جريدة مصرنا

«قراءة إشارات الدماغ» أمل جديد لعلاج فاقدى النطق.. ومخاوف أخلاقية من ثورة الذكاء الاصطناعى

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«قراءة إشارات الدماغ» أمل جديد لعلاج فاقدى النطق.. ومخاوف أخلاقية من ثورة الذكاء الاصطناعى, اليوم الأربعاء 29 يوليو 2026 01:09 مساءً

هذا التطور لم يعد مجرد فرضية علمية، بل غيّر حياة مرضى بالفعل. فقد استعاد الأمريكي براد سميث، المصاب بالتصلب الجانبي الضموري (ALS)، وسيلة للتواصل عبر واجهة دماغ – حاسب، كما استعادت "آن جونسون" القدرة على التواصل بعد 18 عامًا من فقدان الكلام إثر سكتة دماغية، بفضل تقنية حوّلت إشارات دماغها إلى صوت يشبه صوتها. غير أن هذين الإنجازين اعتمدا على أقطاب مزروعة داخل الدماغ، بينما تمثل دراسة حديثة خطوة نحو تحقيق النتيجة نفسها باستخدام أجهزة خارجية مدعومة بالذكاء الاصطناعي، دون جراحة.

ولا تقتصر الحاجة إلى هذه التقنيات على مرضى التصلب الجانبي الضموري، إذ تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن واحدًا من كل أربعة بالغين حول العالم معرض للإصابة بسكتة دماغية خلال حياته، وهي من أبرز أسباب فقدان القدرة على الكلام والتواصل.

ومع إثبات إمكانية استعادة التواصل لدى بعض المرضى، انتقل التحدي إلى البحث عن بدائل أقل تدخلًا وأكثر قابلية للاستخدام. وفي هذا السياق، طور باحثون نظام Brain2Qwerty v2 الذي يستخدم جهاز التصوير المغناطيسي للدماغ (MEG) ونموذجًا لغويًا قائمًا على Qwen3-4B لتحويل النشاط الدماغي إلى نص.

كيف يترجم «AI» إشارات الدماغ؟

على عكس التقنيات التي تعتمد على زراعة أقطاب كهربائية داخل الدماغ لالتقاط النشاط العصبي مباشرة، يعتمد نظام Brain2Qwerty v2 على جهاز التصوير المغناطيسي للدماغ (MEG)، وهو جهاز غير جراحي يرصد المجالات المغناطيسية الدقيقة الناتجة عن نشاط الخلايا العصبية من خارج الرأس.

يرصد النظام إشارات النشاط الدماغي عبر جهاز (MEG)، ثم يستعين بنموذج لغوي يعمل بالذكاء الاصطناعي لإعادة بناء الكلمات وتصحيحها، بحيث تتحول الإشارات العصبية تدريجيًا إلى نص أكثر دقة.

لا تكمن أهمية الدراسة في تطوير نظام جديد فحسب، بل في تحسن أدائه مقارنة بالإصدار السابق. فقد درب الباحثون Brain2Qwerty v2 على بيانات تسعة مشاركين، شملت نحو 90 ساعة من تسجيلات النشاط الدماغي وما يقرب من 22 ألف مثال، بهدف توسيع قاعدة البيانات التي يتعلم منها النظام وأظهرت النتائج انخفاض معدل الخطأ في الكلمات من 43% في الإصدار السابق إلى 39% في الإصدار الجديد، كما تحسنت دقة التعرف على الأحرف.

أين يكمن الإنجاز ؟
للوهلة الأولى، قد تبدو نتائج الدراسة غير لافتة، فمعدل الخطأ لا يزال مرتفعًا مقارنة بالأنظمة التي تعتمد على شرائح مزروعة داخل الدماغ. لكن الباحثين يرون أن الإنجاز الحقيقي لا يكمن في نسبة الدقة وحدها، بل في طريقة الوصول إليها.

فمعظم الأنظمة الأكثر دقة اليوم تعتمد على زراعة أقطاب كهربائية داخل الدماغ، وهو إجراء جراحي لا يناسب جميع المرضى ويحمل مخاطر طبية وتكاليف مرتفعة. أما Brain2Qwerty v2 فيعمل من خارج الجسم باستخدام جهاز تصوير مغناطيسي للدماغ، ما يجعله أقل تدخلًا من الناحية الطبية، ويفتح الباب أمام توسيع استخدام واجهات الدماغ والحاسوب إذا استمر تحسن دقتها في المستقبل.

