية معالجة الأزمة عبر تشجيع المواطنين على الإنجاب، بينما يشير معارضو التوسع في الهجرة إلى تحديات الاندماج الاجتماعي، فضلا عن أن الانضمام إلى القوات المسلحة يقتصر على المواطنين اليابانيين.
تحدٍ استراتيجي للمستقبل
يرى مراقبون أن استمرار التراجع السكاني قد يفرض ضغوطا متزايدة على الاقتصاد الياباني، ويرفع أعباء الإنفاق على الرعاية الاجتماعية، ويحد من قدرة الدولة على توفير العمالة وتمويل الإنفاق الدفاعي. وبينما تواصل الحكومة إطلاق مبادرات لدعم الأسرة والمواليد، يبقى نجاحها في وقف هذا المسار الديمغرافي أحد أكبر التحديات التي ستحدد مستقبل اليابان خلال العقود المقبلة.
للمزيد تابع
خليجيون نيوز على: فيسبوك | إكس | يوتيوب | إنستغرام | تيك توك
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار الرياضية فى هذا المقال : أزمة المواليد في اليابان تهدد الاقتصاد والأمن القومي.. والحكومة تناشد المواطنين:"أنجبوا من فضلكم", اليوم الجمعة 31 يوليو 2026 11:57 مساءً
أخبار متعلقة :