جريدة مصرنا

حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضارات القديمة!

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حجر رشيد وأمثاله.. كيف فتحت النصوص ثنائية اللغة أبواب الحضارات القديمة!, اليوم الأربعاء 15 يوليو 2026 02:57 مساءً

مصر – أدى حجر رشيد الذي اكتشف في 15 يوليو 1799 دورا نموذجيا في فك رموز الهيروغليفية المصرية القديمة، وهو لم يكن الوحيد فقد لعبت قطع أثرية واكتشافات أخرى أدوارا في فك رموز لغات قديمة.

تكمن القيمة الأساسية لمثل هذه القطع الأثرية التي تحمل نقوشا لنص مكتوب بأكثر من لغة، في الغالب، في كونها نصوصا ثنائية اللغة، أي أنها تحمل المعنى نفسه بلغتين أو أكثر، ما يجعلها أدوات ثمينة للمقارنة اللغوية.

يُعد نقش بيستون الصخري، الأكبر من نوعه في العالم، ثاني أهم مثال بعد حجر رشيد في هذا السياق، فعلى الصخر نُقش نص ثلاثي اللغات، بالفارسية القديمة والعيلامية والأكادية، بأمر من الملك داريوس الأول، وقد فصّل هذا النص الأحداث التي وقعت في الفترة الممتدة بين عامي خمسة وعشرين وواحد وعشرين قبل الميلاد.

قام المستشرق وعالم الآثار البريطاني هنري رولينسون بنسخ هذا النصّ الصخري وفك رموزه في ثلاثينيات وأربعينيات القرن التاسع عشر الميلادي، حيث بدأ بمقارنة أسماء الملوك الفُرس المعروفة من مصادر تاريخية أخرى، مثل ما ورد في مؤلفات هيرودوت، في القسم الفارسي القديم، مع ذكر تلك الأسماء في النسختين الأكادية والعيلامية.

شكّل هذا العمل المنهجي المفتاح الأساسي لفك رموز الكتابة المسمارية بأكملها، ما مكّن في نهاية المطاف من فك رموز كتابات العديد من شعوب وحضارات الشرق القديم.

من الأمثلة البارزة الأخرى على ما يمكن تسميته بأحجار رشيد الأخرى والنصوص ثنائية اللغة، لوحان يحملان نصوصا متوازية بين اللغة الأمورية واللغة الأكادية، وقد عُثر عليهما في عام ألفين وستة عشر في العراق، إذ تضمّن اللوحان عبارات من اللغة الأمورية، التي كانت شبه مجهولة في ذلك الوقت، وقد تُرجمت هذه العبارات إلى اللغة الأكادية المعروفة والمدروسة جيدا، فأصبح هذا النص الموازي بمثابة حجر رشيد جديد للغويين. بمساعدة كلمات أكادية معروفة مسبقا، تمكن اللغويون من قراءة وفكّ رموز اللغة الأمورية، التي كان يُعتقد سابقا أنها لغة منقرضة تماما، ويفترض الباحثون أن اللوحين ربما كانا بمثابة وسيلة تعليمية مخصصة لطلاب اللغة الأكادية في ذلك العصر.

استُخدمت النصوص ثنائية اللغة التي عُثر عليها على ألواح مسمارية أيضاً لفك رموز أنظمة كتابة أخرى متعددة، مثل الأبجدية الأوغاريتية أو الكتابة الفارسية القديمة.

من هذه الأمثلة المهمة كذلك، نص ثنائي باللغتين اللوفية والفينيقية، عُثر عليه في جبل كاراتيبي في تركيا، حيث لعب هذا النص، الذي يعود تاريخه إلى القرن الثامن قبل الميلاد، دورا حاسما في فك رموز اللغة اللوفية والهيروغليفية الأناضولية المرتبطة بها.

في هذا المجال ذاته، يُعدّ مرسوم “كانوبوس” الذي اكتُشف عام ألف وثمانمائة وستة وستين، نصا موازيا محفوظا بشكل جيد باللغتين الهيروغليفية المصرية واليونانية، وقد أكّد هذا النص الثنائي وعمّق فهم العلماء للكتابة المصرية القديمة بشكل ملحوظ.

إلى جانب النصوص ثنائية اللغة، لعبت عناصر أخرى دورا هاما في عملية فك الرموز اللغوية، من أبرزها النسخ والقوالب الجبسية، فقبل فك الرموز بالكامل بزمن طويل، صنع الرحالة والباحثون قوالب جبسية ورسومات تخطيطية دقيقة للهيروغليفية والرموز المسمارية، وقد مكّنت هذه النسخ من تجميع قواعد بيانات واسعة النطاق، ما سهل إجراء تحليل مقارن شامل بين مختلف النصوص.

قام الباحثون في هذا المجال أيضا بتحليل الرموز المتكررة في نصوص مختلفة، وبحثوا عن أنماط ثابتة في بنية الكلمات والجمل، وقارنوا الكتابات القديمة باللغات التي تم فك رموزها في السابق، معتمدين على المنطق الاستنتاجي.

في الوقت الحالي، تُستخدم تقنيات المسح ثلاثي الأبعاد، والتحليل الطيفي، وغيرها من الأساليب العلمية الحديثة لتحليل النصوص القديمة، ما يسمح للباحثين بدراسة المواد والنقوش بدقة متناهية من دون إلحاق أي ضرر بها.

هكذا، على الرغم من أن حجر رشيد أصبح بمثابة مفتاح فريد للهيروغليفية المصرية، إلا أن فك رموز لغات قديمة أخرى أصبح ممكنا بفضل مزيج متكامل من الاكتشافات الثنائية اللغة، والعمل الدؤوب للباحثين، والتطوير المستمر للمناهج العلمية المتبعة.

المصدر: RT

أخبار متعلقة :