نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
بوسحابة يكتب: من المتضرر من التحاق لقجع بـ"البام".. ولماذا أثار قراره كل هذا الجدل؟, اليوم الثلاثاء 28 يوليو 2026 07:04 مساءً
في السياسة، لا يمكن التعامل مع ردود الفعل بمعزل عن دلالاتها. فحين يتحول مجرد التحاق مسؤول بحزب سياسي إلى الحدث الأكثر تداولاً قبل أشهر من الانتخابات، ويستأثر بكل هذا القدر من التصريحات والتدوينات والتحليلات، يصبح من المشروع التساؤل: لماذا كل هذا الجدل؟ ولماذا تحول فوزي لقجع، في ظرف وجيز، إلى محور النقاش السياسي، بينما يفترض أن يكون النقاش منصباً على البرامج والحصيلة والبدائل؟
الجواب، في تقديري، لا يرتبط بشخص فوزي لقجع بقدر ما يرتبط بما يمثله سياسياً وانتخابياً. فالسياسة بطبيعتها لا تخشى الأسماء بقدر ما تخشى الأثر الذي يمكن أن تتركه تلك الأسماء في وعي الناخب. ولهذا، فإن أول ما يلجأ إليه الخصم عندما يشعر بأن منافساً جديداً قد يربك حساباته، هو محاولة رسم صورة ذهنية سلبية عنه قبل أن تتشكل لدى الرأي العام صورة أخرى قد تكون أكثر إيجابية. إنها استراتيجية قديمة تقوم على استهداف الشخص بدل مناقشة الأفكار، وعلى صناعة الخوف بدل صناعة الإقناع.
واللافت أن جزءاً كبيراً من النقاش الدائر اليوم لا يناقش المشروع السياسي الذي سيدافع عنه حزب الأصالة والمعاصرة بعد التحاق لقجع، ولا يتوقف عند برنامجه الانتخابي، ولا عند رؤيته لمعالجة الإشكالات الاقتصادية والاجتماعية، بل ينحصر في شخص الرجل، وكأن مجرد انضمامه إلى حزب سياسي أصبح حدثاً استثنائياً يستوجب إعلان حالة استنفار سياسي وإعلامي. وهذا، في حد ذاته، يحمل أكثر من رسالة، لأن السياسي الذي لا يشكل أي تهديد لمنافسيه لا يتحول عادة إلى العنوان الأول للنقاش العمومي.
وليس هذا المشهد جديداً على الحياة السياسية المغربية. ففي انتخابات سنة 2016، ظل حزب العدالة والتنمية، مدعوماً بجيشه الإلكتروني، يروج لفكرة أن نتائج الانتخابات محسومة سلفاً، وأن حزب الأصالة والمعاصرة، بقيادة إلياس العماري، سيصل إلى رئاسة الحكومة بدعم ما كان يسمى آنذاك بـ"الدولة العميقة". واستُعمل هذا الخطاب بكثافة للتشكيك في نزاهة العملية الانتخابية، قبل أن تأتي صناديق الاقتراع بنتيجة معاكسة تماماً، ويتصدر حزب العدالة والتنمية الانتخابات ويقود الحكومة لولاية ثانية. يومها سقطت رواية "النتائج المحسومة" أمام إرادة الناخب. واليوم، وبعد عشر سنوات تقريباً، يعود الخطاب نفسه، لكن بأسماء مختلفة؛ إذ يجري الإيحاء مرة أخرى بأن دخول فوزي لقجع إلى حزب الأصالة والمعاصرة يعني أن نتائج الانتخابات أصبحت معروفة سلفاً، وكأن التاريخ لم يقدم لأصحاب هذا الطرح أي درس.
