جريدة مصرنا

طهران وواشنطن.. خلاف يتجاوز الورق إلى صراع النفوذ

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
طهران وواشنطن.. خلاف يتجاوز الورق إلى صراع النفوذ, اليوم الأربعاء 15 يوليو 2026 01:05 مساءً

هذا التصعيد المتسارع يعيد فتح ملف مذكرة التفاهم التي أوقفت إطلاق النار سابقاً، ويطرح تساؤلات جوهرية بشأن جدوى الهدنة الهشة التي لم تصمد أمام تفسيرات متناقضة لبنودها، وفي مقدمتها البند المتعلق بمضيق هرمز.

فهل تحوّلت الأزمة من نزاع دبلوماسي قابل للتفاوض إلى مواجهة مفتوحة على النفوذ والسيطرة؟ هذا ما حاول تفكيكه كل من محلل الشؤون الأميركية والشرق الأوسط في سكاي نيوز عربية بول سالم، والكاتب والباحث السياسي سعيد شاوردي، خلال حديثهما إلى برنامج "الظهيرة".

 ضربات دقيقة وحصار متجدد

أكد الجيش الأميركي أن قواته استخدمت ذخائر دقيقة التوجيه ضد أنظمة الدفاع الجوي على السواحل الإيرانية، إضافة إلى مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والقدرات البحرية في مدن بوشهر وجازك وكنارك وبندر عباس.

وشددت القيادة المركزية الأميركية على أن هذه الضربات المتواصلة ستُلحق خسائر فادحة بالقوات الإيرانية، وستسهم في تقويض قدرة طهران على استهداف الملاحة المدنية والسفن التجارية في مضيق هرمز.

البند الخامس... جذر الخلاف الأول

يرى بول سالم أن العالم أمام مواجهة جديدة كاملة الأركان بين واشنطن وطهران، مرجعاً ذلك إلى أن مذكرة التفاهم التي شكّلت أساس وقف إطلاق النار تركت عدداً من البنود غامضة وقابلة للتفسير المزدوج، وفي مقدمتها البند الخامس المتعلق بمضيق هرمز، حيث تصر إيران على فرض سيطرتها وتعريفتها الخاصة على الممر المائي، بينما ينتقل الموقف الأميركي من المطالبة بإعادة فتح المضيق بشكل كامل إلى إعلان الرئيس ترامب رغبته في فرض تعرفته الخاصة هو الآخر.

قراءات متبادلة خاطئة

يشير سالم خلال حديثه إلى أن كل طرف أساء قراءة حسابات الطرف الآخر؛ إذ اعتقدت طهران أن ترامب واقع في مأزق سياسي داخلي يضطره للمساومة، غير أن المعطيات الأخيرة تكشف عكس ذلك تماماً. فرسالة ترامب إلى الكونغرس منحته دستورياً وقانونياً هامش شهرين إضافيين من العمل العسكري دون الحاجة إلى إذن جديد.

أما على صعيد الانتخابات النصفية، فيرجّح سالم بقاء مجلس الشيوخ بيد الجمهوريين مقابل خسارة محتملة لمجلس النواب، وهو ما لا يجعل الحرب في الخليج عاملاً حاسماً في الاصطفافات الداخلية الأميركية رغم عدم شعبيتها.

ويضيف عاملا ثالثا يتعلق بقدرة أسواق النفط على استيعاب الضغوط الحالية رغم الارتفاع الجزئي في الأسعار، وهو ما يمنح ترامب مساحة أوسع للمناورة بعيداً عن الحسابات التي بنت عليها طهران مقاربتها.

الكونغرس عاجز... والرئيس يملك حق النقض

في السياق الدستوري ذاته، يوضح سالم أن الانقسام الحزبي العميق بين الجمهوريين والديمقراطيين يمتد إلى تفسير صلاحيات الرئيس بموجب قانون الحرب، فالحزب الجمهوري يصطف عموماً خلف الرئيس، فيما يعارض الديمقراطيون الحرب ويسعون لوقفها بمختلف الوسائل.

لكن حتى لو تبنى الكونغرس قراراً بوقف الحرب، فإن الرئيس يملك حق النقض عليه، ولا يمكن تجاوز هذا النقض إلا بتصويت بأغلبية الثلثين، وهو أمر يصفه سالم بالمستحيل في ظل الاصطفاف السياسي الراهن. ويخلص إلى أن الرئيس يستخدم هامش المناورة القانونية هذا دون أن يشكل الكونغرس عائقاً حقيقياً أمامه.

سيناريو "المضيق الرمادي"

يستبعد سالم أن يشهد مضيق هرمز إغلاقاً كاملاً طويل الأمد أو فتحاً كاملاً طويل الأمد، مرجحاً بقاءه في حالة "رمادية" متأرجحة بين الإغلاق والفتح الجزئيين، تبعاً لتفاعل عوامل ثلاثة: القرارات الأميركية والإيرانية، تقلبات أسواق النفط العالمية، وتوازن الكر والفر بين التصعيد والتفاوض.

ويلفت إلى أن ترامب، بحكم خلفيته كرجل أعمال حساس تجاه الأسواق، ساهم مؤخراً في تهدئة أسواق النفط بعد مرور كميات مهمة من الخام عبر المضيق، ما قد يمنحه ثقة لتصعيد الضغط مجدداً لشهر أو أكثر، على أن يعود لفتح المضيق جزئياً إذا اقتربت الأسواق من "الخط الأحمر".

