نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل حان وقت إنهاء «حصانة الـ18 عاما»؟, اليوم الجمعة 10 يوليو 2026 04:48 مساءً
المعادلة ليست سهلة؛ فالمجتمع لا يريد أن يحرم من يمكن إصلاحه من فرصة جديدة، لكنه في الوقت نفسه لا يقبل أن يتحول إلى حقل تجارب لمن يثبت أنه شديد الخطورة أو ضعيف الاستجابة للإصلاح. وبين هذين الاعتبارين، يتجدد الجدل حول مدى قدرة قانون الطفل بصيغته الحالية على مواكبة التحولات التي شهدها جيل نشأ في عصر التكنولوجيا والانفتاح الرقمي، أم أن الجرائم الجسيمة باتت تستوجب معالجة تشريعية مختلفة.
عاد الجدل بقوة قبل أيام، عقب تنفيذ حكم الإعدام بحق نورهان، بعد إدانتها بتسهيل قتل والدتها، في القضية المعروفة إعلاميًا بـ«جريمة بورسعيد»، في حين أُودع شريكها في الجريمة، المتهم بتنفيذ القتل، إحدى المؤسسات العقابية لعدم بلوغه السن القانونية. وبين الحكمين، تجدد التساؤل: هل ما زال قانون الطفل يحقق التوازن بين حماية الحدث وحق الضحايا والمجتمع في العدالة، أم أن الوقت قد حان لإعادة النظر في آليات التعامل مع الجرائم الجسيمة التي يرتكبها بعض الأحداث؟
عميد حقوق المنوفية الأسبق: التطور التكنولوجى يفرض إعادة النظر فى بعض مفاهيم المسؤولية الجنائية
التشريع الفرنسى يمنح القاضى سلطة تقدير مدى تمتع الحدث بالإدراك
ضرورة مراجعة قانون العقوبات.. والأخذ بفكرة «القصد المتعدى»
يرى الدكتور سامي الشوا، عميد كلية الحقوق بجامعة المنوفية الأسبق، أن التطور التكنولوجي وما صاحبه من انفتاح معرفي فرضا إعادة النظر في بعض مفاهيم المسؤولية الجنائية، موضحاً أن الطفل اليوم يتمتع بقدر من الإدراك والوعي يختلف عن الأجيال السابقة، بعدما أصبح قادراً على الوصول إلى المعلومات والمعرفة بسهولة عبر الهواتف الذكية ووسائل التكنولوجيا الحديثة، وهو ما انعكس على قدرته على الفهم والتفكير والتدبير.
ويؤكد أن العدالة تقتضي ألا تكون السن وحدها المعيار الحاكم للمساءلة الجنائية، وإنما يجب أن يقترن بمعيار الإدراك، بحيث يتحمل من يثبت تمتعه بإدراك كامل مسؤولية تتناسب مع طبيعة أفعاله. واستشهد بالتشريع الفرنسي، الذي يمنح القاضي سلطة تقدير مدى تمتع الحدث بملكة الإدراك، فإذا ثبت إدراكه لطبيعة أفعاله ونتائجها أمكن ترتيب مسؤوليته الجنائية على هذا الأساس، داعياً إلى الاستفادة من هذه التجربة بما يحقق التوازن بين حماية الطفل وحق المجتمع.
وفيما يتعلق بالجرائم الجسيمة، يرى الشوا أن التدابير المقررة في قانون الطفل لا تحقق الغاية المرجوة في جميع الحالات، خاصة في جرائم القتل العمد أو الاغتصاب المقترن بالقتل، موضحاً أن التدبير يهدف في الأساس إلى تقويم السلوك، بينما تستهدف العقوبة تحقيق الردع وحماية المجتمع، ومن ثم فإن الاكتفاء بالتدابير في مثل هذه الجرائم قد يخل بحقوق الضحايا وذويهم ولا يحقق العدالة الجنائية المنشودة.
ويشير إلى أن إنهاء التدبير يرتبط بقرار يصدر عن لجنة الشؤون الاجتماعية لتقدير مدى تحقق الإصلاح، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى ملاءمة هذا النظام في الجرائم البالغة الخطورة، مطالباً بإعادة النظر في فلسفة التعامل مع مرتكبي هذه الجرائم من الأحداث، من خلال إنشاء مؤسسات عقابية متخصصة لهذه الفئة، بدلاً من الاكتفاء بمؤسسات الرعاية، بما يواكب طبيعة الجرائم المستحدثة ومستوى الإدراك الذي وصل إليه بعض الأحداث.
