جريدة مصرنا

اوكاموتو خير الأمميين

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اوكاموتو خير الأمميين, اليوم السبت 25 يوليو 2026 03:51 مساءً


بقلم الشيخ ماهر حمود

لا ينبغي أن تمر وفاة المناضل الأممي كوزو أوكاموتو مرورَ الخبر العابر. رحل يوم الخميس الثالث والعشرين من تموز في بيروت عن ثمانية وسبعين عاماً، ورحيلُه محطّة فارقة تستوقفنا في تاريخ صراعنا مع الصهيونية، وفي تاريخ ما لقيته فلسطين من احتضانٍ عند أحرار العالم.
شاب ياباني من مدينة كوماموتو، كان يدرس علم النبات، ثمّ ترك بلده وأهله وانخرط في صفوف المقاومة الفلسطينية بكامل إرادته. لا حصة له في هذه الأرض، ولا نسبَ يشدّه إليها، لكنّه رأى ظلماً فلم يطق السكوت عليه، وألقى بنفسه إلى حافة الموت. وفي عملية مطار اللد سنة ألفٍ وتسعمئة واثنتين وسبعين قضى رفيقاه وبقي هو جريحاً في الأسر، وقد كان يريد لنفسه ما نالاه.
حُكم عليه بالسجن المؤبّد، فقضى ثلاثة عشر عاما في سجون العدو، أكثرها في العزل الانفرادي، وذاق في تلك الزنازين ما يعجز الوصف عن بلوغه، حتى أُفرج عنه سنة خمسٍ وثمانين في صفقة تبادل الأسرى المعروفة بعملية الجليل، فخرج يومها محمولا، شاحبَ الوجه منهَك البدن، ثم كان لبنان مستقره الأخير، اعتُقل فيه سنة سبع وتسعين، ومُنح حق اللجوء السياسي سنة ألفين، فعاش بقية عمره بعيداً عن الأضواء، وأشهر إسلامه هناك، وعُرف بين الناس بأحمد الياباني.
وبقي على عهده لم يبدّل ولم يساوم، وهو قد رأى بعينيه ما ارتُكب باسم قضية فلسطين من أخطاء، وعاين الخيانة في أوسلو وما حملته من ذلٍّ واستسلام وخضوع للأميركي والصهيوني، فما زحزحه ذلك كلّه عن موقفه قِيد شبر.
ويذكرنا هذا الرجل برجلٍ مر في السيرة النبوية فترك أثراً طيّباً ولم يكن مسلماً، هو مخيريق. كان حَبْراً عالماً، كثيرَ المال من النخل، يعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بصفته، غير أن إلْفَ دينه غلب عليه. فلمّا كان يوم أُحُد، وكان يوم سبت، قال لقومه: “يا معشر يهود، والله إنّكم لتعلمون أنّ نصر محمدٍ عليكم لحقّ”، قالوا: “إنّ اليوم يوم السبت”، قال: “لا سبتَ لكم”، ثم أخذ سلاحه وخرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بأُحُد، وعهد إلى من وراءه من قومه: “إن أُصبتُ هذا اليوم فأموالي لمحمد يصنع فيها ما شاء”، فقاتل حتى قُتل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “مخيريق خير يهود” (سيرة ابن هشام، غزوة أُحد)، ولم يخبرنا عليه الصلاة والسلام أهو في الجنة أم غير ذلك، وتلك مسألة أخرى، لكنّه مدحه، وحسبنا هذا،
فنقول اليوم إنّ معركة الحق ضد الباطل لا تنحصر في أبناء ديننا وحدهم، ولا فيمن ينتمي إلى العروبة وإلى فلسطين بالنسب والعِرق، بل هي معركة يُدعى إليها الناس جميعاً.
والحمد لله، نرى اليوم شعوبا كثيرة تخرج وترفع صوتها في وجه الصهيونية وجرائمها، وفي وجه ما يجري في غزة خاصة، أكثر مما نراه في شوارع المسلمين ومدنهم، وفي شوارع العرب ومدنهم، وهذا أمرٌ حسن من وجه وسيئ من وجه: حسن لأن الحق بلغ غيرَنا فأثر فيهم، وسيئ لأنه لم يؤثر فينا بالقدر الذي تستحقه القضية.
اننا نُحيي هذا الرجل الذي اختار الإسلام في آخر أمره فصار منا وفينا، بدمه وحياته وعذابه وبكلّ ما يملك، وهو حجة على الذين يحملون أسماءنا وهم من أبناء جلدتنا، ثم لا يقدّمون لهذه القضية إلا القليل الذي لا يغني ولا يسمن من جوع.
سيبقى أوكاموتو شاهداً على أن في الإنسانية من لا يزال ينتمي إلى الإنسان، في زمنٍ تخلّى فيه كثيرون عن بشريّتهم ونقضوا عهودهم.

المصدر: الشيخ ماهر حمود

أخبار متعلقة :