في كرة القدم، هناك أندية تصنع النجوم، وأندية تصنع التاريخ.. ريال مدريد ينتمي إلى الفئة الثانية؛ النادي الذي لا يكتفي بصناعة اللاعبين، بل يصنع أساطير تُخلَّد في ذاكرة اللعبة.
إمبراطورية المجد الأبيض
هنا مرّ دي ستيفانو، بوشكاش، خينتو، راؤول، كاسياس، زيدان، رونالدو الظاهرة، فيغو، بيكهام، كريستيانو رونالدو وبنزيمة.. أسماء لم تكن مجرد لاعبين، بل كانت فصولاً كاملة من كتاب المجد الأبيض. كل واحد منهم حمل القميص كأنه يحمل إرثاً، وكل واحد منهم ترك خلفه ضوءاً لا ينطفئ.
في قلب هذا الإرث يقف رجل أثار الجدل أكثر مما جمع الإجماع: فلورنتينو بيريز. الرئيس الذي بنى إمبراطورية النجوم، لكنه أيضاً لم يتردد في بيع بعض أعمدتها، مهما كان وقع القرار على الجماهير. بيريز لا يخشى العاصفة، ولا يتردد أمام الأسماء الكبيرة، فهو رجل يرى كرة القدم بمنظار اقتصادي واستراتيجي، لا بمنظار العاطفة.
قرارات تهزّ القلعة
على مدى سنوات رئاسته، اتخذ قرارات صادمة غيّرت شكل الفريق، وأثّرت على النادي إعلامياً وتسويقياً. حين باع مسعود أوزيل، خسر الفريق عقله المبدع في الثلث الأخير، واهتزت الجماهير غضباً. وحين رحل أنخيل دي ماريا بعد موسم أسطوري، فقد الفريق أحد أهم لاعبيه في المباريات الكبيرة. أما رحيل كريستيانو رونالدو، فكان زلزالاً بكل معنى الكلمة؛ انخفضت القوة التهديفية، وتراجعت القيمة التسويقية، واهتزت الهيبة الهجومية لسنوات. ولم يكن رحيل بنزيمة مجرد انتقال لاعب كبير، بل كان انطفاء ضوءٍ من قلب ريال مدريد؛ فخروج الهدّاف التاريخي الثاني للنادي ترك فراغاً عاطفياً وتكتيكياً لا يُسدّ بسهولة، وكأن الريال فقد آخر خيطٍ يربطه بعصرٍ كامل من المجد الأبيض. حتى رحيل كاسيميرو جاء ليكشف هشاشة الوسط الدفاعي، ويترك أنشيلوتي أمام فراغ يصعب ملؤه.
هذه القرارات تؤكد أن بيريز لا يتردد في بيع أي لاعب مهما كان تأثيره؛ إذا رأى أن الصفقة تخدم مشروعه المالي أو الرياضي. لكن أمام فينيسيوس جونيور، تبدو المعادلة أكثر تعقيداً.
فينيسيوس اليوم ليس مجرد جناح سريع أو هدّاف مؤثر، بل هو أيقونة النادي. لاعب يخلق الفرص من العدم، ويربك الدفاعات بسرعته ومراوغاته، ويسجل في المباريات الكبيرة، ويصنع ثنائياً ذهبياً مع رودريغو وبيلينغهام. خارج الملعب، هو أحد أكثر اللاعبين متابعة على منصّات التواصل، ووجه دعائي ضخم في أمريكا الجنوبية وأوروبا، وقميصه من الأكثر مبيعاً في النادي. إنه لاعب يرفع قيمة العلامة التجارية للريال، ويجذب المشاهدين، ويمنح الفريق حضوراً إعلامياً لا يمكن تعويضه.
فينيسيوس.. قلب الهجوم
داخل غرفة الملابس، فينيسيوس محبوب، يمتلك شخصية قوية، ويُعدّ قائداً غير معلن في الهجوم. وجوده يمنح الفريق روحاً، وغيابه يترك فراغاً لا يملؤه أحد. لذلك فإن مجرد الحديث عن بيعه يشبه الحديث عن اقتلاع جزء من قلب الفريق.
ومع ذلك، يصرّ أرسنال على ضمه. النادي اللندني يرى في فينيسيوس اللاعب الذي ينقص مشروع ميكيل أرتيتا؛ جناحاً يسارياً خارقاً يكسر التكتلات الدفاعية، ويرفع جودة الهجوم فوراً، ويمنح الفريق لاعباً حاسماً في المباريات الكبيرة. كما أن قيمته التسويقية هائلة، قادرة على رفع مبيعات القمصان وتعزيز حضور أرسنال عالمياً. وفوق ذلك، فإن أسلوب أرتيتا القائم على الضغط العالي والتحولات السريعة يناسب فينيسيوس تماماً، ما يجعل اللاعب قطعة مثالية في مشروع يسعى لمنافسة مانشستر سيتي وليفربول واليونايتد على القمة.
لكن السؤال الذي يشعل الصحافة العالمية اليوم هو:
هل يبيع بيريز فينيسيوس الأيقونة؟
بيريز رجل أعمال قبل أن يكون رئيساً للنادي. يعرف قيمة فينيسيوس، لكنه أيضاً يعرف قيمة المال. بيع اللاعب قد يجلب مبلغاً يتجاوز 200 مليون يورو؛ رقم لا يمكن تجاهله. لكن بيع فينيسيوس يعني خسارة أهم لاعب هجومي، وضربة إعلامية للنادي، وتراجعاً في القيمة التسويقية، وغضباً جماهيرياً هائلاً، واهتزازاً في مشروع أنشيلوتي، وفقدان لاعب يمثل روح الفريق.
فينيسيوس اليوم يشبه ما كانه رونالدو في 2010، وبنزيمة في 2021، وراؤول في 2003. بيع الأيقونات ليس سهلاً، لكنه ليس مستحيلاً في قاموس بيريز. ومع ذلك، فإن قراراً كهذا لن يكون مجرد صفقة، بل لحظة مفصلية في تاريخ النادي، لحظة تُكتب في الكتب، وتُناقش في الاستوديوهات، وتُحكى في المقاهي؛ لأن ريال مدريد حين يبيع نجماً، لا يبيع لاعباً فقط، بل يبيع جزءاً من روحه.
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار الرياضية فى هذا المقال : بيريز بين المال والمجد الأبيض: فينيسيوس على طاولة البيع, اليوم الخميس 30 يوليو 2026 07:59 مساءً
أخبار متعلقة :