ودعا إلى مراجعة بعض أحكام قانون العقوبات، ومن بينها الأخذ بفكرة «القصد المتعدي»، موضحاً أن هناك حالات لا يقصد فيها الجاني إزهاق الروح مباشرة، لكنه يقدم على سلوك يعلم أنه ينطوي على خطر جسيم قد يفضي إلى الوفاة، ومع ذلك تُكيّف الواقعة بوصفها قتلاً خطأ لعدم توافر قصد القتل المباشر. ويضرب مثالاً بمن يقود سيارة وهو يتعلم القيادة في طريق مزدحم، مدركاً احتمال التسبب في وفاة أحد، ثم يقع الحادث بالفعل، معتبراً أن مثل هذه الحالات تستوجب إعادة نظر تشريعية حتى يعكس التكييف القانوني درجة الخطورة الحقيقية للفعل، ويسهم في سد ما يراه ثغرات في قانون العقوبات الصادر عام 1937، بما يتلاءم مع التطورات والأنماط الإجرامية المستحدثة.
مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع الأحداث: قانون الطفل صدر فى واقع إجرامى مختلف عن اليوم
تزايد استغلال الأطفال من عصابات منظمة للاستفادة من اختلاف المعاملة القانونية
يرى اللواء معز السبكي، مساعد وزير الداخلية الأسبق لقطاع الأحداث، أن الواقع الإجرامي الذي يتعامل معه القانون اليوم يختلف جذرياً عن الواقع الذي صدر في ظله قانون الطفل، معتبراً أن تطور أنماط الجريمة يستوجب إعادة النظر في بعض النصوص التشريعية، وعلى رأسها السن التي يبدأ عندها تطبيق نظام عدالة الطفل، مقترحاً خفضها إلى 16 عاماً.
ويؤكد أن هذا الطرح يستند إلى خبرة عملية طويلة في التعامل مع جرائم الأحداث، موضحاً أن الأجهزة الأمنية أصبحت تواجه جرائم قتل وسرقات بالإكراه واعتداءات عنيفة، إلى جانب تزايد استغلال الأطفال من جانب تشكيلات وعصابات منظمة تستفيد من اختلاف المعاملة القانونية المقررة لهم.
ويستشهد بواقعة عاصرها خلال عمله، عندما ضُبط طفل يبلغ من العمر 16 عاماً يقود سيارة محملة بكميات من مخدر البانجو، قبل أن تكشف التحريات عن أنه لم يكن سوى أداة يستخدمها تشكيل عصابي اعتقد أن صغر سنه سيحول دون تعرضه لعقوبة تتناسب مع الجريمة. ويرى أن مثل هذه الوقائع لم تعد حالات فردية، بل أصبحت تعكس اتجاهاً متنامياً لاستغلال الأحداث كواجهة لتنفيذ الجرائم والإفلات من العقاب.
ويشير إلى أن التطور التكنولوجي، وما صاحبه من انتشار الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية العنيفة والمحتوى الذي يتضمن مشاهد العنف، أسهم في رفع مستوى إدراك بعض الأطفال وتأثرهم بأنماط السلوك الإجرامي، وهو ما يجعل مراجعة بعض النصوص التي وُضعت قبل عقود أمراً ضرورياً لمواكبة الواقع الجديد.
ويؤكد أن بعض صور التدابير المقررة لصغار السن قد تؤدي عملياً إلى استغلالهم من جانب بالغين أو عصابات منظمة، وهو ما يفرض تشديد العقوبات على كل من يستخدم الأطفال في ارتكاب الجرائم، إلى جانب إعادة النظر في حقوق الضحايا التي تبدأ عندها المساءلة الجنائية الكاملة، بما يحقق توازناً بين حماية الطفل من جهة، وحماية المجتمع وحقوق الضحايا من جهة أخرى.
ويختتم السبكي بالتأكيد على أن هدفه ليس الانتقاص من الضمانات القانونية المقررة للأطفال، وإنما مواءمة التشريع مع تطور الجريمة الحديثة، مشدداً على أن القوانين يجب أن تتطور بتطور المجتمع حتى لا تتسع الفجوة بين النصوص القانونية والواقع العملي الذي تواجهه أجهزة إنفاذ القانون.
