جريدة مصرنا

خطابات عائلية عن الشأن العام "3"

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خطابات عائلية عن الشأن العام "3", اليوم الجمعة 31 يوليو 2026 04:56 مساءً

كنت أحيانًا أتسأل عن دور ثورة يوليو في حياة أبي وجيله، وكانت وساوس الشيطان تتلاعب بي، أحدهم قال لي مرة: "عبد الناصر سحّر لهذا الشعب!".

 

ولأني ـ بفضل الله ـ من الكافرين بالسحر والسحرة وكل ألاعيب الشعوذة، فلم أرد على محدثي ورتلت في سري: "عسى ربي أن يهدني سواء السبيل".

 

وقد فتحت لي الخطابات بابًا من أبواب اليقين، حقًا كان لا مفر من ثورة يوليو، وجاءت الثورة لتنقذ أمة عظيمة من اليأس قبل أن تنقذها من الجوع والمرض والحفاء.

 

في الخطابات لا أجد أدنى شكوى من صعوبة الحالة المادية، أو من الخوف من المستقبل، بل أجد حماسًا وأملًا، يجعل أبي يتخير ألفاظ خطابه إلى ابنه فيقول له في الخطاب الثاني، وهو للأسف غير مؤرخ: "لكم كان بودي أن ينوب قدمي عن قلمي وبناني عن بياني، ولكن هي مشاغل الحياة وعوائق الزمن.. أضرع إلى الله أن تصلك كلماتي هذه وأنت متوج بالصحة والرفاهية.. كل ما يقلقني في الحياة أن يصلك خطابي وأنت متأهب لأداء فريضة الجمعة: صل يا بني واشكر الله على نعمائه على ما أولاك به من رعاية وحدب

 

ولدي العزيز: كن رجلاً عاقلاً متزناً صريحاً شجاعاً في كل أمورك.. وصيتي: عش مع الواقع دائماً وأبداً، ولاتكن من الذين يعيشون في الأوهام والخيالات".

 

ما زلنا في مطلع الستينيات، وأبي يعول قبيلة من أولاده الذين يتلقون تعليمهم النظامي، ومع ذلك يكتب لولده في خطاب مؤرخ بـ 24 نوفمبر من العام 1961: "إن شاء الله تجدني ملبيًا لجميع طلباتك ورغباتك أما عن الرحلة وغيرها فأنت حر في كل تصرفاتك وأني وأشهد الله، قد أوكلت أمرك لضميرك الحي وشعورك الحساس فثق بنفسك وكن معتدًا برأيك، أما عن مسألة الفلوس والعيش فهذه أمور تافهة إن شاء الله لا تستدعي تفكيرك فيها بمشيئة الله سأصل عندك.. أنا والزميل عبد البديع يوم الاثنين القادم وسأنفذ جميع طلباتك، سير إلى الأمام وكن مستقيماً وصل لله واشكر نعمائه".

 

سر هذا الاطمئنان، هو في قرارات الثورة التي دعمت أبي الموظف بالابتدائية الذي لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون راتبه قد تجاوز سقف العشرة جنيهات شهريًا، لقد قامت الثورة بخفض الرسوم ثم خفض الإيجارات ثم فتحت المجال العام أمام طبقة كاملة لكي تنهض وتعمل، قرارات الثورة جعلت طالبًا في مدرسة المعلمين يقدم على القيام برحلة إلى قاهرة المعز قادمًا من أسيوط، تلك لعمري كانت مغامرة، ثم الأب يبارك الرحلة ويدعمها ويدعو ولده إلى عدم الانشغال بأمور الفلوس!

 

مضت السنون ونحن الآن في الرابع من مارس من العام 1967، وفي ذلك العام وقبيل أشهر من كارثة يونيو كان أبي الحاج بهجات في الثانية والعشرين من عمره، وكان منخرطًا بهمة في الشأن العام وعضوًا بارزا في منظمة الشباب الاشتراكي، وكانت الظهير الشبابي بل الشعبي لعبد الناصر (التمساحية البعيدة جدًا كانت في قلب هذا الحراك!).

 

الوالد من أسيوط يكتب لولده الذي سافر ليحضر اجتماعًا للمنظمة عقد في مدينة حلوان جنوب القاهرة في العاشر من مارس من العام 1967: "لماذا تأخرت على بالمراسلة للآن، رجائي رسالة تحتوي على الآتي:

 

رحلتك مفصلة من قيام التاكسي بك حتى وصولك إلى المعسكر وكل ما صادفته ومعاملة سائق التاكسي معكم.

 

وكلامي وليست نصيحتي أو وصيتي، ألا تقبل على عملك أقبال المنوط به بل أقدم عليه برضاً وحب وإيمان وتفان وإخلاص وأظنك من الفاعلين لأنه حلمنا الذي كنا نعيشه من أجيال.

 

سأعرض عليك الآن منظرًا سريعًا في ثوان من فصل من فصول مسرحية الحياة الطويلة..

 

هذا المنظر لا أحكيه لك وأقول يا ولدي في غابر الأيام كان وكان و....... كلا، فقد لا تصدق ولكنك ابن الثورة بل سأجعلك تحكيه لنفسك لأنك بطله 

الزمان السبت الموافق 4 مارس 1967م درجوا اسمك في البلد ضمن خمسين شخصًا يمثلون القرية.

 

كلامي انتهى وإليك نصيحتي ووصيتي:

أولاً: الصلاة ثم الصلاة فهي الدرع والوقاية والصبر والنشاط والحب والطاعة والأدب والالتزام وصدق المنفلوطي (إن لم تكن الصلاة أفضل العبادات لكانت أحسن العبادات).

ثانياً: التسامح والبساطة وعدم التكلف حتى في الكلام ومطمئن عليك في هذه الناحية

ثالثاً: التعرف على الآخرين كل الآخرين داخل المعسكر وخارجه ما وسعك ذلك.

وصيتي انتهت.

 

من الواضح أن أعمال معسكر منظمة الشباب الاشتراكي قد تواصلت حتى وصلنا إلى الثاني من مايو من العام 1967 وفيه يكتب الوالد لولده: "هل سمعت أضواء المدينة البارحة وما أدخله عليها جلال معوض من التجديد حين آمن بإنسانيته ورسالته هو وكل من اشترك معه.

 

قلتَ في خطابك الأخير إن عدد الدارسين بالمعهد 251 دارساً فهل تعرفت على الكثير منهم.

 

صل من أجلك وأجلنا ومن أجل الإنسانية إن كنت مؤمنًا بإنسانيتك وزر أولياء الله لأن دعواتك ستكون مجابة بإذن الله وخاصة إذا دعوت لنا وحبذا لو تيسرت لك زيارة آل بيت الرسول صل الله عليه وسلم والصالحين وفضيلة مولانا السيد محمد أبو العيون.

 

نكمل الأسبوع المقبل بإذن الله..

 

أخبار متعلقة :