نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مليارات الدولارات تتبخر.. هل كأس العالم حقاً يُغني الدول المضيفة أم يُفقرها؟, اليوم الجمعة 24 يوليو 2026 09:05 مساءً
حينما ينطفئ آخر ضوء في الملعب بعد صافرة النهاية، ويعود المشجعون حاملين ذكرياتهم وصورهم إلى بلدانهم، تبدأ هناك معركة أخرى لا تقل شراسة عن المباراة نفسها، بل ربما تفوقها في التعقيد والأهمية. إنها المعركة الاقتصادية الحقيقية التي تخوضها الدولة المضيفة، وهي معركة لا تُحسم بأهدافٍ أو بطاقات حمراء، بل بأرقامٍ وموازناتٍ وحساباتٍ دقيقة قد تُبقي الدول رابحة أو تُدخلها في متاهة الديون لسنواتٍ طويلة.
السؤال المحوري الذي يطرح نفسه بقوة: هل حققت تلك الدولة ما يكفي من العائدات لتبرير المليارات التي أنفقتها بسخاء على بناء الملاعب الضخمة، وتوسيع شبكات الطرق، وتحديث المطارات، وتوفير آلاف عناصر الأمن، وبناء فنادق فاخرة تستوعب مئات الآلاف من الزوار؟
الإجابة، للأسف، ليست بسيطة كما يتصور البعض، ولا يمكن اختزالها في "نعم" أو "لا". فالدولة المضيفة لا تدفع فاتورةً واحدةً موحدةً ثم تستردها من صندوقٍ واحدٍ مغلق. الحقيقة أكثر تعقيداً من ذلك بكثير.
فالإيرادات التجارية الضخمة، والتي تشكل العمود الفقري لأي بطولة كبرى، وفي مقدمتها حقوق البث التلفزيوني العالمي، وعقود التسويق والرعاية، والنصيب الأكبر من إيرادات تذاكر المباريات وخدمات الضيافة الفاخرة، كل هذه الأموال تذهب في الغالب إلى خزينة الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، الذي يظل هو المستفيد الأكبر بغض النظر عن هوية الدولة المضيفة.
أما الحكومات والمدن التي تفتح أبوابها للبطولة، فتجد نفسها عادةً أمام عبءٍ ماليٍّ ثقيلٍ لا يُستهان به، تتحمل فيه تكلفة بناء الملاعب من الصفر أو تحديثها بشكلٍ جذري، وتوسيع شبكات النقل العام والخاص، وتوفير الأمن على مدار الساعة، وتقديم الخدمات العامة بمستوياتٍ استثنائية.
إنفاق مختلف وعائدات متفاوتة
ومع ذلك، لا يمكن القول إن الدولة المضيفة لا تجني شيئاً من هذا الاستثمار الضخم. فهي تستفيد بشكلٍ مباشر من الإنفاق الاستهلاكي للزوار على الإقامة في الفنادق، وتناول الطعام في المطاعم، واستخدام وسائل النقل، والتسوق في الأسواق والمولات التجارية. كما تستفيد من الضرائب المباشرة وغير المباشرة، والأجور التي يتقاضاها العاملون في مشاريع البناء والتشغيل، وفرص العمل المؤقتة التي تُخلق خلال فترة التحضير والاستضافة.
لكن هذا الدخل، مهما بلغ حجمه، يظل في معظم الحالات نادراً ما يكون كافياً لتغطية فاتورة البنية التحتية الضخمة بالكامل. ولذلك، لا يقوم الرهان الاقتصادي الحقيقي على أسابيع البطولة القليلة وحدها، بل على ما يبقى بعد انطفاء الأضواء وانصراف الجماهير: شبكة نقلٍ أفضل وأكثر تطوراً، ومطاراتٍ ذات سعةٍ أكبر وقدرةٍ استيعابية أعلى، ومناطق عمرانية جديدة تُغير وجه المدن، وزيادةٌ مستدامة في أعداد السياح والمستثمرين على المدى الطويل.
وهكذا، تقدم لنا تجارب الدول التي استضافت كأس العالم في السنوات الأخيرة نماذج مختلفة ومتباينة، تتراوح بين النجاح النسبي والفشل المدوي.