رئيس القطاع الدينى السابق بوزارة الأوقاف: التمييز معيار المحاسبة وليس السن المجردة
قانون الطفل يحتاج إلى مراجعة تراعى طبيعة الجريمة وجسامتها
اتفق د. جابر طايع، رئيس القطاع الديني السابق بوزارة الأوقاف، مع ما انتهى إليه عدد من الخبراء حول تطور إدراك الأطفال في العصر الحالي، إلا أنه أكد أن المعيار الذي ينبغي الاعتداد به في الجرائم الجسيمة هو سن التمييز وليس السن المجردة، موضحاً أن الفقه الإسلامي يجعل التمييز مناطاً للإدراك والمسؤولية، وأنه قد يختلف من شخص إلى آخر.
واستدل بحديث الصحابي محمود بن الربيع رضي الله عنه، الذي قال: «عقلتُ من النبي ﷺ مَجَّةً مَجَّها في وجهي من دلو وأنا ابن خمس سنين»، معتبراً أن الحديث يدل على تفاوت الإدراك بين الأطفال، وأن القدرة على التمييز لا ترتبط بعمر واحد ينطبق على الجميع.
ويرى أن قانون الطفل يحتاج إلى مراجعة تراعي طبيعة الجريمة وجسامتها، بحيث لا تكون السن وحدها المعيار الحاكم في جميع الأحوال، مؤكداً أن الجرائم الجسيمة، وفي مقدمتها القتل والجرائم المركبة، تستوجب معاملة قانونية مختلفة، لأن الاكتفاء بالتدابير الإصلاحية في مثل هذه الوقائع قد لا يحقق الغاية المرجوة من العدالة الجنائية، ولا يوفر الحماية الكافية للمجتمع.
وأضاف أن العقوبات في الشريعة لا تستهدف الإصلاح وحده، وإنما تقوم أيضاً على الردع والزجر وصيانة المجتمع من الجريمة، مستشهداً بالمقولة الفقهية: "من أمن العقاب أساء الأدب"، معتبراً أن غياب الردع في الجرائم الخطيرة قد يشجع بعض صغار السن على ارتكابها، كما قد يدفع بالغين إلى استغلالهم في تنفيذ الجرائم مستفيدين من اختلاف المعاملة القانونية المقررة لهم.
وأكد أن الشريعة تفرق بين السن القانونية وسن التمييز، وأن ثبوت التمييز والإدراك لدى الجاني ينبغي أن يكون محل اعتبار عند وضع السياسات العقابية الخاصة بالجرائم الجسيمة، محذراً من أن مساواة جميع الحالات دون نظر إلى درجة الإدراك أو خطورة الفعل قد تؤدي إلى خروج بعض الجناة الأكثر خطورة بعد انتهاء فترة الإيداع.
واقترح أنه إذا حالت النصوص القانونية أو الالتزامات الدولية دون تنفيذ العقوبة المقررة على الحدث وقت ارتكاب الجريمة، فيمكن للمشرع النص على تأجيل تنفيذها إلى ما بعد بلوغه السن التي يحددها القانون، بما في ذلك العقوبات التي يجيزها التشريع، متى ثبت أن الجاني كان مميزاً ومدركاً لطبيعة فعله وقت ارتكاب الجريمة، بما يحقق التوازن بين حقوق الطفل وحق المجتمع في العدالة والردع.
أستاذ طب نفسى: الطفل يصبح مسؤولا عن أفعاله نفسيا بعمر 14 عاما
تطور وسائل التواصل رفع مستوى الإدراك لدى المراهقين مقارنة بالأجيال السابقة
يرى د. جمال فرويز، أستاذ الطب النفسي، أن الطفل يصبح مسؤولاً عن أفعاله نفسياً منذ إتمام الرابعة عشرة، معتبراً أن النضج الإدراكي في هذه المرحلة يجعله قادراً على فهم طبيعة السلوك ونتائجه، وهو ما يدفعه إلى المطالبة بتحمل المسؤولية الجنائية في الجرائم الجسيمة.