من يستفيد من التقنية؟
فاقدو القدرة على الكلام من مرضى التصلب الجانبي الضموري (ALS)، والسكتات الدماغية، وإصابات الحبل الشوكي وبعض إصابات الدماغ الرضحية.

تحسين دقة هذه التقنيات في يعد وسيلة جديدة للتواصل لملايين المرضى الذين فقدوا القدرة على الكلام بسبب أمراض أو إصابات عصبية، مثل مرضى التصلب الجانبي الضموري (ALS)، والسكتات الدماغية، وإصابات الحبل الشوكي، وبعض إصابات الدماغ الرضحية.

ولا يقتصر الاستخدام المحتمل على كتابة الرسائل أو التحدث عبر الحاسوب، بل قد يمتد مستقبلًا إلى التحكم في الأجهزة المساعدة، مثل الكراسي المتحركة والأطراف الصناعية وأجهزة الاتصال، بما يمنح المرضى قدرًا أكبر من الاستقلالية ويحسن جودة حياتهم.

الخصوصية.. عندما تصبح إشارات الدماغ بيانات
يثير التقدم في واجهات الدماغ والحاسوب نقاشًا يتجاوز الطب والذكاء الاصطناعي إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك بيانات الدماغ؟ فإذا أصبحت هذه التقنيات أكثر دقة وانتشارًا، فقد تتحول الإشارات العصبية إلى نوع جديد من البيانات الشخصية، يتطلب مستوى أعلى من الحماية مقارنة ببيانات الهوية أو السجل الطبي.

ويرى متخصصون في القانون وأخلاقيات التكنولوجيا أن التحدي لا يقتصر على حماية خصوصية المستخدم، بل يمتد إلى وضع قواعد تنظم جمع هذه البيانات واستخدامها والاحتفاظ بها، وتحدد المسؤولية القانونية إذا أسيء استخدامها أو تعرضت للاختراق.

 

الباحثون:
الهدف استعادة التواصل الطبيعى للمرضى

يؤكد فريق الباحثين أن القيمة الحقيقية لهذه التقنيات لا تتمثل في ترجمة النشاط الدماغي إلى كلمات فحسب، بل في إعادة المرضى إلى محادثة طبيعية بعد سنوات من فقدان القدرة على الكلام. وفي إحدى الدراسات الحديثة، نجح الباحثون في تطوير واجهة دماغ – حاسب مكّنت امرأة تبلغ من العمر 47 عامًا، فقدت القدرة على الكلام منذ 18 عامًا إثر إصابتها بسكتة دماغية، من تحويل محاولاتها الصامتة للكلام إلى صوت رقمي يشبه صوتها قبل الإصابة.

ويشير الباحث جوبالا كريشنا أنومانشيبالي، إلى أن النظام لم يعد يقتصر على الكلمات التي تدرب عليها، بل أصبح قادرًا على تفسير كلمات وجمل جديدة وإنتاج كلام أكثر طلاقة واستمرارًا. ويقول: "نهج البث الذي طورناه أتاح، للمرة الأولى، إنتاج كلام شبه متزامن مع النشاط الدماغي، بما يقرب هذه الواجهات من سرعة الاستجابة التي توفرها المساعدات الذكية مثل أليكسا وسيري، ويجعل التواصل أكثر طبيعية وسلاسة."

من جانبه، يرى جراح الأعصاب إدوارد تشانغ، أن هذه التقنيات تحمل إمكانات كبيرة لتحسين جودة حياة الأشخاص الذين يعانون شللًا شديدًا أفقدهم القدرة على الكلام، مؤكدًا أن التطورات الأخيرة في الذكاء الاصطناعي سرعت بشكل ملحوظ تطوير واجهات الدماغ – الحاسوب، وقربتها من الاستخدام العملي خارج المختبرات.

ومع ذلك، يشدد الباحثون على أن الطريق ما زال طويلًا، إذ تحتاج هذه الأنظمة إلى اختبارات أوسع على أعداد أكبر من المرضى، إلى جانب تطويرها لتتمكن مستقبلًا من نقل نبرة الصوت والانفعالات، وليس الكلمات وحدها، بما يجعل التواصل أكثر تعبيرًا عن الحالة الإنسانية.

