نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"عين أمور".. كنز الوادي الجديد المدفون بين الصخور والرمال, اليوم الخميس 30 يوليو 2026 01:50 مساءً
ولم يكن درب عين أمور مجرد ممر صحراوي تعبره القوافل، بل كان طريقًا استراتيجيًا يربط بين واحتي الخارجة والداخلة، ومحطة رئيسية للتزود بالمياه والاستراحة، ونقطة دفاعية لحماية المسافرين، حتى أصبح اليوم أحد أهم المواقع الأثرية التي تستحق أن تحتل مكانتها على خريطة السياحة العالمية.
تقع منطقة عين أمور على بعد نحو 80 كيلومترًا شمال غرب مدينة الخارجة بالقرب من هضبة أبو طرطور، وسط مجموعة من المواقع الأثرية المهمة مثل أم الدبادب واللبخة، وهي مناطق ارتبطت جميعها بطريق التجارة القديم الذي كان يربط واحات الصحراء الغربية منذ آلاف السنين.
وتكشف المنطقة عن ملامح حضارية نادرة، حيث تنتشر النقوش الصخرية والكتابات القبطية والعربية، إلى جانب بقايا معبد روماني شُيد بالحجر الجيري، وعين مياه تاريخية كانت تمد القوافل بالحياة وسط الصحراء القاحلة.
أكد محمد إبراهيم، مدير عام الآثار المصرية بالخارجة، أن درب عين أمور يُعد أحد أهم الطرق التاريخية التي ربطت بين الخارجة والداخلة، واستمر استخدامه حتى بدايات القرن العشرين، مشيرًا إلى أن الدراسات الأثرية أثبتت أن الطريق كان جزءًا من شبكة واسعة من المسارات الصحراوية التي لعبت دورًا محوريًا في حركة التجارة والتنقل.
وأوضح أن المنطقة تضم شواهد أثرية متنوعة تشمل النقوش الصخرية، وبقايا الفخار، ومحطات توقف القوافل، فضلًا عن قلاع ونقاط مراقبة أنشئت لتأمين الطريق وحماية المسافرين من الأخطار.
وسط الجبال يقف معبد عين أمور الروماني شامخًا، ليؤكد أهمية الموقع خلال العصر الروماني، بينما تروي عين المياه التاريخية قصة الاستقرار الإنساني في قلب الصحراء، حيث اعتمدت عليها القوافل وسكان المنطقة لقرون طويلة، كما كشفت بقايا الزراعات القديمة أن المكان لم يكن مجرد محطة عبور، بل شهد نشاطًا زراعيًا واستقرارًا بشريًا لفترات طويلة.
وتعد النقوش الصخرية المنتشرة في المنطقة واحدة من أهم الكنوز الأثرية، إذ تحمل رسائل تركها الإنسان عبر عصور متعاقبة، وتوثق مراحل مختلفة من تاريخ الصحراء الغربية، رغم تعرض أجزاء منها لعوامل التعرية والرياح.
ويؤكد الأثريون أن هذه النقوش تمثل سجلاً تاريخيًا نادرًا يساعد الباحثين على فهم طبيعة الحياة وحركة البشر عبر آلاف السنين.
وفي مايو عام 1908، عبر عالم المصريات الأمريكي هربرت وينلوك هذا الطريق التاريخي على ظهور الجمال، وسجل يوميات رحلته التي استمرت ثلاثة أسابيع، قبل أن ينشرها في كتاب صدر عام 1936، لتصبح مرجعًا مهمًا للباحثين في تاريخ الواحات.
وشملت الرحلة زيارة عدد من المواقع الأثرية المهمة مثل دير الحجر، وإسمنت الخراب، وأمهدة، وأسهمت في لفت أنظار البعثات العلمية العالمية إلى كنوز الوادي الجديد.
ورغم ما تتمتع به المنطقة من قيمة أثرية فريدة، فإن الوصول إليها ما زال يحتاج إلى سيارات دفع رباعي ومسارات صحراوية خاصة، وهو ما يمنح الرحلة طابعًا استكشافيًا مميزًا لعشاق السفاري والسياحة البيئية، لكنه يتطلب أيضًا تطوير البنية الأساسية وتوفير خدمات الإرشاد والتأمين للحفاظ على الموقع.
وأكد محسن عبد المنعم، مدير الهيئة المصرية العامة لتنشيط السياحة بالوادي الجديد، أن المحافظة تمتلك أكثر من 120 موقعًا أثريًا و50 مزارًا سياحيًا، وهو ما يؤهلها لتكون واحدة من أهم المقاصد السياحية في مصر، خاصة مع الربط بين السياحة الأثرية والبيئية والعلاجية وسياحة السفاري.
وأشار إلى أن القلاع المنتشرة على امتداد الطريق لم تكن منشآت منفصلة، بل شكلت منظومة دفاعية متكاملة لتأمين القوافل، فيما ساهمت عيون المياه ومحطات الاستراحة في استمرار الحركة التجارية عبر الصحراء لقرون طويلة.
ويؤكد خالد شتوي، وكيل مكتب وزارة السياحة السابق وأحد أبناء واحة الخارجة، أن تطوير الطرق المؤدية إلى عين أمور، مع توفير الخدمات السياحية والإرشادية، سيحول المنطقة إلى مقصد عالمي لعشاق التاريخ والطبيعة، خاصة أنها تجمع بين الآثار الفرعونية والرومانية والقبطية والإسلامية في موقع واحد.
وأكدت الدكتورة حنان مجدي، محافظ الوادي الجديد، أن المحافظة تولي اهتمامًا كبيرًا بالحفاظ على المواقع الأثرية والتراثية، وفي مقدمتها منطقة عين أمور، لما تمثله من قيمة حضارية وإنسانية تعكس عراقة الواحات المصرية عبر آلاف السنين، مشيرة إلى أن المحافظة تعمل بالتنسيق مع وزارة السياحة والآثار والجهات المعنية على حماية هذه المواقع وإبرازها بالشكل اللائق.
وأضافت أن الوادي الجديد يمتلك مقومات استثنائية تؤهله ليصبح وجهة عالمية للسياحة الأثرية والبيئية، وأن تطوير البنية الأساسية وفتح مسارات سياحية جديدة سيسهمان في جذب مزيد من الزائرين، ودعم الاقتصاد المحلي، مع الحفاظ الكامل على الطابع الأثري والبيئي الفريد للموقع.
يبقى درب عين أمور أكثر من مجرد طريق قديم؛ فهو كتاب مفتوح يروي تاريخ الإنسان في الصحراء الغربية، ويحفظ بين صخوره ورماله ذاكرة حضارات صنعت واحدة من أهم صفحات التاريخ المصري، في انتظار مزيد من الاكتشافات التي قد تكشف عن أسرار جديدة لا تزال مدفونة تحت رمال الوادي الجديد.
يمكنك مشاركة الخبر علي صفحات التواصل
أخبار متعلقة :