وأشار إلى أن التطور الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي والتكنولوجيا رفع مستوى الإدراك لدى المراهقين مقارنة بالأجيال السابقة، الأمر الذي يجعل الإبقاء على سن الثامنة عشرة بصورته الحالية يسمح لبعض مرتكبي الجرائم الخطيرة بالإفلات من العقاب الرادع، وقد يشجع آخرين على ارتكاب الجرائم وهم على يقين بأنهم سيعاملون معاملة الأحداث.
وأضاف أن خبرته العملية كشفت عن حالات استُغل فيها صغار السن لارتكاب جرائم قتل أو تحمل مسؤولية جرائم ارتكبها بالغون، خاصة في بعض المناطق الثأرية والريفية، مستشهداً بحالة تابعها بنفسه ارتكب فيها بالغون جريمة قتل شقيقتهم، بينما تحمل أحد المراهقين المسؤولية الجنائية، وأودع إحدى مؤسسات الرعاية لمدة عامين قبل خروجه.
وفي سياق تقييمه لجدوى الاكتفاء بالتأهيل، أوضح فرويز أن مرتكبي جرائم القتل ليسوا نمطاً واحداً، بل ينقسمون إلى أنماط نفسية مختلفة، فهناك الشخصية الانفجارية التي ترتكب الجريمة تحت تأثير نوبة غضب ثم تشعر بالندم، والشخصية الشكاكة التي تفسر تصرفات الآخرين على أنها تنمر أو إهانة فتندفع إلى الانتقام، إضافة إلى الشخصية السيكوباتية التي تفتقد التعاطف والمشاعر الإنسانية، ما يجعل ارتكاب القتل بالنسبة لها أكثر سهولة.
وأكد أن اختلاف هذه الأنماط ينعكس مباشرة على فرص العلاج وإعادة التأهيل، موضحاً أن أصحاب الشخصيات الحدية والانفجارية قد يحققون نتائج جيدة إذا التزموا ببرامج العلاج، بينما تظل الشخصيات السيكوباتية والشكاكة من أقل الفئات استجابة للعلاج، نظراً لطبيعة الاضطراب وغياب الدافعية لدى كثير من أصحابها تلقي العلاج من الأساس. وأضاف أن خبرته الإكلينيكية الممتدة لأكثر من أربعين عاماً أظهرت أن بعض مرتكبي الجرائم يعودون إلى السلوك الإجرامي مرة بعد أخرى، ما يجعل نجاح برامج التأهيل مرتبطاً بنوع الاضطراب النفسي ومدى استعداد المريض للانخراط في العلاج، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى الاكتفاء بالتدابير الإصلاحية وحدها في جميع الجرائم الجسيمة.
وأشار إلى أن تقريراً صادراً في يونيو 2026 عن معهد واشنطن للأبحاث قدر عدد الأشخاص الذين يعانون اضطرابات نفسية حول العالم بنحو 1.2 مليار نسمة، مضيفاً أن نسبة المصابين بااضطرابات نفسية في مصر تجاوزت 31%، وهو ما يعكس تأثير الضغوط الحياتية والإفراط في استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، مع ملاحظة أن كثيراً من المصابين لا يلجأون إلى العلاج.
واختتم بالتأكيد على أن سن الخامسة عشرة هو الأنسب لبدء المساءلة عن الجرائم الجسيمة، انطلاقاً من اعتقاده بأن المراهق في هذه المرحلة يكون مدركاً لطبيعة أفعاله ونتائجها، ومن ثم يجب أن يتحمل المسؤولية القانونية عنها.
أسس علمية وراء تحديد سن الطفولة بـ18 عاما
رئيس الائتلاف المصرى لحقوق الطفل: زيادة الوعى أو المعرفة الناتجة عن الثورة التكنولوجية لا تعنى اكتمال النمو
قانون الطفل يقرر المسؤولية الجنائية بدءا من سن 12.. ويكتفى بالتدابير حتى 15 عاما
تطوير برامج للتعليم والتدريب المهنى والرعاية النفسية والاجتماعية يحد من عودة الأطفال إلى الجريمة
يشدد هاني هلال، رئيس الائتلاف المصري لحقوق الطفل، على أن تحديد سن الطفولة عند 18 عاماً لا يستند إلى اعتبارات قانونية فحسب، وإنما إلى أسس علمية تتعلق بمراحل النمو البدني والنفسي والعقلي للإنسان، موضحاً أن زيادة الوعي أو المعرفة الناتجة عن الثورة التكنولوجية لا تعني اكتمال هذا النمو أو تغير مراحله البيولوجية.
