جريدة مصرنا

مع اقتراب التطبيق الكامل لآلية الكربون الأوروبية.. هل تواجه صادرات الأسمدة المصرية اختبارًا جديدًا؟

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
مع اقتراب التطبيق الكامل لآلية الكربون الأوروبية.. هل تواجه صادرات الأسمدة المصرية اختبارًا جديدًا؟, اليوم الخميس 23 يوليو 2026 04:12 مساءً

لم تعد المنافسة في التجارة الدولية تُقاس فقط بجودة المنتج أو تكلفته، بل أصبحت البصمة الكربونية عنصرًا حاسمًا في تحديد قدرة السلع على النفاذ إلى الأسواق العالمية. ومع اقتراب دخول آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) مرحلة التطبيق الكامل، تقف الصناعات المصرية كثيفة الانبعاثات، وفي مقدمتها صناعة الأسمدة، أمام تحدٍ جديد قد يعيد رسم خريطة صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي.

وفي هذا السياق، أصدر معهد التخطيط القومي دراسة بعنوان تأثير آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية (CBAM) على الصادرات المصرية من الأسمدة، تناولت بالتحليل واحدة من أهم القضايا الاقتصادية والبيئية المطروحة حاليًا، مستهدفة تقييم حجم التأثيرات المحتملة على الصادرات المصرية، ورسم سيناريوهات التعامل معها بما يحافظ على تنافسية الصناعة الوطنية.

من المرحلة الانتقالية إلى التطبيق الكامل

بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل المرحلة الانتقالية للآلية، التي تركز على الإفصاح عن الانبعاثات الكربونية للسلع المستوردة، على أن يبدأ التطبيق المالي الكامل تدريجيًا، بما يعني أن المستوردين سيصبحون مطالبين بدفع تكلفة الكربون المضمنة في المنتجات القادمة من خارج الاتحاد إذا كانت معايير الدولة المصدرة أقل من المعايير الأوروبية. وتشمل الآلية في مرحلتها الحالية قطاعات تعد من أكثر الصناعات كثافة في الانبعاثات، مثل الحديد والصلب، والأسمنت، والألومنيوم، والأسمدة، والهيدروجين والكهرباء، وهي قطاعات تمثل جزءًا مهمًا من الصادرات المصرية.

صادرات مصر من الأسمدة

لماذا تحظى صناعة الأسمدة بأهمية خاصة؟

تكشف الدراسة عن أن قطاع الأسمدة يمثل أحد الأعمدة الرئيسية للصادرات الصناعية المصرية، إذ بلغت صادراته خلال الفترة بين عامي 2020 و2024 نحو 11.9 مليار دولار، بما يعادل 5.6% من إجمالي الصادرات المصرية البالغ 212.4 مليار دولار. وعلى المستوى العالمي، استحوذت مصر على نحو 2.6% من تجارة الأسمدة العالمية، التي بلغت قيمتها 451.4 مليار دولار خلال الفترة نفسها، وهو ما يعكس المكانة التنافسية التي نجحت الصناعة المصرية في تحقيقها خلال السنوات الأخيرة. وتشير البيانات إلى أن الأسمدة النيتروجينية استحوذت وحدها على 75.6% من صادرات القطاع بقيمة تقارب 9 مليارات دولار، بينما مثلت الأسمدة الخاضعة مباشرة لآلية الكربون الأوروبية نحو 83% من إجمالي صادرات الأسمدة المصرية، بقيمة بلغت 9.9 مليار دولار، وهو ما يجعل تأثير الآلية الأوروبية على هذا القطاع أكثر حساسية مقارنة بغيره.

أوروبا السوق الأكثر أهمية

وتبرز الدراسة اعتماد قطاع الأسمدة المصري بدرجة كبيرة على السوق الأوروبية، إذ استحوذ الاتحاد الأوروبي خلال عام 2024 على نحو 45% من صادرات الأسمدة المصرية، بقيمة بلغت 992 مليون دولار من إجمالي صادرات القطاع البالغة 2.185 مليار دولار. وتعني هذه النسبة أن أي زيادة في تكلفة النفاذ إلى الأسواق الأوروبية نتيجة تطبيق آلية الكربون قد تنعكس بصورة مباشرة على القدرة التنافسية للمنتج المصري، خاصة في ظل المنافسة مع منتجين يمتلكون تقنيات أكثر تطورًا في خفض الانبعاثات.

صادرات مصر من الأسمدة

الدراسة تستخدم النمذجة المستقبلية

اعتمد فريق الدراسة على منهجية جمعت بين التحليل النوعي والنمذجة الكمية باستخدام نموذج ديناميكيات النظم (System Dynamics)، وهو أحد النماذج المستخدمة عالميًا لمحاكاة التفاعلات الاقتصادية المعقدة واستشراف آثار السياسات المختلفة على المدى المتوسط والطويل. ووفقًا للدراسة، فإن تأثير آلية الكربون لن يتوقف عند زيادة تكلفة الصادرات، بل سيمتد إلى الاستثمار والإنتاج والتشغيل والتكنولوجيا المستخدمة داخل المصانع، وهو ما يجعل الاستعداد المبكر أكثر جدوى من التعامل مع الآثار بعد وقوعها.