تجربة جنوب أفريقيا: وعود ذهبت مع الريح
عندما استضافت جنوب أفريقيا مونديال عام 2010، كانت تلك اللحظة تاريخية بكل المقاييس، فهي أول بطولة كأس عالم تُقام على الأرض الأفريقية. أنفقت الحكومة الجنوب أفريقية نحو 30 إلى 33 مليار راند استعداداً للبطولة، وهو ما كان يعادل حينها قرابة 4.1 إلى 4.5 مليار دولار أمريكي.
ذهب من هذا المبلغ الضخم نحو 11.7 مليار راند إلى بناء الملاعب وتجهيزها، فيما أُنفق 13 مليار راند على مشاريع النقل الحيوية، بما في ذلك محطات القطارات والطرق الرئيسية والمطارات. ووفقاً للأرقام الرسمية التي أعلنتها الحكومة، أوجد بناء الملاعب وحده نحو 66 ألف فرصة عمل، وولّد ما يقارب مليار دولار من الأجور والدخول المباشرة.
لكن سرعان ما تبخر الكثير من هذه المكاسب بعد انتهاء البطولة. فقد تراجع استخدام عددٍ من الملاعب الجديدة بشكلٍ كبير، بل وأصبحت صيانتها وتشغيلها عبئاً ثقيلاً على المدن التي تستضيفها. ولم يتمكن تحليلٌ اقتصاديٌ حديثٌ من إيجاد أثرٍ واضحٍ وملموس للبطولة في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، وإن كانت قد ساهمت في تعزيز حركة السياحة بشكلٍ ملحوظ.
كما أن جانباً مهماً من النشاط الاقتصادي الذي ولّدته البطولة تركز في سنوات التحضير والبناء الطويلة، وليس في شهر المباريات نفسه كما يتصور الكثيرون.
البرازيل: سياحة مزدهرة وملاعب مهجورة
تجربة البرازيل مع مونديال 2014 كانت مختلفة بعض الشيء، لكنها لم تخلو من التحديات أيضاً. بلغت النفقات المدرجة ضمن مشاريع البطولة نحو 25.6 مليار ريال برازيلي، أي ما يعادل قرابة 10.9 مليار دولار وفق متوسط سعر الصرف في عام البطولة.
وشملت هذه النفقات نحو 3.4 مليار دولار مخصصة للملاعب، وثلاثة مليارات دولار لمشاريع النقل الحضري، و2.7 مليار دولار لتطوير المطارات. لكن التكلفة النهائية للملاعب وحدها قفزت لتصل إلى 8.44 مليار ريال، متجاوزةً التقديرات الأولية بكثير.
في المقابل، حققت السياحة مكاسب واضحة لا يمكن إنكارها. أنفق الزوار الأجانب نحو 1.58 مليار دولار خلال شهري يونيو ويوليو 2014، مسجلين زيادةً تقترب من 60 في المئة مقارنةً بالفترة نفسها من العام السابق. وقدرت إحدى الدراسات أن البطولة جذبت نحو مليون سائح أجنبي إضافي إلى البرازيل.
لكن الدراسة نفسها أشارت إلى أن قرابة ربع هذه الزيادة في أعداد السياح تعود إلى وصول المنتخب الأرجنتيني إلى المباراة النهائية، وهو عاملٌ لا تستطيع أي حكومة في العالم التخطيط له أو ضمان حدوثه.
وبعد مغادرة المشجعين وانتهاء الزخم، ظهرت مشكلة الملاعب الضخمة في مدن مثل برازيليا وماناوس بوضوح، حيث لا يتناسب الطلب المحلي على كرة القدم مع السعة الهائلة لتلك الملاعب وتكلفة تشغيلها اليومية. وهكذا، نجحت البرازيل في جذب الزوار خلال البطولة، لكن الطفرة السياحية التي استمرت أسابيع قليلة لم تكن كافيةً لتحويل كل ملعبٍ ضخمٍ إلى استثمارٍ ناجحٍ ومستدام.