ويضيف أن وسائل التواصل الحديثة رفعت من مستوى المعرفة وسرعة الوصول إلى المعلومات، وأن الطفل أصبح أكثر قدرة على الفهم والتمييز مقارنة بالأجيال السابقة، إلا أن ارتفاع مستوى الإدراك لا يعني بالضرورة اكتمال النضج، وهو ما يفرض مسؤولية أكبر على الأسرة ومؤسسات الدولة، كما يستدعي تقييم مدى ملاءمة بعض التدابير القانونية في ضوء هذا الواقع.
ويشير إلى أن قانون الطفل المصري يقرر المسؤولية الجنائية بدءاً من سن 12 عاماً، مع الاكتفاء بالتدابير بالنسبة للفئة من 12 إلى أقل من 15 عاماً، بينما يخضع من بلغ 15 عاماً ولم يتجاوز 18 عاماً لإجراءات وتدابير داخل مؤسسات إصلاح وتأهيل الأحداث، انطلاقاً من فلسفة تقوم على إعادة التأهيل وإعادة الدمج، لا معاملة الطفل معاملة البالغ.
وفي المقابل، يؤكد أن من أخطر التحديات استغلال الأطفال من قبل البالغين في ارتكاب الجرائم، سواء في قضايا التسول المنظم، أو الاتجار بالمخدرات، أو جرائم الثأر، أو من خلال العصابات المنظمة التي توظف الأطفال للاستفادة من اختلاف المعاملة القانونية المقررة لهم، مشدداً على ضرورة تغليظ العقوبات بحق كل من يستغل طفلاً أو يدفعه إلى ارتكاب جريمة، باعتبار أن الطفل في هذه الحالات يكون ضحية للاستغلال قبل أن يكون متهماً.
وحول مؤسسات إصلاح وتأهيل الأحداث، أوضح هلال أن الدولة طورت برامج للتعليم والتدريب المهني والرعاية النفسية والاجتماعية، إلا أن هذه الجهود ما زالت بحاجة إلى التوسع، بما يسهم في الحد من عودة بعض الأطفال إلى الجريمة بعد الإفراج عنهم، وهي ظاهرة تناولتها تقارير ودراسات دولية، تؤكد أن نجاح إعادة التأهيل يتطلب تقييماً دورياً للبرامج وقياس نتائجها بمؤشرات واضحة، وفي مقدمتها معدلات العود إلى الجريمة.
واختتم بالتأكيد على أن فلسفة عدالة الطفل تقوم على الحماية والإصلاح وإعادة الدمج، مع أهمية تطوير أدوات التقييم وقياس فاعلية البرامج الإصلاحية بصورة مستمرة، بما يحقق التوازن بين مصلحة الطفل وحق المجتمع في الأمن.
أستاذ علم اجتماع: مواجهة جرائم الأطفال لا تبدأ من المحكمة بل من الوقاية الاجتماعية
التفكك الأسرى ونزاعات الوالدين أبرز عوامل انحراف الصغار
ترى د. سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع، أن مواجهة جرائم الأطفال لا تبدأ من المحكمة، بل من الوقاية الاجتماعية، مؤكدة أن التدخل المبكر مع الأطفال المعرضين للخطر يمثل أحد أهم أدوات الحد من الجنوح قبل وقوعه.
وتوضح أن التفكك الأسري، وما يصاحبه من نزاعات مستمرة بين الوالدين أو الانفصال أو غياب أحدهما، يعد من أبرز عوامل الخطورة التي قد تدفع بعض الأطفال إلى الانحراف، خاصة إذا اقترن بضعف الرقابة الأسرية وغياب الاحتواء.
وتضيف أن التسرب من التعليم يمثل مؤشراً بالغ الخطورة، إذ يخرج الطفل من البيئة التعليمية إلى الشارع دون رقابة أو توجيه، فيصبح أكثر عرضة للاستغلال أو الانخراط في سلوكيات إجرامية، وهو ما يستدعي تعزيز آليات اكتشاف المتسربين والتدخل المبكر قبل تحولهم إلى أطراف في قضايا جنائية.