هل تمثل الآلية تهديدًا فقط؟

رغم التحديات التي تفرضها الآلية الأوروبية، فإن الدراسة تطرح رؤية مختلفة تعتبر أن التحول نحو الإنتاج منخفض الكربون يمكن أن يتحول إلى فرصة استراتيجية لتعزيز تنافسية الصناعة المصرية. فخفض الانبعاثات وتحسين كفاءة استخدام الطاقة والتوسع في مصادر الطاقة المتجددة لا يسهم فقط في تقليل الرسوم المحتملة التي قد تفرضها آلية CBAM، وإنما يرفع كذلك من كفاءة الإنتاج، ويخفض استهلاك الطاقة على المدى الطويل، ويزيد قدرة المنتجات المصرية على المنافسة في الأسواق التي أصبحت تربط بين التجارة والاستدامة البيئية.

خريطة طريق للتحول الأخضر

وطرحت الدراسة مجموعة من السياسات المقترحة لتسريع جاهزية الصناعة المصرية، في مقدمتها:

تطوير منظومة وطنية دقيقة لقياس والإبلاغ والتحقق من الانبعاثات (MRV).

* توفير حوافز ضريبية وتمويلية للاستثمارات منخفضة الكربون.

* التوسع في استخدام الطاقة النظيفة داخل الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة.

* إنشاء وتطوير أسواق للكربون بما يتوافق مع الاتجاهات الدولية.

* دعم الابتكار والتكنولوجيا النظيفة داخل القطاع الصناعي.

* تعزيز التعاون مع الشركاء الدوليين للاستفادة من التمويل الأخضر ونقل التكنولوجيا.

صادرات مصر من الأسمدة
صادرات مصر من الأسمدة

شراكة بين أربعة أطراف

وترى الدراسة أن نجاح التحول لا يعتمد على الحكومة وحدها، وإنما يتطلب تكامل أدوار أربعة أطراف رئيسية. فالحكومة مطالبة بإعداد التشريعات والحوافز وبناء البنية المؤسسية اللازمة، بينما يتحمل القطاع الخاص مسؤولية تحديث خطوط الإنتاج والاستثمار في التكنولوجيا النظيفة والالتزام بمعايير الانبعاثات.

وفي المقابل، يبرز دور القطاع المالي في توفير التمويل الأخضر وإدماج المخاطر المناخية في القرارات الاستثمارية، بينما تضطلع الجامعات والمراكز البحثية بإجراء الدراسات التطبيقية، وتطوير الكوادر البشرية، وتقديم الدعم العلمي والفني لصناع القرار.

نتائج الدراسة

التجارة العالمية تدخل عصر الكربون

لا تبدو آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية مجرد إجراء بيئي، بل تمثل تحولًا هيكليًا في قواعد التجارة الدولية، حيث أصبحت القدرة على خفض الانبعاثات شرطًا متزايد الأهمية لدخول الأسواق الكبرى. وبالنسبة لمصر، فإن قطاع الأسمدة يمثل نموذجًا واضحًا لهذا التحول، فالحفاظ على الأسواق التقليدية لن يكون ممكنًا بالاعتماد على المزايا السعرية وحدها، بل سيستلزم الاستثمار في التكنولوجيا النظيفة، وتحسين كفاءة الطاقة، وتطوير منظومة وطنية متكاملة لقياس الانبعاثات والإفصاح عنها. وفي هذا الإطار، تبدو نتائج دراسة معهد التخطيط القومي بمثابة دعوة مبكرة للتحرك الاستباقي، ليس فقط لتجنب تكلفة الكربون الأوروبية، وإنما لتحويل التحول الأخضر إلى فرصة اقتصادية تعزز مكانة الصناعة المصرية في الأسواق العالمية، وترسخ قدرتها على المنافسة في اقتصاد دولي تتزايد فيه أهمية الاستدامة عامًا بعد عام.

بقي القول أن الدكتورة سحر البهائي، مدير مركز التخطيط والتنمية البيئية بمعهد التخطيط القومي، قد أشرفت على إعداد الدراسة، وأسهم في إعدادها فريق بحثي متعدد التخصصات ضم نخبة من الباحثين والخبراء من داخل المعهد وخارجه، إلى جانب متخصصين في الاقتصاد والبيئة والهندسة والتنمية المستدامة، بما يعكس الطبيعة التكاملية للدراسة ويعزز من دقة نتائجها وتوصياتها.

اقرأ أيضاً
قرار حكومي بفرض 10% رسم صادر على الأسمدة الأزوتية

وزير الاستثمار: نستهدف تحويل مصر إلى مركز إقليمي لتصنيع وتصدير الجرارات والمعدات الثقيلة

أخبار متعلقة :