الحصار البحري يعود إلى الواجهة

يذكّر سالم بأن الحصار على الموانئ الإيرانية كان الرد الأميركي الأول على إغلاق مضيق هرمز في مرحلة سابقة، وأحد الأسباب التي دفعت طهران للقبول بمذكرة التفاهم نظراً لكلفته الباهظة على اقتصادها. واليوم يعاد تفعيل هذا السلاح بالتوازي مع ضربات مكثفة تستهدف إضعاف قدرة إيران على إغلاق المضيق، في امتداد لمشروع أميركي أُعلن قبل أكثر من شهر لتأمين الملاحة في الجزء الجنوبي منه.

ومع ذلك، يقر سالم بأن إيران لا تزال قادرة عمليا على إغلاق الممر، إذ تتجنب الناقلات التعرض لأي طائرة مسيّرة أو ضربة نظراً لارتفاع كلفة التأمين.

ويختم بالإشارة إلى أن إيران عسكريا غير قادرة على الدفاع عن أجوائها أو ردع واشنطن أو حتى إسرائيل مباشرة، وأن سلاحها الوحيد المتبقي هو استهداف جيرانها في دول مجلس التعاون الخليجي، متسائلاً إن كانت طهران راغبة فعلاً في إبقاء هذه الدول ضمن دائرة الحرب.

الخلاف أعمق من نص مذكرة التفاهم

من زاويته، يرى الكاتب والباحث السياسي سعيد شاوردي أن الخلاف بين إيران والولايات المتحدة أعمق بكثير من مجرد تباين في تفسير بنود مذكرة التفاهم، فكل طرف يفسّر النص وفق سياسته الخاصة، بينما تبقى الخلافات الجوهرية أوسع وأكثر تجذرا.

ويصف مذكرة التفاهم بأنها لم تكن أكثر من "مسكّن" مؤقت كان مآله الانفجار عاجلاً أم آجلا، وهو ما بدأ يتحقق فعليا الآن.

ويشير إلى أن الخطاب الأميركي المعلن ظل لأسابيع يركز على رفض فرض إيران رسوماً على الملاحة في المضيق باعتبار ذلك مخالفاً للقانون الدولي، قبل أن يناقض ترامب هذا الخطاب مؤخراً، ما يكشف بحسب شاوردي عن قضايا أعمق تُخفيها واشنطن خلف يافطة القانون الدولي، أبرزها مطالبة إيران بالابتعاد عن أطول سواحلها في الخليج لصالح سيطرة أميركية مباشرة، وهو منطق يصفه بغير المقبول لدى طهران.

الممر الجديد... الشرارة التي نسفت الهدنة

يعتبر شاوردي أن فتح ترامب لممر ملاحي جديد بالتنسيق مع سلطنة عمان ودول أخرى كان استفزازاً كبيراً لإيران، ولولاه لكان الهدوء استمر لستين يوماً على الأقل، ما كان سيتيح مجالاً لدخول مفاوضات نووية بدل الانزلاق نحو مواجهة جديدة.

ويصف السياسة الأميركية الحالية بأنها "تعالج الخطأ بخطأ أكبر"، محذراً من أن الحصار والتهديد بالحرب لن يشكلا حلاً بل عاملاً إضافياً للتفجير.

طهران بين خبرة سبعة وأربعين عاماً وضغط الحرس الثوري

يؤكد شاوردي أن إيران تملك خبرة طويلة تمتد سبعة وأربعين عاماً في التعامل مع مختلف الإدارات الأميركية وأنواع العقوبات، وأن الحرب نفسها لم تعد عاملاً مفاجئاً كما كانت في مرحلتها الأولى.

ويرى أنه لو قدّرت طهران أن كلفة المواجهة تفوق مكاسبها المتوقعة لأبدت مرونة أكبر، غير أن اكتشافها عدم التزام واشنطن ببنود مذكرة التفاهم منذ الأسابيع الأولى عزز قناعتها بامتلاكها القدرة العسكرية على مواجهة طويلة. ويكشف شاوردي أن قبول طهران بالهدنة بعد نحو أربعين يوما من القتال قوبل بانتقادات داخلية واسعة طالت الرئيس مسعود بزشكيان ومحمد باقر قاليباف وعباس عراقجي، وسط تسريبات تفيد بأن الحرس الثوري نفسه لم يكن موافقا على وقف إطلاق النار، وكان يفضل استمرار الضربات الإيرانية على أميركا وإسرائيل بذريعة أنها قد تدفع واشنطن لتغيير سلوكها.

نحو حرب طويلة الأمد؟

يخلص شاوردي إلى أن القيادة السياسية الإيرانية، ممثلة بوزارة الخارجية والرئاسة، اختارت "تجربة" الأميركيين مجدداً عبر التفاوض على أساس مبدأ الربح المشترك، إلا أن الوقائع الأخيرة أثبتت أن واشنطن لا تزال تفكر بالعقلية ذاتها، ما فتح باب اللوم الداخلي على الوفد المفاوض وعلى الرئيس نفسه، وسط اتهامات بعدم الاستفادة من دروس الجولات التفاوضية السابقة. ويحذر شاوردي من أن أي حرب جديدة لن تنتهي هذه المرة بهدنة سريعة خلال شهر أو أربعين يوماً كما حصل سابقاً، بل قد تمتد لأشهر، مؤكداً أن إيران تعلن استعدادها لمواجهة طويلة على الصعد الاقتصادية والعسكرية والاجتماعية كافة.

أخبار متعلقة :