وإذا كان من حق أي حزب أن ينتقد خصومه، فإن من حق المغاربة أيضاً أن يتساءلوا: لماذا يتم تحويل النقاش من تقييم حصيلة الحكومات المتعاقبة إلى التركيز على شخص واحد؟ ولماذا يُطلب من المواطن أن ينشغل بمن التحق بحزب سياسي، بدل أن ينشغل بما تحقق في ملفات التشغيل، والتعليم، والصحة، والقدرة الشرائية، والاستثمار، والعدالة المجالية؟ أليست هذه هي القضايا التي ستحدد فعلاً اختيارات الناخب يوم الاقتراع؟
إن الانتخابات في الأنظمة الديمقراطية لا تُحسم بتخويف الناخب من خصم سياسي، وإنما بإقناعه ببرنامج وحصيلة ورؤية للمستقبل. لذلك، عندما يصبح الهجوم على الأشخاص بديلاً عن الدفاع عن الإنجازات، فإن ذلك يعكس، في كثير من الأحيان، أزمة في الخطاب السياسي أكثر مما يعكس قوة في الحجة.
ولعل المفارقة الأكبر أن كثيراً ممن يقودون اليوم حملة التشكيك في التحاق لقجع بـ"البام" ليسوا خارج دائرة المسؤولية، بل كانوا جزءاً من الحكومات التي تعاقبت على تدبير الشأن العام خلال العقدين الأخيرين، سواء من مواقع القيادة أو المشاركة أو التأثير. ولهذا، فإن المنطق الديمقراطي يفرض أن يخضع الجميع للميزان نفسه، وأن تكون الحصيلة هي معيار التقييم، لا الأسماء ولا الانتماءات.
ثم إن الوقائع وحدها كفيلة بتفنيد كثير من الخطابات المتداولة. ففوزي لقجع لم يقد حكومة، ولم يترأس حزباً سياسياً، ولم يخض تجربة انتخابية تشريعية من قبل، كما أن تجربته الحكومية اقتصرت على مهمة وزير منتدب مكلف بالميزانية. ومع ذلك، تحول إلى الموضوع الأول في النقاش السياسي، بينما يغيب الحديث عن حصيلة من تداولوا على المسؤولية لعشرات السنين. وهذا يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه عميق: إذا كان الرجل لا يمثل أي وزن سياسي، فلماذا كل هذا الانشغال به؟ ولماذا هذا الحرص على شيطنته قبل أن يمنحه الناخب فرصة التقييم؟
قد يختلف المغاربة حول فوزي لقجع، وقد يتفقون معه أو يعارضونه، وهذا حق طبيعي في أي مجتمع ديمقراطي. لكن ما ليس طبيعياً هو أن يتحول الاختلاف السياسي إلى محاولة لإقناع الرأي العام بأن مجرد التحاقه بحزب سياسي يمثل تهديداً للديمقراطية أو دليلاً على أن نتائج الانتخابات حُسمت سلفاً. فهذا النوع من الخطاب لا يخدم الديمقراطية، بل يضعف الثقة في المؤسسات، ويعيد إنتاج الأسطوانة نفسها التي سبق أن سقطت أمام اختبار صناديق الاقتراع.
لقد تغير المغرب كثيراً، وتغير معه الناخب المغربي أيضاً. فالوعي السياسي اليوم لم يعد كما كان قبل سنوات، والمواطن أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم النتائج الملموسة، وأقل استعداداً لتصديق الخطابات التي تقوم على التخويف أو صناعة الخصوم. لذلك، فإن من يريد كسب ثقة المغاربة لن ينجح عبر شيطنة منافسيه، وإنما عبر تقديم أجوبة مقنعة عن الأسئلة التي تشغل المواطنين كل يوم.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي ليس لماذا التحق فوزي لقجع بحزب الأصالة والمعاصرة، بل لماذا يخشى البعض هذه الخطوة إلى هذا الحد؟ ولماذا تحولت إلى قضية وطنية قبل أن تبدأ الحملة الانتخابية أصلاً؟ فالسياسة لا تقاس بحجم الضجيج الذي يصاحب الأشخاص، وإنما بقدرة الفاعلين على إقناع الناخبين. أما تحويل رجل واحد إلى "كابوس انتخابي"، فلن يعفي أحداً من مواجهة السؤال الذي سيظل يلاحق الجميع إلى غاية يوم الاقتراع: ماذا قدمتم للمغاربة عندما كانت المسؤولية بين أيديكم؟ لأن الناخب، في النهاية، لا يصوت ضد الأشخاص، بل يصوت مع من يعتقد أنه قادر على صناعة الفرق.
أخبار متعلقة :