نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
خطابات عائلية عن الشأن العام "2", اليوم الأحد 26 يوليو 2026 04:56 مساءً
ولد الحاج عبد الرحيم عبد الجابر بقرية التمساحية بمركز القوصية بمحافظة أسيوط في العام 1919، فكان وجيله من ثمار الثورة المصرية اليانعة، وأيامها (والكلام لعبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي) كان التعليم عملية شاقة جدًا على كل جميع المستويات، الاقتصادي منها والاجتماعي، التعليم أيامها كان مقصورًا على الكتاتيب، وسعيد الحظ وصاحب الثروة هو الذي سيغادر إلى القاهرة حيث جنة الأزهر الشريف، أما عن وجود المدارس الابتدائية والإعدادية والثانوية في القرى فهذا أمور فوق الخيال.
تعليم الكتاتيب كان مقصورًا على حفظ القرآن الكريم ثم معرفة مبادئ القراءة والكتابة والحساب، ثم يترك التلميذ لشأنه.
لا يخجل عبيد الاحتلال ودراويش أسرة محمد علي، فيشنون حروبهم على ثورة يوليو التي جعلت التعليم كالماء والهواء حقًا..
من الواضح أن الحاج عبد الرحيم قد سمع باسم عباس محمود العقاد، وكيف بعزم من حديد وبهمة الملوك تعلم العلم الذي تعلمه وتسلح بالثقافة التي تسلح بها، حاز كل تلك المكانة ولم يحصل من شهادات التعليم الرسمي سوى على شهادة الابتدائية، وهذا كان حال أديب العربية الأعظم مصطفى صادق الرافعي، بعد الابتدائية التي لا أعرف كيف حصل عليها أبي انطلق يقرأ كل ما يصل إليه فترك لنا مكتبة ذاخرة بأمهات الكتاب في شتى المجالات!
أما ابنه أكبر أولاده الحاج بهجات فقد ولد في العام 1945، وعندما جاءت ثورة يوليو فتحت له ولجيله أبواب التعليم الإلزامي المنضبط، فحصل على الابتدائية ثم الإعدادية ثم التحق بمدرسة المعلمين، وهنا لنا وقفة مع تلك المدرسة العظيمة. أنقل عن صفحة تاريخ التعليم المصري: "إن لمصر تاريخ طويل في إعداد المعلم وكانت هناك معاهد أكاديمية تقوم بهذا الدور، ففي عام 1872 أنشأت دار العلوم كأول معهد علمي لإعداد معلمي اللغة العربية، إذا أن المقررات التربوية لم تدرج ضمن خطة الدراسة بها إلا ابتداء من عام1886م، وفي عام 1888م أنشأت مدرسة المعلمين المركزية".
أما عن أبرز خريجي المدرسة العظيمة فإليك هذه الأسماء على سبيل المثال لا الحصر: |الأديب إبراهيم عبد القادر المازني، والأديب محمد فريد أبو حديد، والمؤرخ محمد شفيق غربال، والشاعر عبد الرحمن شكري والمفكر زكي نجيب محمود!".
كانت مدرسة المعلمين تفتح أبوابها للتلاميذ الحاصلين على الإعدادية بشرطين، الأول أن يكون التلميذ متفوقًا، والثاني أن يكون راغبًا حقًا في أن يصبح معلمًا.
ثم بعد هذا التاريخ العريق للمدرسة تم إغلاقها بقرار عجيب في مطلع الثمانينات، ومن يوم إغلاقها لم ير التعليم خيرًا.
مدرسة الحاج بهجات كانت في ديروط بشمال أسيوط، وبين ديروط والتمساحية، مسافة لا تزيد عن ثلاثين كيلو مترًا، ومع قرب المسافة فإن خطابات الوالد لولده لم تكن تنقطع!
الخطاب الأول، وهو للأسف ليس مؤرخًا، يزف فيه الوالد لولده خبرًا سعيدًا فيقول: "أذيع أمس أن السيد كمال الدين حسين قرر تخفيض نصف الرسوم على الإعدادي والثانوي والجامعات، ودفع النصف الباقي على قسطين".
ورود اسم الوزير كمال الدين حسين يقطع بأن زمن الخطاب في أول الستينيات، ويلاحظ أن الحاج عبد الرحيم في خطاب عائلي يستخدم لغة التوقير مع معالي الوزير فيصفه بالسيد، ثم الموضوع مهم جدًا من وجهة نظره، الرسوم ستخفض، فكم كانت الرسوم التي فرح أبي بتخفيضها؟
بحثت فوجدت ما يلي: "المرحلة الإعدادية: كانت الرسوم المقررة قرابة 150 قرشاً (جنيهاً ونصف) سنوياً، فجرى تخفيضها لتصبح 75 قرشاً فقط".
لاحظ أن هذا النصف سيدفع على قسطين، يعني القسط أقل من خمسة وثلاثين قرشًا، آه نسيت إخبار قارئ اليوم أن كل مئة قرش تساوي جنيهًا واحدًا!
المرحلة الثانوية: كانت رسوم الخدمات والأنشطة تبلغ 3 جنيهات سنوياً، فخُفضت بموجب هذا القرار إلى 150 قرشاً (جنيهاً ونصف).
التعليم الجامعي: كانت الرسوم والاشتراكات الإضافية لخدمات الكليات والمعامل وتأمين الأدوات تتراوح بين 4 جنيهات إلى 6 جنيهات (حسب الكلية نظرية أم عملية)، وخُفِّضت بموجب القرار لتصبح بين جنيه ونصف إلى 3 جنيهات كحد أقصى.
قد تبدو فرحة أبي عجيبة لأن الأمر كله هو أمر قروش وجنيهات معدودة، ولكن عليك أن تعود إلى قبل ستين عامًا من عامنا هذا، فترى أن متوسط الرواتب الشهرية للموظفين كان يتراوح بين 10 إلى 15 جنيهاً فقط.
كان أبي قد أصبح موظفًا حكوميًا بعد أن أنشأت ثورة يوليو الجمعيات الزراعية المخصصة لخدمة الفلاح، فكان هو وعمي الحاج حسين عراقي (والد الكاتب والبرلماني الأستاذ عماد الدين حسين) أول موظفين قامت على أكتافهما الجمعية الزراعية بالتمساحية.
بالعودة إلى قرار الحكومة بتخفيض الرسوم الدراسية فقد فسر لي ولوع أبي بالدولة المصرية، فقد كان يجدد مبايعته لها مع كل خطاب شديد الخصوصية، لم يكن يعلم أن أحدًا غيره وغير ولده البكري سيطلع عليه!
أخبار متعلقة :