لواء د. محمد الدسوقى أستاذ الأمن القومى:
التطورات تجاوزت حدود الطب والذكاء الاصطناعى.. إلى الأمن القومى
الاستعداد مبكرا بأطر قانونية وأخلاقية لحماية البيانات الحيوية والرقمية للمواطنين

أكد اللواء د. محمد الدسوقي، أستاذ الأمن القومي، أن التطورات في واجهات الدماغ - الحاسوب تفرض نقاشًا يتجاوز حدود الطب والذكاء الاصطناعي، ليمتد إلى قضايا الأمن القومي وحماية البيانات الاستراتيجية. وأوضح أن المعلومات المستخلصة من النشاط الدماغي قد تصبح مستقبلًا من أكثر أنواع البيانات حساسية، ما يستدعي الاستعداد المبكر بوضع أطر قانونية وأخلاقية تواكب هذا التطور.

وأشار إلى أن القيمة الإنسانية لهذه التقنيات في استعادة قدرة المرضى على التواصل لا ينبغي أن تحجب المخاطر المحتملة، مؤكدًا أن التعامل مع إشارات الدماغ يجب أن يخضع لضوابط صارمة تضمن احترام الخصوصية، وتقصر استخدامها على الأغراض العلاجية والبحثية المشروعة.

وأضاف أن مفهوم الأمن القومي لم يعد يقتصر على حماية الحدود أو البنية التحتية، بل أصبح يشمل أيضًا حماية الأصول الرقمية والبيانات الحيوية للمواطنين، لافتًا إلى أن بيانات الدماغ قد تنضم مستقبلًا إلى الفئات التي تتطلب أعلى مستويات الحماية.

ورأى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في التطور العلمي نفسه، وإنما في قدرة الدول على بناء منظومة حوكمة تحقق التوازن بين تشجيع الابتكار وصون الحقوق والحريات، بما يضمن مواكبة التشريعات للتطور المتسارع في هذا المجال.

وأكد أن السباق العالمي في الذكاء الاصطناعي لم يعد يقتصر على تطوير النماذج اللغوية أو الحوسبة المتقدمة، بل امتد إلى التقنيات القادرة على التفاعل المباشر مع الدماغ البشري، وهو ما يمنح هذا المجال أبعادًا استراتيجية تتجاوز الاستخدامات الطبية.

وأوضح أن الدول القادرة على تطوير هذه التقنيات، أو على الأقل تنظيمها وحماية هذا النوع من البيانات، ستكون أكثر قدرة على تعزيز سيادتها الرقمية، بينما قد تواجه الدول المتأخرة تحديات مرتبطة بالاعتماد على تقنيات أجنبية للتعامل مع واحدة من أكثر فئات البيانات حساسية. ولذلك شدد على أهمية الاستثمار في البحث العلمي، وإعداد كوادر وطنية، ووضع سياسات واضحة تضمن الاستخدام الآمن والمسؤول لهذه التقنيات.

واختتم بالتأكيد على أن بناء الثقة المجتمعية سيكون شرطًا أساسيًا لانتشار واجهات الدماغ–الحاسوب، إذ لن يرتبط قبول الأفراد لها بكفاءتها الطبية فحسب، بل أيضًا بوجود ضمانات قانونية وتقنية تكفل حماية هذه البيانات ومنع إساءة استخدامها أو استغلالها.

 

د. رحاب الرحماوى أستاذ الذكاء الاصطناعى:
انتقال من فك شفرة الإشارات العصبية إلى استنتاج نمط التواصل
المرحلة المقبلة ستعتمد على الدمج بين «AI» وعلوم الأعصاب والهندسة الحيوية

ترى الدكتورة رحاب الرحماوي، أستاذ الذكاء الاصطناعي والمحاضر وزميل الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، أن بطل هذه الدراسة ليس جهاز تصوير الدماغ، بل النموذج اللغوي الذي نجح في تحسين تفسير النشاط العصبي، مؤكدة أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة لمعالجة البيانات، بل أصبح عنصرًا أساسيًا في استنتاج الأنماط المرتبطة بالتواصل.

وتوضح أن الدماغ لا يعالج كل إشارة بصورة منفصلة، بل يعتمد على السياق ويتوقع الكلمة التالية، وهو ما تحاول النماذج اللغوية الحديثة محاكاته عند تفسير النشاط الدماغي. وترى أن هذه المقاربة تمثل انتقالًا من مجرد فك شفرة الإشارات العصبية إلى استنتاج نمط التواصل، بحيث يسهم الذكاء الاصطناعي في تعويض ما قد تعجز الإشارات وحدها عن إظهاره.