قطر: الاستثمار الأضخم في التاريخ
أما قطر، فكانت قصتها مختلفة تماماً عن سابقاتها. الرقم المتداول عن إنفاق ما بين 200 و300 مليار دولار لا يمثل تكلفة كأس العالم وحدها، كما يُشاع، بل هو برنامجٌ وطنيٌ شامٍ امتد لأكثر من عقدٍ من الزمن، وشمل بناء مترو الدوحة الشامل، وشبكة طرق حديثة، وميناء حمد الدولي، ومطار حمد الدولي، وفنادق فاخرة، ومدينة لوسيل العملاقة.
أما تكلفة الملاعب ومرافق التدريب والخدمات المرتبطة بالجمهور مباشرة، فقد بلغت نحو 6.5 مليار دولار فقط.
وقدر صندوق النقد الدولي أن إنفاق الزوار والإيرادات المرتبطة بالمونديال أضافا ما بين 1.6 و2.4 مليار دولار إلى الاقتصاد القطري، بما يعادل 0.7 إلى واحد في المئة فقط من الناتج المحلي الإجمالي للعام 2022. ويبدو هذا العائد المباشر متواضعاً جداً قياساً بحجم الاستثمار الضخم، لكنه لا يعبّر بالطبع عن الهدف الاستراتيجي الكامل للمشروع.
فقد ساهمت البنية التحتية الجديدة بشكلٍ كبير في دفع نمو الاقتصاد غير النفطي، وارتفع عدد زوار قطر من نحو أربعة ملايين زائر في عام 2023 إلى أكثر من خمسة ملايين زائر في عام 2024. ومع ذلك، لا يمكن منح المونديال الفضل كله في هذه الزيادة، لأنها تزامنت مع تسهيلات تأشيرات جديدة، وحملات ترويجية ضخمة، واستضافة بطولات وفعاليات رياضية وثقافية أخرى.
مونديال 2026: نموذج أقل اعتماداً على البناء
قدم مونديال 2026، الذي استضافته الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، نموذجاً مختلفاً تماماً، أقل اعتماداً على البناء من الصفر. فقد استخدمت الدول الثلاث في صورةٍ عامة ملاعب قائمة ومجهزة مسبقاً، مما قلّل بشكلٍ كبير من خطر ترك منشآت مهجورة وغير مستغلة بعد انتهاء البطولة.
لكن وجود الملاعب مسبقاً لم يجعل الاستضافة رخيصة بالمعنى المطلق. فقد بقي على المدن المضيفة أن تتحمل تكلفة الأمن الضخمة، وتوفير شبكات النقل المكثفة، وإقامة المناطق الجماهيرية، وتجهيز المنشآت بما يلبي متطلبات الفيفا الصارمة.
وفي كندا وحدها، قدّر مكتب الميزانية البرلماني الإنفاق الحكومي على استضافة 13 مباراة بنحو 1.066 مليار دولار كندي، أي ما يعادل قرابة 780 مليون دولار أمريكي، وبمتوسطٍ يقارب 60 مليون دولار أمريكي للمباراة الواحدة. وكانت دراسةٌ سبقت البطولة قد توقعت إضافة نحو ملياري دولار كندي إلى الناتج المحلي، لكن الأثر الاقتصادي الحقيقي ليس ربحاً صافياً يدخل الخزينة العامة.
وسجلت مدينة أتلانتا الأمريكية نحو 442 ألف ليلة فندقية خلال فترة البطولة، إلى جانب ارتفاعٍ ملحوظ في إيراد الغرفة المتاحة. لكن بعض أصحاب الأعمال الصغيرة في المدينة شكوا من أن المكاسب الموعودة لم تصل إليهم بالشكل المتوقع.
وفي المكسيك، بدت الدفعة الاقتصادية أضعف مما كان متوقعاً في البداية. لكن من المبكر جداً إصدار حكمٍ نهائيٍ على نسخة 2026 قبل نشر الحسابات الحكومية الرسمية، وبيانات السياحة والضرائب الدقيقة، والتمييز بين النشاط الاقتصادي الذي ولّدته البطولة فعلاً، والنشاط الذي كان سيحدث على أي حال بغض النظر عن استضافة المونديال.
أخبار متعلقة :