كما تشير إلى أن الفقر والعوز يدفعان بعض العصابات إلى استغلال الأطفال في ارتكاب جرائم متنوعة، مستفيدة من اختلاف المعاملة القانونية المقررة لهم، مؤكدة أن مواجهة هذه الظاهرة تقتضي تشديد العقوبات على كل من يستخدم الأطفال أو يدفعهم إلى ارتكاب الجرائم، باعتبارهم الحلقة الأخطر في هذه المنظومة الإجرامية.
وتؤكد خضر أن نجاح أي تعديل تشريعي لن يتحقق بالعقوبات وحدها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة تضم الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والخدمات الاجتماعية، وبرامج التدخل المبكر، حتى لا يقتصر التعامل مع الطفل بعد تحوله إلى جانح، بل يمتد إلى حمايته قبل الوصول إلى الجريمة.
وفيما يتعلق بالجرائم الأشد خطورة، مثل جرائم القتل أو الإرهاب، ترى أن مناقشة تشديد التدابير أو العقوبات تظل مطروحة في إطار حوار مجتمعي وتشريعي، يوازن بين حماية المجتمع وضمانات العدالة المقررة للأطفال.
أين اتفق الخبراء.. وأين اختلفوا؟
تكشف آراء الخبراء، رغم اختلاف تخصصاتهم، عن مساحة اتفاق أوسع مما قد يبدو للوهلة الأولى. فالجميع يتفق على أن الطفل اليوم يختلف عن طفل الأمس من حيث مستوى التعرض للمعلومات والتكنولوجيا واتساع دائرة الإدراك، وأن استغلال الأطفال في ارتكاب الجرائم أصبح تحدياً حقيقياً يستوجب مواجهة أكثر حسماً، كما يجمعون على ضرورة تطوير منظومة إصلاح وتأهيل الأحداث ورفع كفاءتها وقياس نتائجها بصورة دورية.
لكن نقطة الخلاف الرئيسية تتمثل في كيفية ترجمة هذه المتغيرات إلى نصوص قانونية. فبينما يرى خبراء القانون والطب النفسي والأمن أن الجرائم الجسيمة تستوجب إعادة النظر في فلسفة المساءلة، وربطها بدرجة الإدراك أو خفض السن في بعض الحالات، يتمسك الاتجاه الحقوقي بالإبقاء على سن الطفولة كما حددته الاتفاقيات الدولية والدستور، مع الدعوة إلى تطوير منظومة العدالة والتأهيل بدلاً من تعديل السن. وفي المقابل، يطرح الرأي الديني مفهوم «سن التمييز» باعتباره معياراً يمكن الاستفادة منه عند مناقشة السياسات العقابية، فيما يركز علم الاجتماع على أن العقوبات، مهما بلغت شدتها، لن تحقق أهدافها إذا ظلت أسباب الجريمة الاجتماعية قائمة.
وبين هذه الرؤى المختلفة، لا يبدو الجدل الحقيقي منصباً على مبدأ حماية الطفل، إذ لم يدعُ أي من الخبراء إلى إهدار الضمانات المقررة له، وإنما يدور حول كيفية تحقيق توازن دقيق بين حق الحدث في الإصلاح، وحق الضحايا والمجتمع في العدالة والردع، خاصة في الجرائم التي تتسم بقدر بالغ من الخطورة أو التخطيط أو العنف.
وتبقى الإجابة النهائية في يد المشرّع، الذي يواجه معادلة معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الدستورية والالتزامات الدولية، مع المتغيرات الاجتماعية والنفسية والأمنية التي فرضها الواقع، بما يضمن أن يظل القانون قادراً على حماية الطفل، دون أن يفقد المجتمع حقه في الأمن والعدالة.
وتقود هذه الرؤى المختلفة إلى سؤال عملي: إذا كان الإبقاء على الوضع الحالي يثير اعتراضات، بينما يثير خفض سن الطفولة إشكاليات دستورية ودولية، فما المسار الذي يمكن أن يحقق التوازن بين حماية الطفل وحق المجتمع؟
العصابات تستغل اختلاف المعاملة القانونية للأطفال
تشير تقارير معهد الأمم المتحدة الإقليمي لبحوث الجريمة والعدالة إلى تنامي استغلال الأطفال، خاصة في الفئة العمرية من 14 إلى 16 عاماً، من قبل عصابات الجريمة المنظمة في بعض الدول، ولا سيما في جرائم الاتجار بالمخدرات، مستفيدة من اختلاف المعاملة القانونية المقررة للأطفال مقارنة بالبالغين.