وتضيف أن أهمية الدراسة لا تقتصر على تحسين دقة النتائج، بل تعكس اتجاهًا متناميًا في أبحاث الذكاء الاصطناعي يقوم على دمج مصادر معلومات متعددة لاستخلاص المعنى. فالقيمة الحقيقية للنماذج اللغوية، بحسب رأيها، لا تكمن في تصحيح الكلمات فحسب، بل في توظيف السياق لتعويض نقص أو غموض الإشارات، وهو ما قد ينعكس مستقبلًا على تطبيقات الطب والتشخيص والتواصل المساعد.

وتؤكد أن الأنظمة الحالية لا تفهم الأفكار بالمعنى البشري، وإنما تفسر أنماطًا عصبية تعلمت الارتباط بينها وبين مهام محددة، لافتة إلى أن المرحلة المقبلة لن تعتمد بالضرورة على نماذج أكبر حجمًا، بل على نماذج أكثر ذكاءً تدمج بين الذكاء الاصطناعي وعلوم الأعصاب والهندسة الحيوية، إلى جانب تحسين جودة الإشارات العصبية نفسها.

وتختتم الرحماوي، بأن مستقبل هذا المجال لن يقوم على امتلاك أكبر قدر من البيانات، بل على توظيف بيانات أعلى جودة وأكثر قدرة على الاستدلال، وهو ما يجسده الانتقال من مفهوم Big Data إلى Smart Data.

د. محمد محسن رمضان خبير الأمن السيبرانى:
البيانات العصبية هدف الهجمات الإلكترونية المستقبلية
إشارات الدماغ تكشف معلومات مرتبطة بالحالة الذهنية

يحذر الدكتور محمد محسن رمضان، خبير الأمن السيبراني، من أن التطور المتسارع في واجهات الدماغ والحاسوب لا يفتح بابًا جديدًا للعلاج فقط، بل يخلق أيضًا فئة غير مسبوقة من البيانات شديدة الحساسية، هي "البيانات العصبية"، التي قد تصبح مستقبلًا هدفًا للهجمات الإلكترونية كما حدث من قبل مع البيانات المالية والصحية.

ويرى أن خصوصية إشارات الدماغ تجعلها تختلف عن كلمات المرور أو البصمات أو حتى البيانات الوراثية، لأنها قد تكشف مستقبلًا معلومات مرتبطة بالحالة الذهنية أو أنماط التفاعل العصبي، وهو ما يفرض التفكير مبكرًا في آليات حمايتها قبل انتشار هذه التقنيات على نطاق واسع.

ويشير إلى أن الاهتمام العالمي بمفهوم "الحقوق العصبية" يعكس إدراكًا متزايدًا لضرورة وضع قواعد قانونية تحكم جمع هذه البيانات واستخدامها وتخزينها، حتى لا تتحول إلى وسيلة للمراقبة أو الاستغلال التجاري.

اوضح أن التجارب السابقة مع الإنترنت ومنصات التواصل أظهرت أن غياب الضوابط في المراحل الأولى يجعل معالجة المخاطر لاحقًا أكثر صعوبة، مؤكدًا أن الاستعداد المبكر هو الضمانة الحقيقية للاستفادة من هذه التقنيات دون المساس بخصوصية المستخدمين.

ويلفت رمضان إلى أن التحدي الأمني في هذا المجال يختلف عن حماية قواعد البيانات التقليدية، لأن أنظمة واجهات الدماغ والحاسوب تتعامل مع إشارات عصبية خام قبل تحويلها إلى كلمات. لذلك، فإن أي تلاعب بهذه الإشارات أو بالنماذج الذكية التي تفسرها قد يؤدي إلى مخرجات غير صحيحة أو مضللة. ويرى أن حماية هذه المنظومات يجب أن تبدأ من مرحلة التصميم، من خلال تأمين دورة حياة هذا النوع من البيانات بالكامل، وليس الاكتفاء بحماية قواعد البيانات بعد إنشائها.

ويؤكد أن التحدي لم يعد يقتصر على تطوير أنظمة أكثر دقة، بل يمتد إلى تصميمها وفق معايير أمن سيبراني تضمن حماية هذه البيانات منذ لحظة جمعها وحتى استخدامها، لأن أي اختراق مستقبلي قد لا يعني سرقة معلومات شخصية فحسب، بل المساس بواحدة من أكثر بيانات الإنسان خصوصية.

أخبار متعلقة :