جريدة مصرنا

اختطاف وإخفاء قسري وتعهدات بالإكراه.. هكذا تُذبح الصحافة اليمنية في صمت دولي

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اختطاف وإخفاء قسري وتعهدات بالإكراه.. هكذا تُذبح الصحافة اليمنية في صمت دولي, اليوم الاثنين 27 يوليو 2026 03:05 صباحاً

في ظلّ صمتٍ دولي يثقل كاهل المشهد الإعلامي اليمني، خرجت منظمة "هيومن رايتس ووتش" ببيانٍ صادقٍ وغاضبٍ في آنٍ واحد، تدقّ فيه ناقوس الخطر حول مصير الصحفيين في بلادٍ تحوّلت فيها الكلمة إلى جريمةٍ تستحقّ الاغتيال أو الاختطاف أو الاحتجاز التعسفي، فيما يبقى الإفلات من العقاب سيد الموقف.

وفي تفاصيل البيان الذي نشرته المنظمة الدولية المختصة بحقوق الإنسان، الأحد، تبرز صورةٌ قاتمةٌ للواقع الذي يعيشه العاملون في المجال الإعلامي اليمني، إذ لا تزال المخاطر الجسيمة تُحاصرهم من كلّ حدبٍ وصوب، بدءاً من الاغتيالات المباشرة وصولاً إلى الاختطاف والإخفاء القسري والاحتجاز بمعزلٍ عن العالم الخارجي، وسط غيابٍ تامٍّ لأيّ إجراءاتٍ رادعةٍ أو تحقيقاتٍ جديةٍ تُوصل إلى محاسبة المتورطين.

وتأتي هذه التوصيات والتحذيرات في سياقٍ حافلٍ بالأحداث الدامية، كان آخرها مقتل الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي "العربية" و"الحدث"، الذي لقي حتفه في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، يوم 24 يونيو الماضي، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت بدقةٍ في سيارته. الحادثة التي هزّت الوسط الإعلامي المحلي والعربي لم تكن الأولى، بل هي حلقةٌ جديدةٌ في سلسلةٍ طويلةٍ من الجرائم التي استهدفت الصحفيين على مدى سنوات الحرب اليمنية الممتدة.

ولم تتوقف آلة الانتهاكات عند حدود الاغتيال، بل امتدّت لتشمل الاحتجاز المُبرمج والتعسفي، حيث كشفت "هيومن رايتس ووتش" عن حالة الصحفي حمود هزاع، الذي اعتقلته قوات الأمن في محافظة مأرب بتاريخ 27 يونيو الماضي، وذلك أثناء قيامه بتغطية فعاليةٍ عامة. المصدر نفسه أفاد بأنّ الصحفي قضى يومين كاملين في الاحتجاز الانفرادي، بعيداً عن أيّ تواصلٍ خارجي، قبل أن يُفرَج عنه مقابل توقيعه تعهداً كتابياً بعدم انتقاد الحكومة المعترف بها دولياً أو وزير الإعلام، في إجراءٍ يُجسّد حجم الضغوط السياسية والأمنية التي يتعرّض لها الإعلاميون في مناطق النفوذ المختلفة.

على الجانب المهني، أدانت نقابة الصحفيين اليمنيين بشدة مقتل الزميل عيضة، معتبرةً أنّ الجريمة امتدادٌ طبيعيٌّ لحملاتٍ سابقةٍ طالت عدداً من الزملاء والزميلات، من بينهم الصحفية رشا الحرازي والصحفي صابر الحيدري، اللذين يُجسّدان ذاكرة الدم التي رسمتها الحرب على جسد المهنة.

وفي إحصائيةٍ تُرسم حجم الكارثة، نقلت "هيومن رايتس ووتش" عن المنظمة الوطنية للإعلاميين اليمنيين "صدى" تأكيدها بأنّ أكثر من 90 صحفياً وإعلامياً قُتلوا منذ اندلاع النزاع في اليمن عام 2015، وهو رقمٌ يعكس حجم التهديدات المُحيطة بالصحافة ومحاولاتٍ مُمنهجةٍ لإسكات الأصوات الإعلامية وإغلاق آخر نوافذ نقل الحقيقة إلى الرأي العام المحلي والدولي.

ولم تُغفل المنظمة الدولية، في تقييمها، مناطق سيطرة مليشيا الحوثي، حيث سجّلت حالة اختطاف الصحفي صلاح الدين الروحاني من منزله في العاصمة صنعاء خلال شهر مارس الماضي، مع استمرار إخفائه قسرياً حتى اللحظة، وفقاً لما وثّقه الاتحاد الدولي للصحفيين، في دليلٍ جديدٍ على تفشّي ظاهرة الاختطاف السياسي كأداةٍ لكبح جماح الإعلام المستقل.

واستذكرت "هيومن رايتس ووتش" تقريرها الصادر في سبتمبر 2025، والذي وثّق انتهاكاتٍ واسعةً بحقّ الصحفيين ارتكبتها مختلف أطراف النزاع، بما في ذلك مليشيا الحوثي والحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، حيث شملت الانتهاكات عمليات قتل وإخفاء قسري وتعذيب وسوء معاملة، من دون أن تشهد البلاد أيّ تحركٍ فاعلٍ لمحاسبة المتورطين أو تقديمهم إلى العدالة.

وشدّدت المنظمة على أنّ القانون الدولي يُلزم جميع أطراف النزاع بحماية المدنيين، بمن فيهم الصحفيون، وضمان حقهم في الأمن وحرية التعبير، محذّرةً من أنّ استمرار الإفلات من العقاب يُشكّل حافزاً قوياً لتكرار الانتهاكات واستباحة حياة الإعلاميين.

وفي ختام بيانها، دعت "هيومن رايتس ووتش" الحكومة اليمنية إلى إجراء تحقيقٍ فوريٍّ ومحايدٍ وشفافٍ في مقتل الصحفي محمد عيضة، والتحقيق في جميع الاعتداءات التي استهدفت الصحفيين في المناطق الخاضعة لسيطرتها، فيما طالبت مليشيا الحوثي بالإفراج الفوري عن جميع الصحفيين والإعلاميين المحتجزين لديها، وفي مقدّمتهم الصحفي صلاح الدين الروحاني.

وخلصت المنظمة إلى التأكيد على أنّ حماية الصحافة في اليمن لن تكون بمجرّد البيانات والشجب، بل تتطلب إجراءاتٍ عمليةً وجديةً لإنهاء سياسة الإفلات من العقاب، وضمان عدم تحوّل استهداف الصحفيين إلى أداةٍ روتينيةٍ لفرض الصمت وتقييد نقل الحقيقة في بلادٍ يعيش شعبها على وقع الحرب منذ أكثر من عقدٍ من الزمن.

أخبار متعلقة :