كما توضح بيانات مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة أن الأحداث يمثلون نحو 8% إلى 12% من إجمالي المشتبه بهم في الجرائم المسجلة عالمياً، بينما تظل الفئة العمرية 15–17 عاماً الأكثر تمثيلاً بين الأطفال المحتجزين، وفق بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة.
وتكتسب هذه المؤشرات أهمية خاصة في ضوء ما طرحه عدد من الخبراء في هذا التحقيق، الذين حذروا من أن استغلال الأطفال في ارتكاب الجرائم أو تحميلهم مسؤوليتها لم يعد حالات فردية، بل يمثل نمطاً إجرامياً يستوجب تشديد العقوبات على من يستخدم الأطفال كوسيلة للإفلات من العقاب.
رؤية تحليلة
كيف نحمى الطفل.. متهما أو مجنيا عليه؟
إذا كان خفض سن الطفولة يثير إشكاليات دستورية ودولية، بينما يكشف الواقع عن جرائم جسيمة يرتكبها بعض الأحداث المدركين لطبيعة أفعالهم، فهل توجد منطقة وسط تحقق العدالة للطرفين؟
يبدو أن الإجابة قد لا تكون في تغيير تعريف الطفل، وإنما في إعادة تصميم طريقة تعامل القانون مع الجرائم الجسيمة، من خلال نظام استثنائي يوازن بين حق الطفل في الإصلاح وحق المجتمع في الردع.
ولتحقيق هذا التوازن، يمكن أن يقوم هذا النظام على أربعة مرتكزات رئيسية:
استحداث نظام استثنائي للجرائم الجسيمة، مثل القتل العمد، والاغتصاب، والإرهاب، والخطف، وهتك العرض بالقوة، إذا ارتكبها من تتراوح أعمارهم بين 15 و18 عاماً.
إخضاع كل حالة لتقييم قضائي ونفسي واجتماعي يحدد مدى الإدراك والتمييز والقدرة على تحمل المسؤولية، بحيث لا تكون السن وحدها معياراً للحكم.
تشديد العقوبات على كل من يستغل الأطفال أو يدفعهم إلى ارتكاب الجرائم أو تحميلهم مسؤوليتها بقصد الإفلات من العقاب، باعتبار أن استغلال الحدث يمثل جريمة مستقلة تستوجب مواجهة أكثر حسماً.
تطوير منظومة التأهيل والإصلاح وربط قرارات الإفراج بنتائج تقييم موضوعية لبرامج العلاج والتأهيل، مع قياس معدلات العود إلى الجريمة بصورة دورية لضمان فاعلية هذه المنظومة.
هذا التصور لا يستهدف تقويض الضمانات التي كفلها القانون للأطفال، ولا تعميم معاملة استثنائية على جميع الأحداث، وإنما يسعى إلى سد الثغرة التي كشفها التحقيق، من خلال إيجاد آلية قانونية أكثر مرونة للتعامل مع الجرائم الجسيمة، تحقق التوازن بين حق الطفل في الحماية والإصلاح، وحق الضحايا والمجتمع في العدالة والردع، بما يواكب تطور الجريمة وتحولات المجتمع دون الإخلال بالمبادئ الأساسية لعدالة الأحداث.
الأطفال فى مصر بالأرقام
• 39.7 مليون طفل
• 36.8% من إجمالى السكان
• 20.4 مليون ذكر
• 19.3 مليون أنثى
المصدر: تقرير لـ«الإحصاء» 2026
4 من 5
نسبة الذكور في جرائم الأحداث
المصدر: تقرير لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة
8–12%
نسبة جرائم الأحداث من إجمالي الجرائم المسجلة عالميًا
المصدر: الدراسة العالمية بشأن القتل العمد 2023
كيف غيّرت التكنولوجيا إدراك الأطفال؟
العوامل
• الإنترنت
• الهواتف الذكية
• وسائل التواصل
• تدفق المعلومات
النتائج
• زيادة المعرفة
• سرعة الوصول للمعلومة
• التعلم الذاتى
• المعرفة الرقمية
المصدر: تقرير للأمم المتحدة 2025
أخبار متعلقة :